ان قصة الأمير الثائر هي قصة حقيقة فإن كل ما جاء فيها من أحداث وأسماء شخصيات ومواقع موثقة توثيقا صحيحا في مكتبتي ولا يوجد بها أي نوع من نسج الخيال أو زخرف الكلام أقدمها للقارئ العربي ليطلع من خلالها على جزء من تاريخه في الخليج العربي . هكذا قدم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة لروايته الأخيرة المسماه الأمير الثائر, فهي أحداث تاريخية موثقة آثر المؤلف ان يجمع شتاتها من وثائق تاريخية وقعت تحت يده فرأى في أحداثها وسمات بطلها ما يستحق ان يظهر على الناس في صورة رواية متلاحقة الأحداث تبدأ برسم سمات شخصية لمسها المؤلف في بطله الذي دفعته الظروف إلى خضم أحداث يلاحظ انها كانت قدرا محتوما لم يجد البطل معها خيارا غير المُضي فيها قُدُما حتى بلغ فيها شأوا عظيما ما كانت الظروف المحيطة به لتتركه يبقى طويلا على قمة الصدارة فيه, فلما لبث ان سقط البطل صريعا قتيلا, يخالطك وأنت تنتهي معه في نهايته تلك شعور غريب هو مزيج بين الاعجاب به والأسى عليه والغضب من أفعاله التي أودت به وساهمت مع ظروف زمانه ومكانه إلى رسم نهايته المأساوية تلك. لقد نجح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في جمع أطراف حكاية ذلك الأمير العربي بطل تلك الأحداث الدامية الأمير مهنا من شتات تلك الوثاق التي جازها واستطاع ان يرتبها ترتيبا تاريخيا منطقيا متسلسلا, فإن أحداث الرواية سارت في شكل متسلسل تاريخي ومتصاعد, ساعد في رسم شخصية بطل القصة ويساعد على بيان ملامحه, غير ان تلك الأحداث في ذات الوقت تُظهر انحرافا في نفسية وسلوك البطل وعدوانيته أحيانا وحُبه لذاته وحرصه على الوصول إلى الحكم ولو باراقة دماء أقرب المقربين إليه, وتلك سمات ساهمت كثيرا في تغيير تلك الصورة الرومانسية الحالمة التي تنطبع في ذهن القارئ بمجرد قراءة عنوان الرواية عند أول دخول إلى أجوائها, فلأول وهلة يخيل اليك ان المؤلف سيرسم لك صورة اسطورية لبطل عربي ثائر على الظلم أو على أعداء بلده, كتلك التي نعرفها لعمر المختار مثلا أو الأمير عبد القادر الجزائري, غير ان المؤلف كان أمينا جدا في عمله الروائي هذا الذي أراد به الحقيقة والحقيقة وحدها ولو كانت حقيقة مُرّة, فأخذ يسرد الأحداث سردا متلاحقا, بدأ بتوطئة مثالية محببة إلى نفس القارئ العربي المتلهف إلى العثور على شخصية عربية ثائرة يفتقدها في واقعه العربي المعاصر الذي ضاعت فيه معاني الثورة والمواجهة والبطولات الخالدة وساد الشعور المسالمة والمهادنة. غير ان تلك التوطئة الرومانسية الجميلة لم تلبث ان أخذت صورتها الحالمة تتشوه شيئا فشيئا بأفعال ذلك الأمير الثائر المتناقضة أحيانا وغير الانسانية أحيانا أخرى, بداية برضاه بقتل أحد أنصاره لوالده, ثم تسببه في قتل أمه, ثم قتله لأخيه الذي أخذ الحكم بدلا عنه بعد هربه من جزيرته التي يحكمها لخوفه من أعدائه ثم قتله لأخته ثم القاصمة الخاتمة هي غدره برجاله ذلك الغدر الذي كان هو القشة التي قصمت ظهره وأودت نتائجها بحياته فكانت خاتمته مأساوية. ومن ناحية فنية فإن رواية الأمير الثائر يمكننا تصنيفها بغير عناء كبير في مجال القص التاريخي القائم على السرد بشكل عام فهي رواية لا تخلو من مقومات الرواية المعروفة بعناصرها الفنية المعهودة من أحداث وشخوص, وبناء قصصي في تنامي الأحداث وتعقدها ثم انتهائها بنهاية إما مأساوية أو سعيدة, ومن ثم سرد التفاصيل في صورتها الواقعية, وفكرة واضحة هي هدف المؤلف من القصة. أما شخوص القصة فكثيرة ومتعددة, وعلى رأسها يظهر دائما بطل القصة الشيخ مهنا كشخصية رئيسية تكاد تكون وحيدة لا تضارعها شخصية أخرى حتى تكاد تكون جميع الشخوص الأخرى ثانوية, فإنك لن تجد كشخصية الأمير مهنا شخصية لها دور رئيسي واضح ومؤثر تتعلق به أحداث القصة جميعها. أما زمان القصة ومكانها فمحددين وواضحين جغرافيا وزمنيا بدقة فرضتها دقة المؤرخ الذي أخذ على نفسه عهدا في بداية الرواية ان يكون عمله وثائقيا, أما عقدة القصة فليست تقليدية تأخذ القارئ في أحداث منسوجة نسجا روائيا متخصصا في أحداث تصل به إلى عقدة تنفرج أو تنتهي إلى حل, فكون القصة تاريخية نسجتها يد القدر وحفظها التاريخ بغير تدخل من الكاتب جعل امكانية التصرف بالقصة فنيا يُعقّدها ثم يحلها هذا الأمر غير وارد, إلا ان القصة بوقائعها التاريخية الواقعية فإنها سارت من تلقاء ذاتها سيرا عفويا في أحداث نجح المؤلف في اختيار الهام المشوّق منها حتى وصل بالقارئ معها إلى مرحلة التضخيم فيها وجعلت القارئ عندها ينتظر نهاية محتملة للقصة, ولقد جاءت النهاية سريعة بعد ذلك التضخم الواضح مأساوية صادمة للقارئ بسبب تهور من البطل أساء فيه إلى أنصاره حتى انتهى شريدا طريدا ومن ثم قتيلا بصورة بشعة في غير وطنه. أما الفكرة التي رمى إليها المؤلف في هذه الرواية ففيها نوع من الطرافة والجدة التي قد لا توجد في كثير من القص التأريخي فإنها توهم بعنوانها وبدايتها أنها تَعْرض لمثال رفيع من أمثلة البطولة التي يجب ان تحتذى وهو مثال البطل العربي الثائر على تدخل الاجنبي في وطنه غير ان سياق الأحداث يقول في النهاية أمرا آخر ويلفت النظر إلى هدف أكثر وقعا على النفس العربية من ذلك الهدف التقليدي الذي هو محور كثير من القصص التاريخية المعتادة. ان المؤلف بذكاء يومئ إلى واقع عربي معاش يعاني منه العرب جميعا وهو خيبة الأمل العربية في بطله العربي الذي خيّب رجاءه مشيرا إلى ان الأحداث القريبة جدا من عرب الخليج الذين لا يزالون يكتوون بنارها بسبب ذلك البطل الذي تصوروه بطلهم المنقذ فأوصلوه بدعمهم إلى القمة ثم ما لبث ان التفت إليهم بطعنة غادرة مفاجئة. تلك هي الغاية التي رمى إليها المؤلف فوضعها أمام القارئ جلية واضحة بعد أن هيأ لها بأحداث لا يغيب عن الفطن النبيه من القراء انها ستنتهي إلى ما انتهت إليه.