نبات يمتص لك الذهب من التراب, وبكتيريا نشيطة تنظف لك المنزل والمصنع والعالم من حولك, وقلب مجفف ترشه بالماء فيصبح جاهزا للزرع في صدر أي صديق أو صديقه.. بدل قلبه أو قلبها العليل . هذا ما تبشرنا به (الهندسة الوراثية) على عتبة الألفية الثالثة لنتمتع به أو لنقدمه هدية لمن نحب. سبانخ وحديد و.. ذهب (ازرع ملفوفا.. تحصد ذهبا) هو العنوان الذي اختارته مجلة (الطبيعة) العلمية الرصينة في وصف سلسلة من التجارب المذهلة يقوم به العالمان كريس أندرسون وروبرت بروكس في مختبرات ومشاتل جامعة بالمرستون في نيوزيلندا, وهي تهدف الى هندسة نبات من فصيلة الملفوف يقوم بامتصاص غبار الذهب وفلزاته وذراته من باطن الأرض ويختزنه في أوراقه, ليحصدها المزارع بعد نضجها ويودعها سبائك ذهبية في رصيده في البنك (!). وينطلق العالمان في تجاربهما من حقيقة بسيطة وهي أن هناك عشرات الأنواع من النباتات تملك القدرة على امتصاص مختلف أنواع المعادن من التربة, كالسبانخ مثلا الذي تتفتح شهيته على فلزات الحديد, أما الملفوف فهو أكثر النباتات شراهة لامتصاص المعادن, غير أنه يواجه صعوبات أحيانا في جهازه الهضمي عندما يحاول شفط الذهب لان المعدن الأصفر يكون غالبا ممتزجا مع عناصر أخرى يصعب عليه هضمها, كما أنه يعاني من قصر جذوره, ومن هنا فقد انصب اهتمام العالمين, وعبر وسائل الهندسة الوراثية, على تطوير ملفوف بجذور تمتد عدة أمتار, كما أنهما استخدما مواد كيماوية تقوم بمهمة مزدوجة, فهي من ناحية تعتبر فاتحة شهية للملفوف, ومن ناحية أخرى تعمل على فصل الذهب عن باقي العناصر التي يأبى الملفوف تناولها, وقد نجح العالمان في تطوير النوع المطلوب من مصاص الذهب, وقاما بزرع حقل كامل من الملفوف فوق أحد مناجم الذهب الفارغة والمهجورة في غرب أستراليا, وكانت النتيجة ان نسبة الذهب في أوراق كل ثمرة ملفوف كانت تزيد (2000) مرة عن نسبتها في الملفوف العادي. أما أهمية الاكتشاف فهي ان شركات المناجم والتعدين تنقب عن عروق الذهب لاستخراجه, ولا تتعامل مع الفلزات وغبار الذهب بسبب التكاليف الباهظة, أما في حالة الملفوف فإن الجدوى الاقتصادية سوف تكون مربحة, وهو ما سوف يضاعف كميات الذهب المستخرجة سنويا. ولعل هذا النبات الذهبي يحمل في المستقبل علامة تجارية من نوع (ملفوف ميداس) نسبة الى ذلك الملك الذي كان يحوّل كل ما تلمسه يداه الى ذهب. البكتيريا الخارقة صديقة البيئة ومن الملفوف الذهبي الى (السوبر بكتيريا) , فقد نشرت مجلة (الهندسة الوراثية للطبيعة) تقريرا عن نوع خارق من البكتيريا اطلق عليه اسم (دينا كوكوس) اكتشفه العالم مايكل دالي وفريق من الباحثين في جامعتي ميريلاند ومينسوتا في الولايات المتحدة الامريكية, هذا النوع من البكتيريا يعيش منذ مليارات السنين, أي تعاقبت عليه عصور النار والجليد, وصار يمتلك جهازا للمناعة قلّ نظيره, ويستطيع بالتالي أن يتعايش مع جميع عناصر التلوث, بما فيها مقاومة العناصر المشعة من النوع السائد في مفاعل (تشيرنوبيل) النووي, بعد الكارثة الشهيرة التي تعرض لها. جهاز المناعة لدى هذه البكتيريا السوبر, كما اكتشف العالم دالي وفريقه, يعتمد بشكل رئيسي على احتياطي استراتيجي من الجينات تخزنه هذه البكتيريا, وفي ساعات المواجهة, وفي حال موت احدى الجينات وسقوطها بتأثير الاشعاع فإن البكتيريا تدفع بمخزونها الاستراتيجي الى خط المواجهة, وكلما سقطت جينة حلت مكانها أخرى, وهكذا الى ان ينتهي الاحتياطي الاستراتيجي وهو يقدر لدى كل بكتيريا بحوالي عشر جينات, أي أن بامكان هذه البكتيريا أن تموت وتعود للحياة عشر مرات. ولكن المشكلة التي واجهها الفريق العلمي هي أن هذه البكتيريا تعتمد استراتيجية الدفاع والحماية الذاتية, وتفتقد ما يسمى استراتيجية الهجوم خير وسائل الدفاع, ومن هنا فقد انصب جهد الفريق العلمي على تطعيم هذه البكتيريا بشيء من العدوانية يدفعها الى الهجوم على الخصم و.. التهامه. ونجح الفريق العلمي في عملية التطعيم, عبر تزويد الديناكوكوس بأربعة أنواع من الجينات الهجومية, تمكنها من الانقضاض على الخصم وتجريده من سلاحه.. وقد نجحت التجربة الى حد أن الديناكوكوس باتت (مدمنة) على تنظيف جميع عناصر التلوث عبر التهامها بما فيها العناصر المشعة الناتجة عن الوقود النووي الصلب وملحقاته. اليوم يقف الفريق العلمي بقيادة مايكل دالي على خط التماس عند (مفاعل ايداهو) وهو أكثر بقع الأرض تلوثا بالاشعاع وعناصر أخرى كلها من النوع القاتل, وقد أطلق الفريق داخل المفاعل جيوشا من الديناكوكوس, وقد أبلت حتى الآن أحسن البلاء, مما يبشر بأن يتحول المفاعل المهجور, في فترة لاحقة, الى حديقة غناء وتغرد فيها العصافير ويقصدها العشاق, وبالطبع لن تقتصر مهمة البكتيريا الخارقة على التهام الذرات والغبار المشع في المفاعلات النووية, بل سوف تتوسع خدماتها التجارية لتشمل الخدمة لدى ربات المنازل, حيث ان فرقة صغيرة من الديناكوكوس تطلقها في حجرات البيت سوف تكون قادرة على التهام جميع العناصر الملوثة فيه, بما فيها القطران السام والزرنيخ الذي يستخدم في صنع البارود والمتفجرات, وبقايا الرصاص المتراكمة من عوادم السيارات بالاضافة الى السموم التي يمكن ان تفرزها بعض مساحيق التجميل (!). بنوك للقلوب المجففة ووصولا الى القلوب المجففة, وهي سوف تكون من صادرات اليابان في مطلع القرن المقبل, فقد نجح فريق من علماء اليابان مؤخرا في ان يجفف قلب فأر وان يحفظه مدة عشرة ايام, وبعد انقضاء المدة اخرج الفريق القلب ورشه بالماء, فإذا به يعود قلبا ينبض. وتقول مجلة (نيو ساينتيست) العلمية انه لأول مرة في التاريخ يتوصل الانسان الى حل مشكلة كانت تقف سدا منيعا في طريق انشاء بنك للاعضاء البشرية الجاهزة للزرع, اذ من المعروف انه يمكن حفظ الاعضاء البشرية لمدة لا تتجاوز في اقصى الاحوال (30) ساعة, اما القلوب والروايا فلا يمكن حفظها اكثر من اربع ساعات, قبل ان يصيبها التلف بسبب وجود الماء فيها, وبالتالي فإن زراعة هذه الاعضاء في اجساد من يحتاجونها كانت محكومة بهذا السباق مع الوقت بين انتقال القلب أو الرئة من الانسان المتبرع الى الانسان المحتاج, ولكن هذا السباق يشارف على نهايته, بعد ان توصل الفريق الياباني الى ان الاعضاء البشرية يمكن ان يتم حفظها, كما تحفظ الفواكه المجففة. وفي التفاصيل ان العالم الياباني كونهيرو ساكي وفريقه في جامعة كانفادا اكتشفوا بداية ان هناك نوعا من الكائنات الطحلبية ذات الأقدام الأربعة استطاع في خضم الصراع من أجل البقاء تطوير وسائل خارقة للدفاع عن الذات, من بينها ان يطلق سائلا سكريا يغلف جسده, وبعد اطلاق هذا السائل يبدأ الكائن بالجفاف. ويستطيع هذا النوع البقاء على هذه الحالة مدة تزيد على 120 سنة بالتمام والكمال, يخرج بعدها ليتابع حياته في ظروف أفضل, وهو ما جربه العلماء وشاهدوه بأم أعينهم عندما اخرجوا كائنا طحلبيا من هذا النوع كان محفوظا في المتحف مدة تزيد على قرن من الزمان, وبعد ان غمسوه في الماء, عاد حيوانا يسعى. ومن هذه (المعلومة) انطلق العالم الياباني وفريقه, فكشفوا أولا عن مكونات هذا السائل السكري, ونجحوا في تصنيعه في المختبر, ثم غلفوا به قلب فأر للتجارب. وبدأوا بسحب الماء من جسده حتى صار جافا تماما مثل ورقة شجر يابسة, وبعد عشرة أيام أخرجوا القلب وغسلوه, فإذا به ينبض مجددا! أعضاء الفريق الياباني يعتقدون انهم كسروا حاجز الزمن في حفظ الأعضاء تمهيدا لزرعها, وهم يتابعون أبحاثهم لمعرفة ما اذا كان هذا الاكتشاف سوف يفتح أمامهم ليس بنكا للأعضاء المجففة فقط, بل أكثر من ذلك, وهم يسألون: اذا استطاع هذا السائل السكري ان يحفظ جسد الحيوان القارض مدة تزيد على قرن, فلماذا لا نجربه في حفظ جسد الانسان ايضا ولمدة مشابهة؟ والسؤال مازال يبحث عن الاجابة في مختبرات الجامعة اليابانية.. وفي كتب الخلود.