الفرصة سانحة لتطهير النفس من ادران عام بأكمله, والاحساس المعطر بالقرب من الله, فلنطرح عنك جانبا بهذه الاكوام من كتب السياسة والاقتصاد والحرب والعولمة ومشاكل البيئة وعلل الحداثة وعبثيات السرياليين وتنبؤات الدجالين وحكايات الاصفهاني واساطير الاغريق وتهاويم الفلاسفة, وخيالات الف ليلة وابداعات نجيب محفوظ وجدليات هيجل .. فهذا الشهر لا ينبغي ان يكون فيه شريك لكتاب الله وسيرة نبيه والصحابة الاولين, فهذا هو الزاد الذي يعيننا على ترميم ضمائرنا وتقويم اصلابنا حتى نستطيع المقاومة لعام آخر جديد, يعلم الله وحده كيف سيعود علينا وعلى امة المسلمين. ولكن لماذا لا نستقبل الشهر الفضيل بنفس الفرحة البريئة التي كنا نستقبله بها في سالف الايام؟ هل لان طعم الدنيا قد تغير, ام لان احساسنا بها هو الذي تغير؟ ام تراها عوادي الزمن قد تركمت على مر السنين حتي دفنت تحتها افراحا كانت كبيرة, وآمالا كانت أكبر فلم يبق من هذه وتلك سوى ذكريات شاحبة كأنها شواهد قبور؟ زمان, قبل ان تدهمنا جحافل التلفزيون والفوازير ومسلسلات النواطير كان الاحتفال برمضان ابسط مائة مرة, ولكنه كان اكثر بهجة وحرارة الف مرة. لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى قريتنا بعد, ولكن مع اقتراب شهر رمضان كان اهل كل حارة يتسابقون لتعليق فوانيس ملونة ضخمة عند مداخلها مضاءة بالشوارع, فاذا بالقرية, المظلمة طوال ليالي العام, تتحول إلى مهرجان, بالجهود الذاتية. الفوانيس الصغيرة في ايدي الاطفال, من الزجاج الملون والصفيح لم تكن تعرف تكنولوجيا البطاريات ومصباح اديسون, ولكن الشمعة الصغيرة كانت اكثر دفئا وحرارة من فوانيس اليوم التي لم نعد نراها في ايدي الصغار, مثلما كنا نفعل كل ليلة بعد صلاة العشاء, وبينما الكبار سهارى في بيوت الاعيان يتناولون الكنافة والقطائف والخشاف, ويستمعون إلى آيات الذكر الحكيم يتلوها مقرئون حقيقيون تراهم رؤى العين وليس من خلال صندوق الراديو, كنا ــ نحن الاطفال ــ نعمر الشوارع في حلقات من الانوار الملونة ونحن نرقص وننشد وحوي يا وحوي, ثم ننقض على بيوت الكبار من الابواب الخلفية ونحن ننشد (العادة العادة يالله الغفار) فتمنحنا سيدة البيت ماتيسر من حبات الكراملة, أو البندق أو الجوز, فننصرف جزلين وقد زادت رقصتنا فرحة وارتفع صوتنا حماسا ونحن نستكمل النشيد: لولا رمضان ما جينا, ولا تعبنا رجلينا, يالله الغفار, يخليكي الله يا ست الكل, ليلتك والله زي الفل, يالله الغفار, وحوي يا وحوي اياحه. ونستكمل المسيرة إلى باب خلفي آخر, ومنحة مشكورة من سيدة طيبة اخرى, وفي لسان كل منا قطعة سكر. واذا كان المقرئون وقادة حلقات الذكر في الساحات الممتدة امام بيوت الاعيان هم فرسان رمضان بالنسبة للكبار, فان الاجيال الاصغر سنا كان لهم فارسان من نوع آخر. الفارس الاول, كان الريس بيومي. وكان الريس بيومي شاعرا بربابة, يتعاقد معه المعلم علي الطبلاوي صاحب المقهى المطل على الترعة, وكنا نسميها البحر لاحياء ليالي شهر الصوم محلاهم ابوزيد وعنترة والظاهر بيبرس والاميرة ذات الهمة (وعلى فكرة) مقهى الطبلاوي مازال موجودا في نفس مكانه حتى الآن, ولكن الاسم تحول إلى كافتيريا الطبلاوي, ولم تعد تستقدم شعراء بربابة, ولكن فيها ثلاثة اجهزة للفيديو جيم فضلا عن تلفزيون 32 بوصة متصل بديش. ولم يكن صوت الريس بيومي جميلا على الاقل لم يكن في جمال صوت عبدالوهاب وام كلثوم, ولكنه كان ممثلا عظيما وعندما يصل إلى وصف مبارزة ابوزيد الهلالي مع الزناتي خليفة ينتفض واقفا فوق مقعده العالي شاهرا ربابته وكأنها سيف يطعن بها ويطوح في الهواء, وعيوننا تتابعه محدقة مدهوشة حتى لنكاد نرى المشهد المثير ودماء المهزوم. أما الفارس الثاني فكان أبوصيام المسحراتي. وفي غير شهر رمضان, كان أبوصيام صاحب ومدير ومنتج ومخرج والفتى الأول لفرقة مسرحية تحمل اسمه, ولكن ليس لها مسرح, وليس لها نصوص, وأعضاؤها هم زوجته وشقيقتاها وشقيقه وابنته الصغيرة وكان اسمها الجارية. وهو دائم الحضور في كل مناسبة في احتفالات الزواج والعودة من الحج ومواسم حصاد القمح وجني القطن وتوديع المسافر وحصول الابن الغالي على شهادة الابتدائية أو ختم القرآن. والمسرحيات التي تقدمها فرقته ليست مسرحيات بالمعنى المفهوم, وانما هي مشاهد مرتجلة يجري تأليفها في لحظة العرض, ويعتمد حوارها المرتجل على سرعة البديهة.. ولا مانع من ان يشترك في الحوار من يشاء من الجمهور الذي يفسح في العادة مكانا للممثلين على شكل حلقة يلتف بها المشاهدون.. يستمتعون, ويصفقون. ومع انه في أغلب الظن لم يكن يحسن القراءة والكتابة, ولعله لم يدخل مسرحا في حياته, الا انه كان فنانا بالغريزة, ومثل كل الفنانين كان يدرك أهمية الدعاية, ولذلك فقد كان يسبق حضوره الى مكان الاحتفال جوقة من الاطفال ينشدون: أبوصيام هل يا جدعان ولا زيّه أجدع فنان رواياته تشفي العيان.. ولم يكن أبوصيام يتقاضى أجرا, ويحضر وفرقته أية مناسبة دون اتفاق مسبق, ثم يقبل بعد ذلك ما يقدم اليه شاكرا ممنونا. حتى اذا ما أقبل رمضان تنازل عن هواية الفن وتفرغ لمهمته الجليلة, مستعينا بطبلة صغيرة حادة الصوت يدق عليها بمضرب من الجلد قيل انه قطعة من ذيل ثور. وطوال مسيرته الليلية بين حواري القرية وأزقتها, يلقي قصائد لا نهاية لها من أشعار الأئمة, وخاصة الامام الشافعي, وفيما بين مقطع وآخر ينادي على النائمين بأسمائهم كي يستيقظوا ويتناولوا السحور. وفي الليالي الرمضانية يتحول الفنان أبوصيام الى شخصية غامضة وهو يحوس في الظلام, وكنا نتباهى في الصباح بأننا استطعنا رؤيته بالليل.. وهو يخطو بطبلته من حارة الى حارة كبعض الاشباح. وفي المدرسة يسأل الطفل صاحبه, هل أنت صائم؟ فيقول طبعا, ويخرج له لسانه ليراه أبيض دليلا على صدقه, اما اذا كان اللسان أحمر فصاحبه اذن مفطر, وياويله من سخرية واستهزاء زملاء الصف!!