قد لا يجد الفنان أمام بصيرته سوى الطبيعة وعددا من الشخصيات التي يلح عليه مرآها كل يوم, مما يجعله ينقلها الى موقع الثبات في لوحة لا حدود لها سوى هذا العالم اليومي . وهذا هو الملمح الاساسي في لوحات الرائد التشكيلي العراقي: صديق احمد (1915 ــ 1997), حيث نجد الطبيعة تشكل وبألحاح حضورها المتميز في معظم لوحاته, الى جانب عدد محدود من الشخصيات التي يكرر وجودها في اعماله وينفذها بمواد فنية مختلفة. وهذا ليس فقرا في اللوحة, ولا غيابا في الحضور الامثل, ولكنه تعبير عن وجود مرئي, لا تأثير للثقافة المعمقة ولا للمعرفة الحاذقة ولا للرؤية الثاقبة ولا للمخيلة في أبعادها.. عليه. ذلك أن صديق أحمد لايريد لمن يشاهد لوحاته ان يرى فيها أكثر مما يراه هو نفسه.. بمعنى ان حدود المشهدية عنده واحدة تجمعه مع متلقيه.. في حين نجد اللوحة الحديثة تثير الانتباه وتخلق حالة من الجدل قد لا يكون الفنان في رسمه لها قد وعاها او ادركها او ارادها اصلا.. وانما جاءت وفق سياق تأملي خاص.. لتصبح امام المتلقي حالة مضافة وجديدة على الفنان ــ المبتكر ــ وعلى المتلقي ــ المستقبل لها, وصديق أحمد قد أدرك هذه الحقيقة في وقت متأخر من حياته الغنية المديدة, مما دفعه الى اضافة (كولاج) في بعض لوحاته, والانتقال من مدرسة فنية الى اخرى.. من الانطباعية, الى التعبيرية, الى الواقعية.. والى التجريد في حدود ضيقة أحيانا. وهذا يعني أنه كان على دراية كلية بطبيعة أعماله الفنية, وديمومة الحركة الفنية الزاخرة والمتطورة والمتغيرة المحيطة به, مما جعله يسعى وبشكل حثيث لاستقبال كافة الرؤى الفنية والافادة منها في لوحاته, بهدف الكشف عن موهبة دالة كامنة فيه. إن صديق أحمد, كونته موهبته أولا, وقد حاول أن ينميها بالدراسة المنظمة, ومن ثم بالدراسة الشخصية ــ وهي الأم ــ كذلك توقف عند عطاء عدد من الفنانين العراقيين الذي عاشوا وعاش عصرا متبادلا معهم وبخاصة: عبدالقادر رسام ومحمد صالح زكي.. ثم انتقل الى فنانين في مدينة كركوك شكل معهم تجمعا تشكيليا ناميا وكان من ابرزهم د. سنان سعيد الذي انصرف بعدئذ الى دراسة فن الاعلام والاتصال والترجمة.. حتى أصبح علما في هذه الميادين حتى رحيله. كما اكتشف في اعمال المبرزين من الرواد والذين شكلوا الرعيل الثاني في حركة التشكيل العراقي وخاصة: فائق حسن, عطا صبري, جواد سليم, خالد الجادر, حافظ الدروبي, اسماعيل الشيخلي.. بؤرا ضوئية تهديه نحو مسار جديد في تقديم لوحات حيّة. لا نجد في لوحات صديق احمد تأثيرات فنية اجنبية واضحة المعالم... الا في حدود ضيقة وعلى نحو دقيق تأثره بفان كوخ والرسوم التسجيلية وادخال الملصق.. والتخطيطات الحرة التي يقدم فيها منظورا سريعا. ان ما يميز لوحات صديق أحمد بهجة الوانه واحيانا ضجتها وصراحتها وحتى صخبها الى جانب فسح يتيحها للجسد ولمحيطه كأنه يسعى الى اشغالنا بوجود لابد ان نتأمل فيه ونعنى به ونتفاعل معه. ولوحاته المائية او المرسومة بالحبر او الباستيل هي الابرز وربما يعود هذا الى غياب مواد الرسم الزيتية في عهده او كلفتها العالية فما يهمه ان يرسم بكل شيء متاح امامه.. مهما كان فقيرا ومحدودا. ان ريادة صديق احمد, ريادة اصيلة نابعة من موهبة هاجسها الابتكار ومسارها غزارة في العطاء وحنو على الناس والطبيعية حنو على حياة انطفأت فيها روحه وبقي فنه يثير فينا التأمل والاحترام لفنان اخلص في انجاز فن يتواصل حضوره مع الزمن. حسب الله يحيى