أعرف ان السؤال قديم, ولكنه مطروح الآن وبقوة على الساحة العالمية, بعد حادث هز الاوساط الادبية, حيث قررت جامعة اكسفورد العريقة التوقف عن طبع كتب الشعر بسبب ضعف التوزيع وقلة العائد.. الأمر الذي يجعل من طبع هذه الكتب عملية فاسدة تجاريا.والأمر ليس جديدا بالطبع, ولكن الزمن هو الذي تغير , فمنذ سنوات طويلة وكتب الشعر لا تجد رواجا, ولكن النشر كان مستمرا لأن الجامعة كانت تعتبر ذلك جزءا من رسالتها, ومن جانب الشعراء كان ذلك يعتبر اعترافا متميزا بهم له قيمته الادبية الهائلة, بالاضافة الى ما يوفره ذلك من عائد مادي. الآن تغير الموقف والفضل للنظام الدولي الجديد.. ولا تتعجب! ففي ظل هذا النظام تسود نظرة جدية في عالم الاقتصاد تؤكد على هدف واحد وحيد لعملية الانتاج وهو الربح, وتجعل المقياس الوحيد للنجاح في أية مؤسسة هو ما تحققه من أرباح حتى ولو كان ثمن ذلك ان ترتفع نسبة البطالة ويسود الفقر بين الغالبية. ستقول.. وما علاقة ذلك بالشعر؟.. اصبر قليلا علينا. ففي ظل هذه النظرة أصبح الحساب بالقطاعي, وأصبح على كل وحدة ان تحقق الرباح والا تم اغلاقها. والشركة التي تملك عدة مصانع لابد ان تحقق الربح في كل مصنع والا أغلقته, وحتى داخل المصنع لم يعد مسموحا بأن تكون التكلفة في أي جزء من عملية التصنيع أعلى من المصانع المنافسة والا أغلقت هذه الوحدة على الفور أو تم اصلاح الاحوال فيها لتحقق الربح, بل ان ضخامة الانتاج أو جودته لم تعد الهدف, بل الربح.. والربح وحده. وهناك مصانع للسيارات تنتج مثلا مليون سيارة تكسب في كل سيارة ألف دولار.. ترى الآن ان من مصلحة أصحاب الأسهم في الشركة ان ينخفض العدد الى ثلاثة أرباع المليون اذا كان ذلك سيحقق ربحا في كل سيارة ألفين من الدولارات.. حتى ولو كان معنى ذلك حرمان عشرات الألوف من العمال من العمل وحرمان ربع مليون من السيارات. هذا المنطق ينتقل الآن والى عالم الثقافة لتخضع لحكم السوق فقط. لم يعد مسموح لجامعة عريقة مثل (اكسفورد) ان تطبع كتب الشعر ولا تحقق الربح المطلوب, وسوف تنتهي تلك الأيام التي كان الناشرون الكبار يطبعون الكتب الهامة التي تمثل المدفعية الثقيلة في الثقافة حتى ولو كانت لا تحقق ربحا اعتمادا على انهم سيربحون من الكتب الشعبية ما يغطي الخسارة في غيرها. وما يحدث هنا, كان يحدث في المجالات الثقافية. كانت شركات السينما تنتج عشرات من الافلام التي تحقق الربح وتضمن النجاح الجماهيري, ولكنها في الوقت نفسه كانت تنتج بضعة أفلام تعرف انها لن تحقق هذا النجاح, ولكنها هي التي ستبقى في تاريخ السينما, وهي التي ستشارك في المهرجانات العالمية, وهي التي تعطي القيمة الحقيقة لسينما هذا البلد أو ذاك. الآن يتغير كل ذلك ويصبح الربح هو الهدف الوحيد للشركات. وسيجد صانعو السينما الحقيقية والمسرح الحقيقي كل الصعوبة في ان ينفذوا أعمالهم. ويزداد الأمر سوءا في ضوء الواقع الجديد الذي تزداد فيه الدولة ضعفا, وترفع يدها يوما بعد يوم عن دعم أي شيء.. من الصحة الى التعليم الى الثقافة, ويغيب ذلك الشعار الذي كان يتردد من ان على الدولة ان تدعم الثقافة كما تدعم رغيف الخبز, لأن الدولة ــ في كل العالم ــ في طريقها لرفع دعمها عن رغيف الخبز في ظل النظام العالمي الجديد الذي يعتبر فقر الانسان مسؤوليته وحده, وفقر الدول (جريمتها) التي تتحمل عقابها. في الخارج تعيش الأوبرا والمسرح الراقي على معونة الأثرياء.. ولا أحد يعلم هل ستستمر هذه الفضيلة أم تنتهي مع نمو الجوع الأسطوري الى الربح والثراء. أما عندنا فمازال الذين يفعلون شيئا من ذلك قلة نادرة, أما الأغلبية فهي على خصومة مع الثقافة الرفيعة والفن الجميل, ومنها الكثيرون ممن يفضلون ان يلقوا الأموال تحت أقدام راقصة شرقية تجمع (النقوط) على ان يساهموا في تمويل عمل مسرحي أو سينمائي رفيع أو طبع كتاب يضيف شيئا للعقل أو الوجدان. والنتيجة.. تدهور عام في مستوى الثقافة التي تقدم, وتغلب الهابط من الفنون في كل المجالات.. في المسرح والسينما والأغنية لأن (كامننا) تباع أكثر, و(أخويا هايص وانا لايص) يشاهدها على المسرح أضعاف من يشاهدون مسرحية للحكيم أو شكسبير, وها هي الأبواب تغلق أمام الشعر في الخارج لأنه لا يباع, فماذا عندنا؟ في السنوات القليلة الماضية قيل ان الشعر العربي لم يعد ديوان العرب كما كان عبر العصور, وان الرواية قد حلت مكانه. وكانت المبررات لهذا القول قوية, فالرواية تشهد ازدهارا وعدد الروايات التي تصدر سنويا يتضاعف, والأسماء اللامعة تتكاثر, لم يعد نجيب محفوظ يفرد وحده ولا حنا مينا ولا منيف.. جيل الستينات طفا على الساحة, ثم تبعته أجيال شابة تقدم رؤيتها الخاصة. وفي الوقت نفسه كان الشعر يعاني من هجوم أنصاف الموهوبين المتشحين بالحداثة, الهاربين الى الغموض.. فهرب القارىء, ولكن ذلك كله كان نسبيا, ففي الشعر مازالت أسماء تلمع وتبدع شعرا جميلا, وفي الرواية ازدحمت الساحة بالانتاج الذي أصبح معظمه دون المستوى.. وفي كل الأحوال مازال القارىء بعيدا والتوزيع محدودا للغاية الا في حالات نادرة. ومع ان الشعر هو الخاسر الأكبر في السنوات الأخيرة, فلست متشائما من المستقبل بشأنه حتى ولو انهارت دولته في العالم كله, فالشعر في العالم العربي له ميزة لا تتوافر لغيره, وهي ارتباطه بالموسيقى والغناء. في الغرب يبدو ارتباط الموسيقى بالرقص هو السمة البارزة, ولذلك تزدهر الموسيقى الخالصة, أي التي لا يصاحبها الغناء, سواء في ذلك الموسيقى السيمفونية الكلاسيكية أو الموسيقى المصاحبة لفن الباليه أو الموسيقى الخفيفة. عندنا ترتبط الموسيقى تماما بالغناء والشعر, ولم تنجح حتى الآن محاولات نشر الموسيقى الخالصة وبقيت الاغنية هي الفن الأول والأكثر انتشارا في عالم الموسيقى. وارتبطت نهضة الاغنية في عصورها الذهبية بظاهرتين تتعلقان بالشعر.. الأولى هي اللجوء لانتاج كبار الشعراء من شوقي الى حافظ ابراهيم الى ابراهيم ناجي الى نزار قباني, واستفاد الشعر كثيرا من هذا الطريق, وعرف المستمع العادي وغير المثقف طريقه الى الشعر الجميل, وتغنى الجميع بالجندول ونهج البردة والاطلال وقارئة الفنجان.. حتى الهجوم الأخير على أشعار نزار. الظاهرة الثانية هنا.. ان الأغنية التي صيغت بالعامية قد ارتقت الى مصاف الشعر, وعلى يد رامي وبيرم التونسي انتقلت الأغنية من: ارخي الستارة اللى في ريحنا أحسن جيراننا تجرحنا الى (جددت حبك) و(سهران) و(الآهات) . وبعد يوم درامي جاءت أجيال من الشعراء الحقيقيين تكتب بالعامية فتقول شعرا.. مرسي جميل عزيز ومأمون الشناوي ثم صلاح جاهين وعبدالوهاب محمد, وحتى ما يسمونه الآن أغنية شبابية أجد شعرا جميلا عند البعض تفسده الألحان الرديئة والاصوات المحدودة. ومازال الابنودي وفؤاد نجم وسيد حجاب يكتبون الاغنيات الجميلة, وان كان الابنودي بالذات يعتبر دواوينه ــ وليس أغنياته ــ هي الشعر الحقيقي. سيبقى الشعر عندنا لأنه مرتبط بالموسيقى والغناء. واذا كان الناس يهربون الآن من اللوغريتمات التي ينشرها البعض على انها شعر, واذا كان ايقاع الحياة لا يسمح بالمناخ الطبيعي لازدهار الشعر الجميل, فإن احتضان الموسيقى العربية للشعر وارتباطها به سيبقى عامل أمان على ان الكلمة الجميلة لن تختفي من حياتنا. بالطبع هناك أخطار عديدة قد لا تواجه الناس في الغرب ولكنها تواجهنا, هناك خطر اغراق الاغنية العربية في التفاهة سواء في التأليف أو التلحين, وهو خطر لابد ان تتنبه له الاجهزة المعنية ومحطات الاذاعة والتلفزيون التي تشكل جزءا كبيرا من الذوق الفني واللغوي الآن, وذلك بتشجيع الغناء الجميل (القديم والحديث) واستبعاد الكلمة الهابطة أو المبتذلة. والخطر الآن هو الخطر على اللغة العربية نفسها, بين هجمة أمريكية تريد ان تكون وحدها هي لغة المستقبل, وان تكون الحضارة الأمريكية وحدها هي المسيطرة, وبين اهمال العربية أو تركها بعيدا عن التطور ومواكبة العصر, وبين ترك الأطفال يتعلمون بغير العربية ويتصورون انها لا تصلح للتعامل مع العلوم الحديثة.. والنتيجة هذه (الرطانة) التي أصبحنا نسمعها حولنا والتي تتسلل الى حياتنا الثقافية والفنية وتكاد تبعد العربية عن ان تكون لغة حياة وطريق ابداع في كل المجالات, وإن كان ايماننا لن يهتز بأن لغة القرآن الكريم قادرة على التحدي والصمود, وقادرة على ان تكون لغة الحضارة الانسانية في أعظم تجلياتها الثقافية والعلمية والأدبية. ستبقى العربية لأنها لغة القرآن, ولكنها تحتاج لنضال طويل حتى لا تنجح محاولات بعض الذين يريدون ان يبعدوها عن ان تكن لغة للعصر والمستقبل. وسيبقى الشعر لأنه مرتبط بالموسيقى والغناء, ولكن ذلك يستدعي حربا حقيقية ضد (الرطانة) التي تغزو حياتنا, والتي تجعلنا نسمع في الغناء (كامننا) . ونكاد نقرأ في شعرنا العربي من لا يختلف عن السيد خان بن خان الذي أتحفنا أخونا عبدالحميد احمد في زاويته ببعض انتاجه, بل في الحقيقة فإن بعض ما ينشر على انه من الشعر العربي الحديث جدا يبدو أكثر رطانة مما يقوله أخونا خان وهو يقف واعظا ناصحا: