كان عباس محمود العقاد يقول: أنا اقرأ القاص لا القصة! وفي كلامه كثير من الحق, فأنت لا تستطيع ان تتفهم القصة, وان تغور في أعماقها اذا لم تكن على شيء من المعرفة بكاتبها . ولم يقل العقاد شيئا كهذا عن الشعر, واعتقد اننا لو كنا سألناه في هذا الموضوع لقال ان الشعر ينبىء عن نفسه, ويعبر عن ذاته, فلا حاجة لأن نعرف شيئا قليلا أو كثيرا عن الشاعر. والكثيرون من يرددون أشعار المتنبي أو أحمد شوقي وهم لا يعرفون من قائلها, فلقد أعجبتهم في حد ذاتها. وقضيتي مع الشعر هي أكثر تعقيدا, مما أشار العقاد, فالشعر بالنسبة لي ــ كالأغنية ــ ليس موضوعا للفكر أو الثقافة, بل هو متعة خالصة, لذلك فأنا أكتفي بعدد قليل من الشعراء أقرأ لهم واستمتع بما يكتبونه, ولا أكلف نفسي عناء قراءة ما لا أميل اليه مها كان قمة في مستواه, فأنا أقرأ المتنبي مرات ومرات ولا أقرأ أبا تمام أو البحتري, ولا أرى في ذلك ما يسيء, فأنا لست ناقدا, وليس بقدرتي ان أكون, ولست مكلفا والحمد لله بمتابعة الحركة الشعرية. واذا اقتربنا من شعراء العصر الحديث قل عدد الشعراء الذين أقرأ لهم: نزار قباني, صلاح عبدالصمد, عفيفي مطر, محمد ابوسنة, فاروق شوشة وبدر شاكر السياب... الخ. وبعضهم أقرأه كما يسمع الانسان الموسيقى, فأعيد قراءته مرات ومرات. وهكذا ترى يا عزيزي القارىء انني لست مؤهلا للحديث عن الشعر, فلست ناقدا, ولا حتى متابعا له. ومع ذلك فهناك ما يجذبني اليه بين الحين والحين, فأكتب ما أحس, ولا أدري ما يقول النقاد عني, وان كنت اعتذر لهم من البداية بأنني مثل مستمع لاحدى أغاني أم كلثوم أو فيروز أو عبدالحليم يصرخ مستمتعا: الله! ولا يفكر في تحليل أسباب نشوته. وقلبي لا يسمح بدخول شاعر جديد اليه, حتى لو أطلق على قلعته قصائد بلا حصر, ومع ذلك فها أنا أقرأ ديوان علي عبدالكريم الأول, وأظنه الأول ليس لأنني لم أعرف له ديوانا سابقا, بل لأنه لو كان له ديوان يسبق هذا الديوان لأشار اليه في النبذة المكتوبة عنه. والديوان بعنوان (ابتهالات الصيف البارد) وكنت أتمنى لو لم أشر الى هذا العنوان, فهو الشيء الذي لم أحبه فيه, ففيه قدر من الاصطناع لا تجده في هذا الديوان الجميل. واذا كنت قد تحدثت عما لا يعجبني وهو هذا العنوان, فمن حقك عليّ ان أسر لك سبب دخول هذا الديوان الى قلبي المغلق في وجوه الشعراء الجدد. لفت نظري بشدة خمس عشرة قصيدة في بداية الديوان, كل منها تعبر عن خاطرة واحدة مكثفة, ولو كنت ناقدا لأسميت هذا النوع من الشعر (القصيدة البيت) ودافعت عن رأيي, ولو ان القصيدة هنا ليست بيتا واحدا, لكنها قصيدة كأنها بيت واحد, حتى لتذكرنا بالأبيات الشهيرة في الشعر العربي التي استقلت عن قصائدها. ولأنه ليس من سمع كمن رأى.. أحب ان أنقل هنا قصيدة كاملة من هذه القصائد تحت عنوان (امرأة) يقول فيها الشاعر: مدي أصابعك الرشيقة وأسرقي يأسي قلبي يغطيه رماد جمره غاف فهاتي سحرك المجنون كي يصحو واملأ باللظى كاسي هذه هي القصيدة كاملة, وهي ليست أطول ولا أقصر القصائد التي أشرت اليها. وكما ترى هي أقرب من (فلاش) الضوء, أو طلقة الرصاص احيانا. وفي ظني ان هذا قد يكون أصعب في بعض الاحيان من الاسهاب. وربما كان علي عبدالكريم أصغر الشعراء الذين دخلوا قلبي, فهو من النبذة المكتوبة عنه من مواليد ,1953 وأظنه من مواليد حلب, وهذا معناه انه عندما ولد بعد ثورة يوليو في مصر كان بعام كامل, ومع ذلك نراه يبكي جمال عبدالناصر في قصيدة وضعها في نهاية الديوان ويؤرخها ,1970 ولقد أعجبني ان يؤرخ قصائده, فذلك ربما أفاد الناقد الذي يدرس أعماله ليتابع تطوره. وكان لابد ان يؤرخ هذه القصيدة, فهي قصيدة عمودية لشاعر يكتب حسب التفعيلة, ولقد وضعها الشاعر في نهاية الديوان, وهي أولى قصائد الديوان تاريخيا, وبالطبع اختار لها هذا المكان تكريما لموضوعها, وان كان فيها براءة الصبا, فلقد كتبها حسب الاشارات الموجودة في الديوان وهو في السابعة عشرة من عمره. وكنت أحدثك عن رؤية الشاعر, فلاحظت هذه السوداوية التي تؤثر الشعراء المحدثين منذ صلاح عبد الصبور حتى الآن. (ودع الأصدقاء سريعا... قبل ان يستيقظ الموت) !! وهي بداية قصيدة بعنوان (هواجس) اقول انها لون مختلف عن قصائد الديوان, وأراها اقرب الى قصيدة النثر رغم الوزن, وكلامي هذا يحتمل الخطأ والصواب, ولو انك قلت انه ليس صحيحا فأنا لن أماري في هذا, فأنا كما قلت لك من قبل, لست ناقدا, وانما قارىء يستخدم قلبه اكثر مما يستخدم عينيه. يا أيها الموت المعرش في النوافذ في تباشير الصباح على المطلة ليس يدركني النشور يا ربي. ما هذا الحزن الذي يملأ شرايين هذا الديوان. وأتساءل هل نحن شعب حزين. اننا ندعي اننا شعب مرح, واننا كثيرو الضحك, واننا أبرع خلق الله في الفكاهة, واننا نتفوق على الكون كله في خفة الظل. ولكنني لاحظت, وهي ليست ملاحظتي وحدي, اننا أكثر شعوب الأرض أسى. وان شعرنا وأغانينا تمتلىء بالدموع. وليقم أحد بحسبة بسيطة في أغاني أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب.. ولن أذكر فريد الأطرش, سيجد ان الأغاني الحزينة هي الغالبة, أما أغاني الفرح, أو على الأقل التي لا تنتمي الى الحزن فهي قليلة جدا. أو لا تكاد تذكر. ولن أقول ان هزيمة 67 حدثت وهذا الشاعر كان في الرابعة عشرة من عمره, وانها صنعت وجدانه. ليس لأن هذا لم يحدث, فأنا لا أعرف هل حدث أم لا. ولكن لأن هزيمة 67 صارت قميص عثمان نلبسه في كل مناسبة, ونلقي عليه بكل ما نريد. واني أتساءل هل لو لم تحدث هزيمة 67 هل كنا امتلكنا الدنيا, واستعدنا فلسطين, وامتلكنا الحضارة, وصرنا القوة العظمى؟! طيب.. سؤال أسهل هل لو لم تحدث هزيمة 67 أكان الشعراء ومعهم علي عبدالكريم أقل حزنا؟! أشك في ذلك, فصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي حزينان قبل 67 وبعدها. لن ترى فرقا بين هذا وذاك. أذكر أول أجنبي تعرفت به, وكان على علاقة عمل بقريب لي. وقضى الرجل بيننا أياما حاولنا ان تكون سعيدة, وكنت كثير المرح, كثير المزاح, كما أنا الآن, وأرجو ألا تصدمك هذه الحقيقة يا عزيزي القارىء, اذا كنت تراني جادا متجهما! وقابلت الرجل في بلاده, وكنت بالطبع أكثر سعادة ومرحا, وذات مرة سألني في جد: ــ لماذا انت حزين كل هذا الحزن؟ واندهشت لسؤاله, واستنكرته, وطلبت منه تفسيرا له, فقال: ــ من ينظر في عينيك يرى حزنا هائلا! وليلتها نظرت في المرآة, ولم أر هذا الحزن الذي أشار اليه في عينيّ. لكنني بت أصدقه, فنحن العرب والحزن إلفان لا يفترقان. (بيت بلا عمد وأحلام مهدمة وجيش مواجع شعب بلا صوت أو ان الصوت محتبس!) لقد كان العرب عندما يظهر شاعر بينهم, يحتفلون بظهوره. وأنا عرفت شاعرا أردت الاحتفال به بهذا الحديث الذي أرجو ألا تعتبره نقدا, وان كنت في المقابل لا أعرف ما أسميه!