في كتب التراث ان الحجاج بن يوسف لقي مرة أعرابيا, فقال له: من أين أقبلت يا هذا, فرد عليه الأعرابي: من البادية, قال الحجاج: ما بيدك؟ قال الأعرابي: انها عصا, أركزها لصلاتي واعدها لعُداتي , وأسوق بها دابتي, وأقوى بها على سفري, واعتمد عليها في مشيي, ليتسع بها خطوي, اعبر بها النهر فتؤمنني والقي عليها كساء فيسترني من الحر, ويقيني من القر, وتُدني ما بعُد مني, وهي تحمل سفرتي وعلاقة أدواتي, وشجب ثيابي, أعتمد بها عند الضرب, وأقرع بها الأبواب, واتقي بها عقر الكلاب, تنوب عن الرمح في الطعان, وعن الحربة عند منازلة الأقران, ورثتها عن أبي, واورثها بعد ابني, وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى كثيرة لا تحصى. المآثر التي عددها هذا الأعرابي, لا تترك حديثا آخر عن العصا, إلا ان الأخ الصديق ابراهيم الذهلي وبافكاره الغرائبية, قرر ان يؤلف عن العصا. غاب أشهر الصيف, وعاد بكتاب متكامل عن هذه الخفيفة الثقيلة وحكايتها في التاريخ وأسرارها في العلم والدين والطب وحضارة المجتمعات المختلفة, ماذا كتب عن العصا, أثار ابراهيم فضولي, وبانتظار ان يصدر هذا الكتاب. أتساءل هل تستحق العصا هذا الموضوع المحدود والشيء الصغير والبسيط جدا ان تكون بحثا طويلا ومادة لكتاب؟ أترك الاجابة لمشروع الكتاب المنتظر, وأتحدث معك عن هذه الحاضرة في لحظات الخوف والغضب وفي حالات العشق, فمنذ ان عرف الإنسان العصا وهي صاحب له يحملها خلجاته ويشعر معها بالأمان. تأمل العصا يخلق عندك انطباعا أنها لا تعني شيئا, هي مجرد سوط رفيع أو غليظ حسب شخصية ومهمة الذي يحملها, قد تكون من (الخيزران) أو من أطراف شجرة الأثل أو السمر أو من أي شيء, قد تكون غالية الثمن, وقد يلتقطها الإنسان من الأرض من غير ثمن. ولكن هذه التي لا تعني شيئا, تحمل معاني, واستحضار صورة وجودها عند الآخرين, قد يدلك على أنها مهمة جدا, وأنها كل شيء, هي عندنا هنا, وفي سواد أفريقيا, في استراليا وعند سكان الألب, يحملها كبير السن والشاب, عند كبير القوم, وفي يد الحارس وراعي الغنم, يستخدمها رجل الدين وكذلك الساحر المشعوذ, تجدها صلبة عند العسكري, يحركها نغم الموسيقي عند المايسترو. في كل بقاع العالم حاضرة, وفي كل الأزمنة. العصا في الامارات كان لها حضور قوي في الزمن الماضي, انها من صفات الرجولة, يحملها الشاب والشايب في (البرزة) وفي مناسبات الأعياد والأفراح, أثناء الليل وفي النهار, لا تتخيل في ذلك الزمن ان تجد رجلا من غير بندقية أو عصا. معلم القرآن يمسك بعصا غليظة تحرسه من مشاغبات الصغار, ويؤدب بها الكسالى انها (العصا لمن عصا) ويكفي حضورها ليحضر الأدب والطاعة والنظام والخوف منها. وهي كذلك عند البحار وساكن الجبل, أما عند البدوي فهي صاحب عزيز يقوى دورها ويشتد عند رعي الابل, فيكفي ان تشاهدها الدابة لتأتمر بقانون سيدها, انها في أمثالهم واهازيجهم: (يا ناقتي وإلا العصا والاشربي) . وهذه العصا كذلك عند الشاعر العاشق, ونيس يشاكيه, يحركها أو يدفنها في كثبان الرمال, فيخرج بيت يتبعه قصيدة للمحبوبة, التي غالبا ما تشبه (عود الخيزران) . عصا الشاعر التي كثيرا ما يعاتبها (بشكي لك يا عصاية) هي في العادة مثل رفيقها رومانسية (مطيعة في الليد) تمنحه الابداع مثلها مثل الصاحب الغائب. فالعصا في اليد.. وفي القلب أيضا.