كنت على سفر حين اضطررت الى ترك اصدقائي, خالد محمد احمد وعبدالحميد أحمد ومحمد المر, بعد لقاء حميم في مقر جريدة (البيان)بدبي , قبلت فيه ان اكتب استراحة يوم الاربعاء من كل اسبوع, وما كادت الطائرة تقلع من مطار دبي عائدة الى القاهرة, وتستقر في طريقها المرسوم مبتعدة عن الضباب الذي تكاثف على مطار دبي صباح ذلك اليوم, حتى اخذت تناوشني الخواطر المرسلة عن استراحة الاربعاء التي الزمني بها اصدقاء اعتز بهم, وقبل ان امضي بعيدا في التساؤل عن الموضوعات والقضايا التي انوي الكتابة فيها او التركيز عليها, فضلا عن الخطة التي يمكن ان انتهجها في المعالجة والتناول, وجدت نفسي مشدودا الى تداعيات تدور حول مصادفة اليوم الذي اختير لي, وهو يوم الاربعاء, فلهذا اليوم دلالة خاصة في عقلي ووجداني, دلالة تشدني الى طه حسين الذي اسهم قبل سواه واكثر من سواه في تشكيل ما انطوى عليه من وعي ثقافي ومشروع نقدي. وقد لا يعرف الكثيرون ان بدايات التأثير الجذري لطه حسين (1889 ــ 1973) في الثقافة العربية الحديثة بدأت بمقالات (حديث الاربعاء) التي اخذ ينشرها في جريدة السياسة اليومية التي صدر عددها الاول في صباح الثلاثين من اكتوبر سنة ,1922 وكانت هذه الجريدة الصوت الناطق باسم حزب الاحرار الدستوريين الذي ضم ـ الى جانب احمد لطفي السيد وعبدالعزيز فهمي وآل عبدالرازق وغيرهم من مؤسسي حزب الامة القديم ــ محمد حسين هيكل (1888 ــ 1956) الذي اوكلت اليه قيادة الحزب الجديد الاشراف على جريدته الليبرالية التوجه, واسند رئيس التحرير محمد حسين هيكل الى صديقه الحميم طه حسين مهمة الاشراف على القسم الادبي من الجريدة الوليدة, الى جانب كتابة مقال اسبوعي في القضايا التي تشغل الحياة الثقافية بوجه عام والحياة الادبية بوجه خاص وتولى طه حسين المهمة بنجاح واختار لمقاله الاسبوعي عنوان (حديث الاربعاء) وتتابعت مقالات (حديث الاربعاء) منذ الشهر الاول بجريدة (السياسة) اليومية, واتخذت مسارا متصاعدا في مواجهة الافكار التقليدية للثقافة العربية بوجه عام والمنحى الاتباعي في دراسة الادب بوجه خاص, وكانت المعركة الاولى التي اثارتها احاديث الاربعاء عن (القدماء والمحدثين) التي تواصلت مقالاتها من صباح السادس من ديسمبر 1922 الى صباح الخامس والعشرين من يونيو سنة 1924 وكان موضوعها عن صراع القديم والحديث في العصر العباسي الاول, ذلك العصر الذي رآه طه حسين عصرا يجمع بين متعارضات الشك والحيرة والمجون والزهد على السواء, وهي رؤية دفعت ممثلي الاتجاه التقليدي في دراسة الادب والتاريخ الى الاختلاف مع طه حسين في نظرته الجديدة الى التاريخ, وخصامه في طريقته الجذرية في الدرس الادبي بمقاييس ذلك العصر, وكان خصامهم معه موازيا عصريا للخصومة القديمة بين القديم والجديد في العصر العباسي الاول, وذلك على نحو اصبحت معه استعادة خصومة الادباء المحدثين والقدماء في العصر العباسي الاول مرآة لخصومة الاتجاهات الثقافية المتقابلة بين القدماء والمحدثين في الثقافة العربية الحديثة, وذلك منذ النصف الاول من عشرينات هذا القرن. وسرعان ما جمع طه حسين مقالات (القدماء والمحدثين) عن العصر العباسي الاول, او حصاد المعركة الاولى, في كتاب بعنوان (حديث الاربعاء) صدر عن مطبعة دار الكتب المصرية سنة ,1925 وكان ذلك بعد ان استهل معركته الثانية الجديدة مع ممثلي القديم من معاصريه, وكانت المعركة الجديدة خطوة اكثر جسارة في الشك ونقض الافكار المتوارثة, وظهر ذلك في المقالات التي نشرها تحت العنوان نفسه (حديث الاربعاء) في جريدة (السياسة) ابتداء من صباح الثالث من سبتمبر الى السابع عشر من ديسمبر ,1924 وهي المقالات التي تعرض فيها بالشك للوجود التاريخي لبعض شعراء الغزل في العصر الاموي, من مثل قيس بن الملوح (مجنون ليلى) وغيره من الشعراء الذين تحولت مآسيهم العاطفية الى نوع من القصص الشعبي الذي تباعد كثيرا عن الواقع التاريخي, وقد جمع طه حسين هذه المقالات بدورها في كتاب اصبح الجزء الثاني من (حديث الاربعاء) وصدر سنة 1926 في السنة نفسها التي خاض فيها طه حسين معركته الثالثة الحاسمة, حين اصدر كتابه الذي اقام الحياة الثقافية العربية ولم يقعدها الى اليوم, اعني كتاب (في الشعر الجاهلي) الذي توسع بقاعدة الشك, ونقلها من وجود شاعر بعينه مثل قيس بن الملوح الى وجود كل الشعراء في عصر بأكمله هو العصر الجاهلي. وقد غطت الضجة العنيفة التي اثارها صدور كتاب ( في الشعر الجاهلي) على الجزء الثاني من (حديث الاربعاء) الذي نسيه الجميع في التصاعد الحاد لأزمة الشعر الجاهلي, وهو التصاعد الذي كاد يطيح بطه حسين من الجامعة, واجبر الجامعة نفسها على سحب الكتاب من الاسواق ومصادرته, كما اجبر طه حسين على اعادة صياغة الكتاب وحذف بعض فقراته التي اثارت العواصف واصداره بعد اشهر معدودة سنة 1927 تحت عنوان جديد هو (في الادب الجاهلي) وكان صدور الصياغة الثانية من كتاب (في الشعر الجاهلي) تحت عنوان (في الادب الجاهلي) محاولة لتجنب الاتهامات الخطيرة التي انهالت على الصياغة الاولى, معتمدة على بعض الفقرات التي حذفها طه حسين في الصياغة الثانية, مؤكدا ومبررا وشارحا المبادئ الجديدة لمنهجه المحدث, سواء في دراسة الادب ونقده او فهم التاريخ وتفسير احداثه, ولكن صدور الصياغة الثانية لم يمنع من تفاقم سخط الساخطين من الخصوم التقليديين على الصياغة الاولى, وتدافعهم الى اتهام طه حسين بالكفر بل التحريض على اغتياله, الامر الذي دفع ببعض نواب (البرلمان) الى المطالبة بمحاكمة طه حسين الذي مثل بالفعل امام النيابة التي انتهت تحقيقاتها الى تبرئته, وفرغ محمد نور رئيس نيابة مصر من كتابة تقريره التاريخي عن الكتاب في الثلاثين من مارس سنة ,1927 مؤكدا ان افكار الكتاب ليست جريمة يعاقب عليها القانون, وانها اجتهاد يدخل في دائرة حرية الرأي التي اكدها دستور ,1923 وعلى ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر وتحفظ الاوراق اداريا. ولكن العاصفة التي اثارها الكتاب لم تهدأ الا لتهب من جديد سنة ,1932 حين اثير موضوع الشعر الجاهلي مرة ثانية في البرلمان بايعاز من صدقي باشا الذي رفض طه حسين ــ عميد كلية الآداب في ذلك الوقت ــ منحه درجة الدكتوراة الفخرية, فهاج عليه نواب صدقي باشا, واصدر محمد حلمي عيسى باشا وزير المعارف العمومية في حكومة صدقي قراره بنقل طه حسين من الجامعة, فرفض طه حسين تنفيذ القرار, فصدر قراره بفصله من الجامعة, الامر الذي ادى الى استقالة احمد لطفي السيد رئيس الجامعة في ذلك الوقت من منصبه احتجاجا على قرار وزير المعارف وحكومة صدقي على السواء وظل طه حسين بعيدا عن الجامعة الى ان سقطت وزارة صدقي التي لم يكف عن محاربتها خصوصا بعد ان ارتبط بحزب الوفد الجماهيري الذي كان في موقع المعارضة, فتحول الى رمز شعبي في مواجهة حكم استبدادي, وظل كذلك الى ان سقطت وزارة صدقي, وجاءت وزارة نسيم التي اعادته الى الجامعة في ديسمبر سنة 1934 فرجع الى كليته التي افتقدته محمولا على اكتاف طلابه. ومع بداية العام الجديد من سنة 1935, عاد طه حسين الى احاديث الاربعاء مرة اخرى, ويكتب مرة ثانية عن الشعر الجاهلي الذي كانت حرية البحث فيه سببا في النيل السياسي من قضية الحرية بأسرها, وتتابعت احاديث الاربعاء في جريدة (الجهاد) الوفدية من صباح الثلاثين من يناير الى الثاني والعشرين من مايو, وكلها حوار بين صاحبين حول الشعر القديم الذي يجد فيه احدهما لذة وقيمة يريد ان يقنع بها صاحبه, وتمضي الاحاديث ما بين التصريح والتلميح, الحقيقة والمجاز, التاريخ والقص, لكن من غير ان تنسى الثأر من وزير التقاليد (محمد حلمي عيسى باشا) الذي فصل طه حسين من الجامعة, الى جانب الكشف عن ابعاد الازمة النفسية التي عاناها طه حسين لعامين على وجه التقريب, لم يجد خلالهما من يسانده سوى المعارضة الوفدية التي كانت تمثل صوت الشعب في ذلك الوقت. وعندما فرغ طه حسين من احاديث الاربعاء الجديدة دفع بها الى المطبعة لكي تكون مجلدا جديدا من مجلدات حديث الاربعاء, لكن بعد ان اعاد ترتيب الاحاديث كلها على نحو تاريخي, فصدر كتاب (حديث الاربعاء) بأجزائه الثلاثة المعروفة الى اليوم, واصبح القسم الاخير من المنشور عن الشعر الجاهلي بداية الجزء الاول مع القسم القديم عن الغزلين الذي لايجاوز العصر الاموى, واصبح القسم الاقدم من الاحاديث (الذي صدر في كتاب سنة 1925 بعنوان حديث الاربعاء) هو الجزء الثاني, وانفرد الجزء الثالث بالاحاديث التي تتصل بالعصر الحديث, وظل ترتيب هذه الطبعة الاخيرة المتداولة الترتيب الذي لايزال القراء يحسبونه الترتيب الاصلي لمجلدات (حديث الاربعاء) الثلاثة مع انه ليس كذلك عند من يعرفون التاريخ الفعلي للكتاب منذ تعاقب احاديثه ابتداء من اواخر سنة 1922. ولكن لماذا اختار طه حسين عنوان (حديث الاربعاء) دون سواه؟ الاجابة السهلة انها المصادفة التي ترجع الى يوم الاربعاء الذي كان مخصصا لمقاله في جريدة (السياسة) , ولكن الاجابة الادق ان الاختيار يرجع الى ثقافة طه حسين الفرنسية وتأثيرها فيه من ناحية, ويرجع الى طبيعته الخاصة وظروفه الشخصية من ناحية ثانية, كما يرجع الى مذهبه في النقد الادبي من ناحية اخيرة, اما السبب الاول فيكشف عن صلة طه حسين بالناقد الفرنسي الشهير سانت بيف (1804 ــ 1869), وهو الناقد الذي يدين له النقد الادبي الفرنسي بالكثير, خصوصا في دائرة تحقيق استقلال النقد الادبي وتحريره من الاهواء الشخصية والتحيزات الطائفية, فضلا عن تأكيد المناهج النقدية المحدثة التي اشاعها ازدهار الصحافة بما افردته للتعقيب النقدي من مكانة خاصة عملت على ذيوعه, ويذكر مؤرخو النقد الادبي في فرنسا ان لويس فيرون رئيس تحرير جريدة (الدستوري) طلب من سانت بيف سنة 1849 ان يكتب مقالا اسبوعيا تنشره الجريدة كل يوم اثنين في القضايا الادبية التي تشغل الحياة الثقافية, وكان ذلك بداية مجموعة المجلدات المتعاقبة التي اطلق عليها سانت بيف عنوان (احاديث الاثنين) والتي تركت في النقد الادبي الفرنسي اثارها الباقية, وعلى هذا المنوال سار طه حسين فيما اختاره لنفسه من عنوان (حديث الاربعاء) عندما طلب منه محمد حسين هيكل رئيس تحرير (السياسة) ان يكتب مقالا اسبوعيا في القضايا الادبية الملحة, فكانت احاديث الاربعاء التي حققت لطه حسين ما حققته احاديث الاثنين لسانت بيف من الذيوع والتأثير. هذا عن الاثر الفرنسي لفكرة الاحاديث, اما الطابع الشخصي المرتبط بظروف طه حسين فيرجع الى ارتباط فكرة (الحديث) بالكلام المسموع وتحول هذا الكلام الى بديل عن الكتابة في حالة فقد نعمة الابصار التي حرمها طه حسين ولذلك كانت احاديث الاربعاء, مثلها مثل بقية كتابات طه حسين, املاءات يلقيها الناقد الكفيف على كاتبه الذي يستعين به على تقييد خواطره واذاعتها, فهي افكاره التي لايستطيع ان يكتبها بنفسه او يمضي في تأملها البصري طويلا على الورق, فيضطر الى الاملاء الذي يستعيض به عن الكتابة, والاملاء بطبعه يضفى على المكتوب خصائص اسلوبية شفاهية, تتمثل في ارهاف الايقاع الصوتي للجمل والاعتناء به, كما تتمثل في الفواصل والتقفية الداخلية التي لا تمتد بالجمل القصيرة او تطول بها, ناهيك عن بعض الاطناب الذي تتطلبه المشافهة الصوتية في الحديث, والبعد عن الصور البلاغية الممتدة المركبة او المعقدة سمة اساسية من خصائص الحديث الاملائي على هذا النحو, وهي سمة لا تفارق البساطة الملازمة للفصاحة اللغوية والجزالة الايقاعية التي يتميز بها اسلوب طه حسين, لا بسبب ظروفه البصرية فحسب وانما بسبب عبقريته الفردية بالاساس, فسحر كتابته قرين الجاذبية الموسيقية لاسلوبه السهل الممتنع. لكن اهم ما يميز اسلوب (الحديث) عند طه حسين, فضلا عن جزالته الايقاعية وفتنته التركيبية, هو الالفة والحميمية التي تصل بين المتحدثين, فالحديث هو حوار بين طرف وآخر (مفرد اوجمع) حول موضوع بعينه, ولكنه حوار يتحول الى نوع من الافضاء الذي يتحدث فيه طرف ليعرض ما في داخله او ما في عقله على الآخر الذي ينصت اليه في تلقائية وعفوية, وتلك هي ميزة احاديث اربعاء طه حسين بل احاديث طه حسين كلها, خصوصا في طبيعتها العفوية السمحة التي تبين عن مذهبه النقدي, وهو مذهب لا يخلو من نزعة انطباعية متأصلة, ومن ذاتية ترتبط بشخصيته الطاغية, والذاتية هي الوجه الآخر من الانطباعية في تفضيل صيغة (الحديث) بين الاصدقاء في تعامل طه حسين النقدي مع القارىء وتحويل الحديث الى نوع من (الفضفضة) التي يغدو معها (الحديث) نوعا من (الاستراحة) التي تخلو من الرسميات والشكليات, وتطلق سراح المتكلم ــ الكاتب في المضي مع خواطره المرسلة حول موضوع بعينه يتحول الى (استراحة) له وللقارىء على السواء, شريطة ان تكون (استراحة) الذهن الذي لا يكف عن مساءلة نفسه ومساءلة من حوله حتى وهو يستبدل بمعنى الحديث معنى الاستراحة, ولذلك عاهد طه حسين قارئه على ألا يستتر عنه وقت الكتابة, او يخفى عنه من نفسه شيئا, فهو يظهر نفسه للقارىء كما هي, ويمضي معه في الحديث كما يمضى في الكلام مع اقرانه الذين يلقاهم مصبحا وممسيا, يتداولون الفكرة والخاطرة بالقدر الذي تضطرهم الحياة الى تبادل الرأي والحوار واحسب ان ذلك العهد هو التعاقد المضمر بين الكاتب والقارىء في استراحة (البيان) التي هي نوع من الحديث الحميم بين الاصدقاء أليس كذلك؟!