خدعوك ــ للأسف ــ فقالوا: (ان الشعر ديوان العرب) , ولا يكمن الخداع في المقولة ذاتها فهي صحيحة من حيث احتفال الحضارة والثقافة العربية بالشعر وإجلالها للشعراء .. ولكن الخداع كان في ترجمة حكاية ديوان العرب هذه الى حقيقة في واقع الحياة . قالوا : ان الشعر ديوان العرب, ثم كادوا يقصرون الشعر على أغراض بعينها يتداولها الشعراء من ديوان الى آخر, ويتناقلها الناس من جيل الى جيل حتى يتساءل شاعرهم الجاهلي العتيد عنترة العبسي : هل غادر الشعراء من متردّم؟ وكأنما ينعى على زملائه الشعراء تكرار الأغراض التي كادوا يحصرونها في الغزل وفي المدح وفي الهجاء وفي الرثاء وحولوا بها حياة الجماعة العربية الى مجرد (أوصاف ونعوت) أو كما كان يقول النقاد الأقدمون, ذكر المحاسن وذكر المعايب .. وهو ما يطالعك الى حد التخمة في ديوان صديقنا القديم أبي الطيب الذي نعده أشعر شعراء العربية. ان المتنبي يصف محاسن الاحياء فاذا به يقول المديح, ثم يصف محاسن الاموات فهو اذن قول الرثاء ويصف المعايب حين يريد الهجاء, ويصف التقاطيع الساحرة والملامح الآسرة والقدود المائسة والعيون الناعسة حين يصمم على المشاركة بدلو يدلي به في مجال الغزل والتشبيب, رغم ان ابا الطيب كان منصرفا او يكاد عن هذا الغرض الرومانسي الجميل ــ فما نعرف كثيرا ــ رغم غزارة ديوانه الحافل ــ عن خفقات قلبه أو لواعج نفسه أو نبضات فؤاده بل نعرف انه ربما تكلف الغزل من باب اثبات الوجود, أو جريا على عادة استفتاح القصائد بأبيات التشبيب على نحو قوله متصنعا الغزل والشوق للأحبة فيما كان في الواقع يمهد لمدح القاضي الانطاكي: لكِ يا منازل في القلوب منازل اقفرت انت وهن منك أواهل بل نعرف يقينا كيف ان أبا الطيب صرح في داليته الشهيرة التي هجا بها كافور انه ليس عاشقا ولا عميدا حين تساءل مؤكدا: أصخرة أنا؟ مالي لا تحركني هذي المدام ولا تلك الأغاريد لم يترك الدهر في قلبي ولا كبدي شيئًا تقيده عين ولا جيد واذا كان الوصافون العظام من شعراء أوج الحضارة العربية قد اغرقوا في ذكر المحاسن أو حتى ذكر المعايب فقد كانت لهم مواهب تقيهم عثرات الركاكة أو الضحالة, فمنهم مثلاً نظامون كانت تربطهم صلة الوظيفة الميري بوزارات المعارف العمومية في بلادنا .. فحاولوا ان يكتبوا شعرا وما هو بالشعر ثم تجاسروا اكثر حتى فرضوه على تلاميذ المدارس المساكين من ابناء الأجيال الماضية وقد ظلوا يحفظونه ويرددونه كالببغاوات حتى فسدت أذواقهم وكادت تنحط مداركهم من فرط الركاكة, اقرأ مثلاً نظم القائل في حث تلاميذ مصر المحروسة على محبة الوطن: مصر العزيزة لي سكن فهي الحمى وهي الوطن وجميع ما فيها حسن! هذا شعر بالمجاملة.. أو هو شعر بالنيات الحسنة, ناهيك عن شعراء آخرين, ربما كانوا أكثر موهبة.. تصوروا ان تطوير الشعر هو في تغيير الأوصاف التي استخدمها الشعراء المحدثون.. فبدلا من حديث طرفة بن العبد الجاهلي الذي أغرق في وصف الناقة اياها.. إذ كانت عوجاء مرقال تروح وتغتدي حيث كان يستخدمها الشاعر المعجباني ــ كما يبدو من سيرته ــ في زيارة يقوم بها إلى برقة ثهمد التي ما زالت تلوح بها أطلال البيوت التي سكنتها الآنسة (خولة) بطلة القصيدة وقرة عين الشاعر القديم ــ بدلا من أوصاف الناقة.. نجد حافظ ابراهيم يصف الطائرة ونجد محمود غنيم يصف الراديو المذياع ــ كما كانوا يسمونه, ونجد أحمد شوقي يصف (الباللو) ــ يعني حفلة عصرية راقصة أقامها الخديوي عباس الثاني في قصر عابدين وبالمناسبة افتتح شوقي قصيدته قائلا: مال واحتجب وادعى الغضب ليت هاجري يعلن السبب مع ذلك فلم تكن كل مدائح شوقي ركيكة فمن أجمل قصائده ما كتبه في مدح امراء اسرة محمد علي التي نشأ شوقي نفسه في كنفها وكم نعم برعايتها.. وهو مدح أكثره صادق ونابع من قلب الشاعر الموهوب ومن ثم جاءت مدائحه جزلة ومتينة, دع عنك نبويات شوقي الباذخة وهي في التحليل الأخير قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ولعل أقربها إلى نفسي بائيته التي تجمع في نسق فاتن عجيب بين الرصانة والرشاقة في آن وقد افتتحها ــ كما هو معروف ــ بقوله: سلوا قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا؟ وكنت إذا سألت القلب يوما تولى الدمع عن قلبي الجوابا من ناحية أخرى كان حافظ رحمه الله يتألق ويصل إلى ذرى المعاني والموسيقى الشعرية الرفيعة حين يكتب من القلب الدامع النابض بالشجن مراثي في رحيل الشيخ محمد عبده وكان الاستاذ الإمام يرعى الشاعر ويحدب عليه, أو في رحيل الزعيم مصطفى كامل وقد غربت شمس حياته شابا لامعا في شرخ الثلاثين لكن الاغراق في التوصيف والتماس التعابير الرشيقة حتى ولو كانت مكرورة والمعاني البلييغة حتى ولو كانت مطروقة وقد كان يفضلها الشاعر الكلاسيكي على البوح بمكنون القلب والنجوى من خلال الشعر مع القارئ يبثه لواعج نفسه ويطلعه على ما تجيش به جوانحه من خلجات ورؤى وأفكار.. كل هذا حمل ثلاثة من شباب الأدباء كانوا يحومون حول الثلاثين من العمر على اعلان الثورة ضد شعر الوصف بغير تعمق, وشعر المديح بغير عواطف وشعر المناسبات الخالي من الشعور وشعر الرثاء من أجل المجاملة ــ تلك هي مدرسة الديوان التي ذاع صيتها في فاتح عشرينات القرن وكان فرسانها هم الأصدقاء الثلاثة عباس العقاد وابراهيم المازني وعبدالرحمن شكري. وإذا كان شكري قد نشر ديوانه الأول متأثرا بالرومانسيين الانجليز ـ ورد تروث وكولردج وبايرون وكيتس وشيللي واضرابهم ثم انزوى الرجل في منفى اختياري في الاسكندرية وإذا كان المازني قد آثر الانسحاب من حلبة الثورة على شعر المناسبات وتراجع عن محاولة تحطيم أساطين الكلاسيكية وقتها ممثلين في كبار ثلاثة بدورهم هم شوقي وحافظ وخليل مطران, وبعدها اختار المازني اسلوب المقالة النثرية التي كانت تفيض علما باسرار اللغة واحاطة بآداب العصر ـ عند الانجليز بالذات ــ كما كانت تقطر سخرية, وطلاوة وتجديدا في غاية الرشاقة مما شكل فتحا في فن الكتابة العربية المعاصرة (والمازني بحاجة إلى اعادة اكتشاف منجمه الابداعي من جديد) ــ فإن عمنا عباس العقاد ظل صامدا في معركته أو في دعوته إلى اعدام شعر المناسبات وابداع نمط أو نوع أو جنس جديد من الشعر يطوف من خلاله الشاعر في اغراض الحياة بكل تنوعها وكل زخمها وكان هذا هو مفهوم العقاد لحكاية ان الشعر ديوان العرب.. بمعنى ان الشعر لا ينبغي أن يمدح الحكام فقط, أو يصف قصر الخليفة أو ايوان كسرى فحسب, أو يرثي الباشوات أو الخديويين.. الشعر عند العقاد هو ديوان الحياة اليومية ان شئت التعبير.. وإذا كان أبو تمام قد أطلق على مختاراته الشعرية اسم (ديوان الحماسة) وإذا كان تراث الشعر العربي قد احتوى أوصافا ومسميات فخيمة بلا شق من قبيل يتيمة القصر أو خريدة العصر, وإذا كان العقاد نفسه قد أطلق مثل هذه العناوين الفخيمة على معظم دواوينه مثل: انشودة الكروان, أو وهج الظهيرة, أو أعاصير مغرب أو ما بعد البعد (آخر الدواوين) ــ فلقد نقف عند الديوان الصغير الذي أخرجه العقاد للناس وربما أراد أن ينساه وهو عابر سبيل وهو اسم بسيط كما ترى خال من زخرف اللغة وحافل بعفوية الاختيار.. أراد به الأستاذ العقاد أن يقول للناس ان الشعر يمكن أن يكون شأنا من شؤون حياة الناس اليومية. في الشارع والدكان والسكن ولو كان شقة متواضعة في المنزل رقم 13 شارع السلطان سليم بمصر الجديدة حيث سكن العقاد شخصيا عدة عقود من الزمان. وربما تأثر العقاد في اختياره هذا العنوان بصديقه الاثير ابراهيم المازني الذي حملت كتبه الجميلة عناوين غاية في البساطة والعفوية مع لمسة سخرية لا يخطئها الذوق الفني مثل (على الماشي) أو (من النافذة) أو (في الطريق) بل ان المازني يجمع مقالاته وبحوثه العميقة بين دفتي كتاب ثم يختار له عنوانا مثل (حصاد.. الهشيم) أو (قبض الريح) . ولقد ألمحنا في حديث سبق إلى ديوان (عابر سبيل للعقاد) وأشرنا إلى قصائد كتبها الشاعر في رثاء (كلبه بيجو) أو في لقطة الكواء الفقير يكوي ثياب الموسرين الغالية, ليلة العيد, أو في لقطة جندي المرور الذي يتحكم في تحديد مسارات البشر, وهو خاوي الوفاض أو يكاد, أو في وصف أنامل المحبوبة وهي تصنع صديرية لفارسها المرتقب من خيوط الصيف... إلخ. ولقد كان العقاد معلما عظيما.. لكنه كان منفذا في غاية التواضع حين قصرت به موهبته عن ابداع شعر يرقى إلى مكانة التعاليم التي بشر بها الناس المتأدبين في ذلك العصر البعيد, ولا بأس.. فنحن نحسب ان دعوة العقاد التي نشرها في العشرينات قد أتت أكلها في أواخر الأربعينات وأينعت قطوفها مع فاتح الخمسينات حتى بعد أن أقلع عنها العقاد نفسه وانسحب من ساحتها إلى دنيا السياسة والنثر والكتابات الدينية واللغوية.. ولقد تحققت دعوة العقاد إلى التغيير حين طلع على الناس ذلك النوع الأدبي الجديد تماما من حيث الاغراض والمضمون وأيضا من حيث الشكل والصياغة.. وقد حمل اسم (الشعر الجديد) أو الشعر الحديث. وما أبرئ نفسي فتلك كانت مقدمة كي أحدثك عن ديوان جديد من هذا الشعر الجديد.. فالحقني إلى الاثنين المقبل بإذن الله.