صدمني العنوان بعرض الصفحة والبنط الكبير , والموضوع عن أم كلثوم وحلقات تروي قصة حياتها, العنوان يتحدث عن: زواج شكلي(لأم كلثوم)من الكمنجاتي المدمن محمود الشريف ! والمصيبة ان الحديث منسوب للشاعر الراحل احمد رامي ولايمكن ان يكون صحيحا, لان رامي يعرف - كما نعرف - من هو محمود الشريف! انه واحد من أعظم الملحنين الموهوبين في موسيقانا العربية على مر تاريخها انه ذلك الفتى الذي جاء من الاسكندرية بعد رحلة معاناة شديدة مع الحياة لم يستكمل فيها تعليمه واشتغل وهو صبي في كل المهن لكي يساعد اسرته الفقيرة, ثم رسا في النهاية على شاطىء الفن والموسيقى ليصبح أحد اعلامه الافذاذ. اقتحم الشريف القاهرة ليصبح بعد قليل واحدا من سادة الموسيقى وابرز الملحنين, ولتستمر رحلته مع الفن سنوات طويلة ابدع فيها في كل المجالات ونجح في كل ما انتجه ووضع اسمه في قائمة المبدعين الخالدين, الا يكفي انه اعظم من ابدع الاناشيد الوطنية بعد سيد درويش, وان لحنه العظيم في نشيد (الله اكبر) سيظل خالدا على مدى الأيام؟ لم يكن الشريف يوما ذلك (الكمنجاتي ... المدمن) الذي تتحدث عنه المذكرات المنسوبة الى رامي. ولم يكن عضوا في فرقة أم كلثوم الموسيقية كما قيل .. فهو لايحسن العزف على (الكمنجة) وهو ان كان يعزف على العود فانه ليس من المبدعين في العزف وهناك قصة تروى عنه وعن عبدالوهاب الذي كان يمر على الغرفة التي يقوم فيها الشريف مع الفرقة الموسيقية بالبروفات النهائية للحنه الاول لرفيق عمره محمد عبد المطلب وهو اغنية (بتسأليني بحبك ليه) ووقف عبد الوهاب مبهورا لايعرف كيف استطاع من ابدع هذه الاغنية ان يستخدم (المارش العسكري) داخل اغنية عاطفية, ودخل عبد الوهاب وتعرف الى الشريف, ويقال انه اخذ منه العود وشارك بدلا منه مع الفرقة الموسيقية, لان الشريف كان يعاني من العرق الغزير الذي يغرق يديه كلما اندمج في العزف .. وظل هذا العيب مرتبطا به الى نهاية حياته. لم يكن الشريف عازفا للكمان او (كمنجاتيا) كما قيل, ولم يكن مدمنا يصل متأخرا عن مواعيد البروفات, وعندما تفتقده تجده برفقة صديق له يحتسي الشراب على قارعة الرصيف! بل كان الشريف - عندما قابل أم كلثوم - ملحنا موهوبا وناجحا, وبعد انفصاله عن أم كلثوم واصل سيرته الناجحة, وقدم مئات الاغنيات الرائعة في كل المجالات, من اول المونولوجات لشكوكو والتي بدأها باللحن الذي اطلق شكوكو (حمودة فايت يابنت الجيران) وحتى غنائياته الشعبية لكل مطربي ومطربات عصره ... غنى له عبد الغني السيد وكارم محمود وعبد الحليم حافظ وشهرزاد وفايزة احمد ونجاة الصغيرة, وكانت اغنياته (ماركة مسجلة) على النجاح ... انه صاحب (البيض الامارة) لعبد الغني السيد و(الصبر) لاحلام و (قول يا عزول) لفيازة , وكل اغاني عبد المطلب الناجحة, وهو الذي حول نجاة الصغيرة من طفله تقلد أم كلثوم الى مطربة حقيقية حين قدم لها (عطشان ياسمراني) و(أوصفو لي الحب) ثم الغنائية الوطنية الرائعة (وطني وصبايا وأحلامي) التي ما زالت في المقدمة بين الأغنيات التي تتغنى بالوطن بعذوبة ورقة, ودون صراخ بلا مضمون. والشريف هو الحاصل على جائزة الدولة التقديرية في الفنون التي لم يحصل عليها من الموسيقيين إلا عبد الوهاب والسنباطي صحيح أنها جاءته متأخرة وقبل وفاته بشهور, ولكنها جاءت بعد أن تم ترشيحه لها ست مرات متتالية. ومع ذلك كله تظل قصة لقائه بأم كلثوم وارتباطه بها ثم انفصاله عنها دراما حقيقية لو أنتجتها السينما لصنعت قصة يمكن أن تنافس (قصة حب) , أو ذلك الجزء الرومانسي في (تايتانيك) إنها قصة اللقاء بين العقل والتروي ممثل في أم كلثوم, والإعصار الهادر ممثل في الشريف, وهي قصة اللقاء بين مطربة كانت الطبقة الحاكمة تعتبرها جزءاً منها, وذلك الفتى الذي ظل ملتصقا بالشارع رغم كل ما حققه من نجاح فني, وهي قصة المفاهيم التي كانت تحكم مجتمع ما قبل الثورة بكل ما فيه من تناقضات. يروي الشريف قصته مع أم كلثوم, كيف التقى بها للمرة الأولى في مكتب كبير المذيعين في الاذاعة المصرية وقتذاك محمد فتحي, ثم كيف التقى بها بعد ذلك اثر واقعة اعتداء نجم السينما وقتذاك أنور وجدي على أحد العازفين الذين كانوا يسجلون لحنا للشريف في فيلم (ليلة العيد) الذي أنتجه أنور وجدي, وكيف تدخلت أم كلثوم بعد ذلك من أجل حل المشكلة وكانت تميل لصف أنور وجدي, بينما أخذ الشريف صف العازف وانتصر له حتى رضخ أنور وجدي لكل مطالبه. ثم كان اللقاء التالي عند إنشاء أول نقابة للموسيقيين وكان الشريف أحد المناضلين من أجل إنشائها, وعندما تحقق الأمل تم انتخاب أم كلثوم لمنصب النقيب وكان الشريف هو وكيل النقابة أي كان في الموقع الثاني في المجلس الذي يضم زكريا أحمد ومحمد القصبجي وغيرهما من كبار الملحنين والموسيقيين العظام, ولكن الشريف كان الأقرب إلى الإحساس بصغار الموسيقيين والعازفين وأحوالهم والأكثر شعبية بين أعضاء النقابة الوليدة. وليس هذا مجال الحديث عن الدور النقابي لأم كلثوم أو الشريف, ولكنها المناسبة التي جمعت الاثنين, وربطت بين قلبيهما, يقول الشريف إن أول اجتماع للمجلس شهد مناقشات صاخبة شارك فيها الاثنان, وفي نهاية الاجتماع جلست إلى أريكة بالقرب من النافذة. اقتربت أم كلثوم من النافذة وأطلت منها, ثم عادت وألقت بحقيبتها إل جواري, جلست إلى جانبي على الأريكة, مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت علبة سجائر وقدمت لي سيجارة وأشعلت لها الأخرى, ودار حديثها حول مصيف رأس البر الذي عادت منه منذ أيام, اقترح عازف الكمان أحمد الحفناوي أن يعزمنا الليلة على الحاتي, بشرط أن يقدم لنا محمد القصبجي بعضا من تقاسيم العود, فوجئ القصبجي بالاقتراح, وخيم عليه صمت كئيب بعد أن وافقت أم كلثوم ووافق باقي الحاضرين, وبعد لحظات غيرت أم كلثوم من الاقتراح قليلاً قائلة: ــ أنا عندي فكرة أحسن .. إيه رأيكم بدل سهرتنا في النقابة أعزمكم ونقضي السهرة عندي في البيت؟ حمل القصبجي عوده على مضض, ولكنه فوجئ بأم كلثوم تضحك وهي تقول له: ــ سلامتك يا قصب .. طب خليك إنت ما دام تعبان ولكن القصبجي انتزع نفسه من على مقعده وهو يقول: ــ أمري لله .. آجي أسهر معاكم. ويستطرد الشريف في روايته: لقد كان للقصبجي مع أم كلثوم قصة حب من طرف واحد تحسها أم كلثوم. وفي القاعة الكبرى بمنزل أم كلثوم كانت السهرة التي امتدت حتى مطلع الفجر, عزف القصبجي وغنت أم كلثوم .. ومع الفجر قمت إلى الشرفة اتنسم بعض الهواء البارد وبعد أن بلغت النشوة بالجميع مداها .. احسست بيدها تمسح على كتفي .. تلفت إليها .. إلى الرمز الخالد .. إلى ثومة .. أحسست إنها مسحت عني الأحزان .. اقتربت مني .. همست في أذني ببضع كلمات. - انت تتغدى معايا بكرة هنا في البيت. وكانت البداية لقصة الحب العاصفة التي اهتز لها كل العارفين حتى وصلت إلى القصر الملكي, لم تكن مجرد نزوة طارئة كما يحاول البعض تصويرها, فها هو الشريف يصف مشاعره فيكتب في مذكراته: ( ولدت مرتين .. يوم ولدتني أمي ويوم أحببتها .. سنتان ونصف السنة, ولم أقل لأحد أني أحبها, ما أسعد القلب حينما يسعى إلى قلبه في غفلة من عيون الرقباء, ليس عندي شيء أقوله سوى أن يتركني الناس وشأني حتى أتفرغ للعناية والسهر على هذا القلب الكبير, إنني أرجو من الدنيا أن تبتهل إلى العلي القدير أن يبارك هذا الحب ويرعاه ويحفظه من شياطين الإنس) . لكن شياطين الإنس كانت أقوى, وتحالف الجميع على هذا الزواج, الذين يعشقونها من جانب واحد لم يتصوروا أن يخطف قلبها هذا الشاب المحب للحياة بجنون, ولابد أن بعضهم ــ مثل رامي ــ خاف على أم كلثوم من نمط الحياة التي كان يعيشها الشريف المحب للسهر والصحبة الجميلة والاستمتاع بالدنيا, لكن البعض كان يرى القضية من منظور آخر, فقد جاء الشريف بعد قصة حب كان البعض يتصور أن تنتهي بالزواج بين أم كلثوم وشريف صبري خال الملك فاروق, لكن خال الملك تراجع خوفا من أسرته أو تحت ضغطها, وأحست أم كلثوم بجرح غائر, وردت اللطمة بالزواج من محمود الشريف الذي أحبته بصدق وعرف كيف يحتويها, ثم كان التآمر على الزواج الذي وصل إلى حد تهديد الملك لها من أجل خاله, فهي تحمل نيشان الكمال ولذلك لابد من موافقة الملك على زواجها, والملك لايوافق, والصحافة القريبة من القصر بدأت في اثارة الجماهير ضد الزواج. ويحدث الانفصال ويمضي كل الى طريقه, تواصل أم كلثوم تحليقها في سماء الغناء, وتتزوج بعد الثورة من الدكتور الحفناوي الطبيب المعروف, ولاينكسر الشريف بل يصمد ويضمد جراحه وينتقل من نجاح الى نجاح, ويصبح احد الاعمدة الاساسية في عالم الموسيقى والغناء. وتمضي الايام, وذات يوم كنت اعبث بمفاتيح الراديو, حين جاءني صوت ذبيح يردد الاغنية الرائعة التي شدت بها جوهرة السينما ليلى مراد من الحان هذا الذي وصفوه (بالكمنجاتي المدمن) . من بعيد ياحبيبي بأسلم من بعيد من غير ما اتكلم علموني أسكت, واداري لوعتي .. وأديني باتعلم! كان الشريف هو الذي يغني بصوته المبحوح الجريح .. وكان خيال (ثومة) يرفرف حولي وأنا استمع!