يقول قانون جريشام الشهيرك: (ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من سوق تداول العملات)ويصدق قانون جريشام على انماط وأوضاع, بل وعلى سلوكيات وعقليات شتى, لكنه يصدق بالذات ــ في رأينا ــ على سوق الابداع الفني ـ الموسيقي في وطننا في الزمن الراهن , الا ترى أو تسمع أصواتا مؤذية وأفرادا لا يملكون سوى موهبة الادعاء يملأون الأذن العربية ضجيجا ونشازا وسخفا وسماجة, ما بين هبوط المعاني وركاكة الألحان وسماجة الأداء, الا تتابع الأصوات المسلوخة أو الأصوات الماعزية أو أصوات النقيق ناهيك عن خنافة الأداء وإدغام الألفاظ وتآكل الحروف وتداخلها على شفاه وألسنة لم تقرأ يوما كلمة شعر ولا رددت لحظة نغماً له قيمة له من الشرق ولا من الغرب والمسألة من قبل ومن بعد هيصة ــ وإذا كان الانفتاح ــ السداح مداح ــ كما قال يوما عمنا وتاج راسنا الراحل أحمد بهاء الدين, قد أفضى الى خلل في الاقتصاد وتشوه في الأخلاقيات وانفلات في الاستهلاك, فان الانفتاح نفسه في عالم الموسيقى والغناء قد أعطى الفرصة لمن يملك حنجرة لا تليق سوى بمنادي سيارات في محطة سكة حديد مكتظة بالزحام في الأقاليم, أو لمن تملك مواهب العلاقات العامة .. والعلاقات الخاصة أيضاً فهي تشتري بفلوس الممول المعجب الولهان ألحانا ما أنزل الله بها من سلطان, وتستأجر بنفس الفلوس استديو وتشغل ساعاته وامكاناته بتعبئة شرائط عن الحب والهيام وعن الوجد المشبوب والغرام .. وقد يتاح لها ايضا استئجار كام ناقد في كام مجلة وجريدة يكتب مثل اي أرزقي محترف عن عظمة الست وموهبة الست وابداعات أغانيها .. وكله بتمنه .. وعداد السبوبة شغال بغير انقطاع. أتى على الأذن العربية المعاصرة حين, بل احيان من الدهر كانت تأنس فيها إلى الفن الشرقي ــ العروبي الأصيل, عبد الوهاب, أم كلثوم, ناظم الغزالي, غريد الشاطئ, صباح فخري وأبو فادي وديع الصافي, وشادي الخليج وطلال مداح وأحمد قاسم ومحمد مرشد ناجي, والعظيمة الرقيقة فيروز. وأتى على الأذن العربية المعاصرة حين, بل أحيان من الدهر كانت تصغي فيها الى من ندبوا أنفسهم كي يصلوا بين الوجدان العربي وبين الوجدان العالمي, كانوا روادا بكل معنى, قبسوا من ثقافة الغرب في ابداعاته الفنية ــ الموسيقية ــ بالذات, ثم اختاروا مهمة تثقيف جماهير المتذوقين في دنيا العرب بثمار ومنجزات هذه الابداعات باعتبار ان الموسيقى فن انساني بالدرجة الأولى وابداع يبلور, بل يستقطر ما أودع في النفس البشرية من عوامل الرقي والنبل والسمو, يحلق فيه الانسان, مبدعا كان, أو متلقيا مصغيا ومتفاعلا, الى أعلى الذرى, ومن ذا الذي ينسى أحاديث استاذنا الدكتور حسين فوزي, طبيب العيون وعالم الاحياء المائية والأديب الموسوعي الذي اتخذ اسمه الأشهر ــ سندباد عصري ــ وكانت تذاع من البرنامج الثاني في اذاعة القاهرة حول الموسيقى وسائر أشكال الابداع الموسيقي كما عرفته حضارة الغرب منذ عصور النهضة الأوروبية ــ سوناتات, كونشرتات, سمفونيات, رباعيات وترية ــ موسيقى الحجرة ــ الموسيقى الشعبية على اختلاف منابعها والهاماتها وموتيفاتها (مواضيعها) والأوطان التي أنشدتها .. إلخ. ومن ذا الذي ينسى الموسيقي الفنان الراحل سليمان جميل .. وقد تزاملنا ردحا من الدهر في اذاعة القاهرة وكان يقدم برنامجا شائقا من (صوت العرب) بعنوان (من الشرق والغرب) يحمل فيه الى المستمع العربي قبسا من الثقافة الموسيقية على اختلاف منابعها, وكان سليمان جميل رحمه الله يقدم برنامجه عند منتصف الليل بأسلوبه الهادئ ونبراته الرقيقة ومواهبه التي جمعت بين احترافه الموسيقى في أكثر أشكالها تقدما وبين سعة اطلاعه في فنون مختلفة استطاع أن يضفر منها جديلة من الفن والفكر والثقافة والابداع. وبالمناسبة, سليمان جميل ينتمي الى عائلة فنية بكل معنى فهو شقيق الفنانة فايدة كامل, المطربة الحقوقية التي كان صوتها الصادح القوي مسموعا في كل المناسبات القومية الكبرى وقد أصبحت عضوا في البرلمان .. وهو أيضاً شقيق عبد الرحمن الخطيب الموسيقي الدارس الذي بدأ مبشرا واعدا كل الوعد, ثم قرر ان يهاجر الى أقصى الشمال من العالم, الى السويد(!) وانقطعت أخباره. هكذا كان الدكتور حسين فوزي, وقد حدثتك عن أخباره في حديث سبق, قد ظل يبث احاديثه من اذاعة القاهرة, فيما كان سليمان جميل يقدم برنامجه من اذاعة صوت العرب وقد انضم اليهما من بعد موسيقي دارس موهوب آخر هو الدكتور يوسف شوقي الأستاذ في كلية العلوم بجامعة القاهرة الذي وافته المنية منذ سنوات اذ كان معارا في عمان الشقيقة. لكن اذاعة بيروت كان لها نصيبها بدورها من ذلك النبع الفياض من الثقافة الموسيقية, ولكم أسعدني أن أطلع على كتاب أضعه أمامي وأنا أكتب هذه السطور وعنوانه: (أعلام الموسيقى العالمية) تأليف المرحوم نوري الأنسي, كتاب حافل ثري من 271 صفحة من القطع الكبير مضافا اليها صفحة بخط المؤلف نفسه, ولقد تكرم باهدائه الينا في شكله المطبوع مبدئىا على الآلة الكاتبة زميلنا في الأمم المتحدة الأستاذ فادي الأنسي نجل المؤلف اللبناني, ويبدو ان الأخ فادي قد ورث عن أبيه طبيعة الفنان, يأخذ الأشياء على علاتها ويعامل الحياة على هون ان صح التعبير, ولو استجمع (فادي) ارادته واستثمر كل امكاناته فلسوف يكون له في عالم الترجمة شأن أي شأن, ويكفي ان تعلم ــ رعاك الله ــ انه يجيد من اللغات الأجنبية الانجليزية والفرنسية والأسبانية والروسية طبعا الى جانب العربية ــ لغته الأم .. وفي مراكز الأمم المتحدة عكف على تعلم اللغة الصينية وبدأت أرقبه في مصاعد المبنى الدولي العتيد في مانهاتن ــ بنيويورك وهو يتبادل الأحاديث والنكات مع زملائنا الصينيين وربما بلهجة شنغهاي أو الكانتونيز, نعود فنقلب صفحات الكتاب الذي لم يجد ناشرا يعنى باخراجه الى الناس رغم انه يجسد خلاصة جهود حثيثة وطويلة سهر المؤلف الليالي في اعدادها وصياغتها في أحاديث اذاعية طلية وسائغة كان يقدمها على حلقات في اذاعة بيروت منذ نحو أربعين عاما. كانت تلك ــ كما لا يخفى على وعيك ــ فترة المد القومي والأوج العروبي, ولأن نورى الأنسي الاذاعي المثقف الفنان كان يتفاعل ولا شك مع مفردات تلك الفترة العفية الباهرة من حياة الوطن العربي, فلم يكن غريبا ان يهدي كتابه الى (كل فرد من أفراد أمتي العربية المتطلع نحو العلا والى كل من يدأب جاهدا مجاهدا في ايصال هذه الأمة الى مرتبة التقدم والازدهار... الخ, ويعود المؤلف في مقدمة الكتاب منبها الى انه يتقدم ببحوثه وأحاديثه تلك الى الجمهور الذواقه للموسيقى العالمية في عالمنا العربي. إذن ها هو الأنسي في اذاعة بيروت ينضم الى حسين فوزي وسليمان جميل ويوسف شوقي من اذاعات القاهرة وصوت العرب ولعلنا نضم الى هذه الكوكبة المضيئة صوت سعاد الهرمزي من اذاعة بغداد, هاهم يحاولون الانفتاح على موسيقى العالم واثراء الوجدان العربي بابداعات العالم, وكان ذلك في ذروة المد القومي العربي في الحقبة الناصرية التي ما برح المرجفون يزعمون انها كانت عصر انغلاق أو عصر انعزال. ان كتاب اعلام الموسيقى يضم سيرة حياة 60 من أعظم مبدعي هذا الفن النبيل الجميل في تاريخ الحضارة وقد عمد فيه المؤلف الى التركيز على فناني أوروبا بالدرجة الأولى باعتبارهم الأكثر تأثيرا على الشأن الموسيقي في العالم في زماننا الراهن .. لكنه ــ نوري الأنسي, يبدأ بمنتصف القرن السادس عشر مع فنانين شبه مجهولين بالنسبة لنا (جيوفاني جبرييلي مثلا من مدينة فينسيا) ثم ينتقل الى أواخر القرن السابع عشر مع الموسيقار الكلاسيكي الأشهر جوهان سباستيان باخ.. نزولا أو صعودا مع الزمن الى الروسي المعاصر ايجور سترانسفسكي المتوفى عام 1971, فهو يختار مسكا لختام بحثه الحافل قصة حياة وابداع الموسيقار العربي محمد عبدالوهاب الذي يفرد له 12 من صفحات كتابه بما في ذلك الصفحة التي ما زالت مخطوطة بقلم المؤلف اللبناني رحمة الله عليه وفيها يحرص على استكمال بحثه فيبدأ بلقاء القمة التي تمناها لهما (عبدالوهاب وأم كلثوم) الزعيم عبدالناصر ويقصد بالقمة طبعا اغنية (أنت عمري) التي أنشدتها أم كلثوم في ربيع عام 1964. في ختام مقالته عن عبدالوهاب, وهي أيضا ختام الكتاب يقول: (نوري الأنسي) : وتمضي الأيام قبل ان يفي محمد عبدالوهاب بوعده نشر (أوبريت مجنون ليلى) التي قال عنها في احد مجالسه انها ستكون التغيير المفاجىء في مفاهيم سلالم وإيقاعات الموسيقى العربية الحديثة.. وينتظر العالم العربي وفاء عبدالوهاب بوعده) . ومع ذلك فقد مضت الايام, فلا أوفى عبدالوهاب بوعده, ولا حدث التغيير المنتظر في ايقاعات موسيقى العرب.. والذي حدث هو ان رحل مؤلف الكتاب. ورحل من بعده عبدالوهاب نفسه, وغابت سلالم وإيقاعات الموسيقى العربية أو تم تغييبها في استديوهات الهذر الغنائي والعبث الفني حيث اختفى التخت والاوركسترا لحساب ماكينة زاعقة الادعاء اسمها الأورج.. وما زالت امة العرب الطيبة في انتظار الفرج.. وربما يطول الانتظار.