قبل عدة سنوات سمعت شاعر الامارات أحمد أمين المدني رحمه الله يتساءل بحرقة الذين اصابتهم حرفة الأدب فحرمتهم من خيرات الدنيا المادية:كيف استطاع عيسى القرق, ذلك الشاب الذي بدأ حياته عاملاً في مستوصف ان يحصل على هذه الثروة الطائلة . ويبدو ان الإجابة عن هذا السؤال جاءت اخيراً بشكل تفصيلي وذلك في كتاب عنوانه (ينابيع الذاكرة) وقد صدر مؤخرا بالانجليزية عن دار النشر البريطانية (جون موري) وقد استمتعت هذا الأسبوع بقراءة تلك الإجابة التي حملت تفاصيل السيرة الذاتية للمصرفي ورجل الأعمال ودبلوماسي الامارات (عيسى صالح القرق) . ينقسم الكتاب الى احد عشر فصلا ومقدمة للسير (جيمس كريج) ومقدمة لصاحب السيرة وملاحظة ختامية للكاتب الانجليزي (مايكل رايس) الذي ساعد صاحب السيرة في اعداد كتابه. يبدأ الكتاب بذكر تاريخ عائلة القرق فيذكر انها عائلة عربية كانت تسكن في مدينة لنجة على الساحل الفارسي للخليج وقد نزحت الى الإمارات مع العديد من العائلات العربية والفارسية المحافظة بعد تبني رضا شاه حاكم ايران للعديد من سياسات التحديث والتغريب في النصف الأول من القرن العشرين وعرفت تلك السياسة على المستوى الشعبي بسياسة (كشف الحجاب) . اما سبب إطلاق لقب (القرق) على عائلته فيعود إلى ان احد اسلافه قتل ذئبا ضاريا كان يهدد احدى القرى الفارسية فاطلقوا عليه لقب (قرق) وهي كلمة فارسية تعني الذئب. وكان قدوم عائلة القرق الى مدينة دبي في عهد الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم وسكنت في بر دبي وولد عيسى في عام 1927 وكانت ظروف العقد الأول من طفولته بائسة حيث انهارت تجارة اللؤلؤ اثر اكتشاف اللؤلؤ الصناعي في اليابان وأبتلي بالعديد من أمراض الطفولة. درس في طفولته وصباه في مدرستي الفلاح والاحمدية حيث تعلم مبادىء الحساب واللغة العربية والدين الاسلامي. في البيت المقابل للمدرسة الاحمدية انشأ الانجليز أثناء الحرب العالمية الثانية مستوصفا كان يشرف عليه طبيب من شبه القارة الهندية اسمه محمد ايوب وقد اعجب ذلك الطبيب بفضول الصبي عيسى ورغبته في التعلم, فأعطاه دروسا في اللغة الانجليزية مع ابنائه السبعة, كما اشرف الأديب السيد هاشم الهاشمي على تعليمه فن الخط. عمل في بداية حياته العملية كعامل في مستوصف الدكتور محمد ايوب, ثم استطاع بواسطة تشجيع ومساعدة ذلك الدكتور الالتحاق بدائرة البريد التي انشئت حديثا في دبي براتب شهري قدره 25 روبية! ثم انتقل للعمل في دائرة البريد بالبحرين براتب شهري قدره 140 روبية!. في البحرين تعرف الشاب عيسى على جوانب جديدة من الحياة العصرية لان البترول كان قد اكتشف هنالك مبكراً (في عام 1932) كما اكتشف نشاطا سياسيا وطنيا متقدماً ومن البحرين عاد إلى دبي ليلتحق كموظف في البنك الامبراطوري الايراني الذي تحول فيما بعد الى البنك البريطاني للشرق الاوسط. تدرج بعد ذلك في مناصب البنك حتى وصل الى ادارته العليا, واحتك في أثناء عمله بالمصرف بشيوخ وقادة الامارات وكان لصيقا بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي قدم له خدمات الترجمة والاستشارة في بعض الأحيان. ونتيجة لعمله في مؤسسة مصرفية بريطانية فقد كانت له علاقة حميمة مع السلطات البريطانية المسيطرة على الامارات في ذلك الوقت والممثلة بدار الاعتماد وممثليها. وساهم في نشاطات مجلس التطوير الذي انشأه الانجليز لكي يحد من نشاطات الجامعة العربية بالامارات في الستينات, بالتزامن مع نشاطه المصرفي بدأ نشاطا تجاريا تمثل في حصوله على وكالة شركة جراندج للالكترونيات وشركة سيمنز الالمانية العملاقة وشركة التبغ الامريكية البريطانية وغيرها, كما ركز ايضا على الاستثمار في المجال العقاري, ويقول ان انتهاء علاقته التاريخية مع البنك البريطاني التي زادت على عقود ثلاثة كانت بشكل سيىء وذلك راجع الى تصرف ادارة البنك العليا. حصل من الحكومة البريطانية على وسام (س بي إي) وعينته دولة الامارات سفيراً لها في بلاط سينت جيمس في العاصمة البريطانية حيث بذل جهداً كبيراً في تقوية العلاقات الاماراتية البريطانية وخصوصا الجانب التجاري منها. هذه باختصار مراحل سيرة صاحب (ينابيع الذاكرة) ولكن صفحات الكتاب تحمل الكثير من الحكايات اللطيفة والطرائف الممتعة والقصص الطريفة والأحداث الرئيسية والثانوية, ويلاحظ القارىء ان عاطفتين رئيسيتين تسيطران على المؤلف: العاطفة الأولى هي الاعتداد الكبير بالنفس والرغبة في اثبات الذات وإعادة المجد لعائلته التي اخنى عليها الدهر وهي مبثوثة في ثنايا الكتاب, عندما قال والده عنه في صباه المبكر انه سيكون (اتاتورك عائلة القرق) ! وعندما يشبه علاقته بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بعلاقة السير هنري مور بالملك الانجليزي هنري الثامن (مع الفارق بينه وبين هنري مور الذي قتل في سبيل آرائه!). العاطفة الثانية هي تمزقه وحيرته بين إعجابه وافتتانه بالحضارة والادارة والسياسة الانجليزية على الرغم من عدوانيتها الاستعمارية من جانب, وبين عاطفته الوطنية وحماسته الشديدة للزعيم جمال عبدالناصر ومبادىء القومية العربية من جانب آخر. هاتان العاطفتان قادتا المؤلف الى العديد من الانتصارات والانكسارات والايجابيات والسلبيات على الصعيد الشخصي والاجتماعي والمصرفي والسياسي, وهو يذكر العديد من تلك الأمور بصراحة واضحة في أبواب سيرته الممتعة واللطيفة. هنالك ملاحظتان على كتاب (ينابيع الذاكرة) الأولى تتعلق بما لم يذكره المؤلف وهنا قد يرد المؤلف بانه ذكر ما رأى انه جوهري ومهم في سيرته الذاتية, وله الحق في ذلك, ولكن هذه السيرة تسرد مرحلة مهمة من تاريخ الامارات بشكل عام وامارة دبي بشكل خاص, ولا يمكن لشخصية عامة كشخصية عيسى القرق ان تسرد تلك المرحلة بدون ذكر العديد من الشخصيات المهمة التي اثرت في مجريات الأمور في دبي, مثل المرحوم احمد بن سلطان بن سليم, والمرحوم ناصر عبداللطيف السركال ومحمد سعيد الملا وكمال حمزة وعبدالغفار حسين ومهدي التاجر وغيرهم. وربما كانت للمؤلف وجهة نظر غير ايجابية في بعض الشخصيات العامة التي لعبت دوراً كبيراً في تاريخ امارة دبي, وخصوصا تلك الشخصية التي اسماها براسبوتين دبي والتي نسب اليها دوراً في غاية السلبية بالنسبة لبعض المشاريع الصناعية والاقتصادية! ولكن هذا لا يمنع من ذكر الشخصيات الأخرى المهمة التي لعبت دوراً ايجابياً وهاماً في مسيرتنا الحديثة. كما انه لم يذكر افراداً بارزين من اسرته مثل اخيه الأديب والمعلم القدير عبدالله القرق رحمه الله وأخيه الأديب والشاعر المعروف محمد القرق. الملاحظة الثانية تتعلق بدقة المعلومات التي اوردها, فهنالك عدم دقة في ايراد تواريخ بعض الحوادث التاريخية الحديثة والقديمة, وتلك صعوبة ذكرها الكاتب الانجليزي مايكل رايس الذي ساعد في اعداد الكتاب وذلك بسبب عدم توثيق المؤلف لأحداث حياته في يوميات او مذكرات او غيرها. ولكن هنالك أحداث معروفة وموثقة, مثل حادثة اعتداء السفينة الحربية البريطانية (هيسينث) بقيادة (جي دي ديك) في 27 ديسمبر 1910 وذلك بسبب تقارير وردت عن وجود تجارة لتهريب السلاح في دبي, ونزلت قوة بريطانية الى بيوت اهالي دبي الذين تصدوا للجنود البريطانيين وقتلوا منهم اربعة وجرحوا ما يقارب العشرة واستشهد من اهالي دبي 37 مواطنا كما تذكر التقارير البريطانية, ويقول أهلنا ان الرقم اقل من ذلك بكثير ولكنهم ضخموه ليخففوا من قيمة التعويضات, وقد هدد المعتمد البريطاني والقائد البحري (سليد) قيادة آل بوفلاسا في دبي بزعامة الشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا لم يدفعوا خمسين الف روبية واربعمائة بندقية ويتعهدوا بالتزامهم بالسماح في دبي لممثل الحكومة البريطانية وقوات حرس بريطاني ومحطة اتصالات.. الخ. وبعد مراسلات عدة تعرضت قيادة الحملة ضد دبي لمساءلات وانتقادات من القيادة البريطانية واكتفى الانجليز بتسلم البنادق والنقود وتخلوا عن باقي الشروط المهينة. وكان الشيخ بطي بن سهيل قد ابلغ القنصل الامريكي في مسقط شكواه ضد الاعتداء البريطاني وذكر موضوع الحادثة في جريدة التايمز الانجليزية في 30 سبتمبر 1910 وفي جريدة تايمز اوف انديا في 31 ديسمبر 1910. والتفاصيل موجودة لمن يريد الاستزادة في التقارير البريطانية وكتب التاريخ الخاصة بالمنطقة. عيسى القرق عندما يذكر هذه الحادثة يغفل ذكر التواريخ والاشخاص ويذكر لتلك الحملة سببا غريبا هو ان حكام قطر قد استولوا على خيول كانت ستحمل بالسفن الى الهند, وان دبي قد تورطت في تلك الحادثة وان مسلحين من دبي هاجموا السفن البريطانية الراسية قبالة دبي وقتلوا بحارتها ولذلك هاجم الانجليز دبي, وهذه القصة مختلقة ولا اساس لها من الصحة ولا علاقة لها بالوقائع الحقيقية لحادثة هجوم السفينة (هيسينث) على دبي في عام 1910. وعند حديثه عن تأثير تطورات الاحداث في الشرق العربي على الامارات ودول الخليج في نهاية الخمسينات والستينات يقول المؤلف: ان المدرسين اتوا من مصر والعراق والحقيقة ان أكثر المدرسين قدموا لنا من مصر ومن فلسطين والاردن ونادرا ما جاءنا مدرس من العراق, ويقول: ان الجرائد والمجلات واسعة الانتشار كانت تأتينا من القاهرة ودمشق, والحقيقة ان اكثر الجرائد والمجلات كانت تأتينا من القاهرة وبيروت ونادراً ما جاءتنا من دمشق. وفي احدى صفحات الكتاب يذكر مرتين ان عبد المطلب هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم!! ويسمى سمك السردين الصغير (دومه) والمعروف انه (عومه) ! وهنالك أخطاء أخرى صغيرة ارجو ان ينتبه لها المؤلف في الطبعات المقبلة. في الفصل الاخير يذكر المؤلف تأملاته وآماله بالنسبة لمستقبل إمارة دبي والامارات بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام, والحقيقة ان الكثير منا يشاركه آماله في تحديث مجتمعاتنا وتطوير إدارتنا السياسية والاستفادة من تجاربنا السابقة والقضاء على سلبياتنا الادارية والاجتماعية, ولكن هنالك بعض الملاحظات اوردها المؤلف والتي لا يمكن ان يوافق عليها المراقب المحايد والموضوعي, مثل قوله ان عائلته العربية التي عاشت على الجانب الفارسي من الخليج ونتيجة لبعدها عن عرب الجزيرة الساميين الذين اتصفوا بالانطوائية الاجتماعية, ونتيجة لاختلاطها بالفرس الآريين استطاعت ان تحصل على اتجاهات ذهنية مختلفة (منفتحة) عن العقل السامي (المنغلق) ! وهذا كلام متهافت ولا يصمد امام التمحيص العلمي, فالمعروف تاريخيا ان عرب الجزيرة هم اسياد البحار وهم الذين سافروا الى كل اصقاع العالم (من الصين الى افريقيا) وانفتحوا على كل الحضارات بينما كانت الحضارة الايرانية حضارة غير بحرية وامتداداتها كانت برية حتى في ايام عظمة ازدهارها أيام الاخمينيين والبارثيين والساسانيين وكذلك في المراحل اللاحقة, ولم تنشأ لها اسطولا بحريا الا في الازمنة الحديثة. والكلام عن عقل آري (منفتح) وعقل سامي (منغلق) او العكس هو كلام غير علمي, فكل الاجناس البشرية لها صفات متشابهة كما اثبتت دراسات علماء الانثروبولوجيا وانه لا يوجد اساس للحديث عن تفوق جنس على جنس, وقبل ذلك اكد ديننا الاسلامي العظيم هذه الحقيقة العلمية بمساواته بين كل البشر من كل جنس ولون ولسان وبلاد. في الفصل الاخير ايضاً وبجرة قلم يذكر المؤلف ان 60% من شبابنا لا فائدة فيهم, ولا أمل في مستقبل مشرق لهم وان 20% من شبابنا فقط سوف ينجحون في المجالات الاكاديمية والمهنية, ولا ادري اين ذهبت نسبة الـ 20% الباقية؟! هذه من وجهة نظري نظرة متشائمة جداً لمستقبل شبابنا, وتعكس تفكير كبار السن التقليدي تجاه الشباب في كل عصر. صحيح انه توجد في اوساط بعض شبابنا روح من الاتكالية والعقلية الاستهلاكية وعدم الجدية, ولكن هذه الروح ليست قاصرة على الشباب بل انها منتشرة في الكثير من اوساطنا الاجتماعية وفي مختلف المراحل العمرية, وذلك راجع لسياسات اقتصادية وادارية وسكانية وتعليمية خاطئة سادت في العقدين الاخيرين من حياة مجتمعنا, وجانب كبير منها يتحمل مسؤوليته الاقتصاديون والمربون والاداريون من الجيل السابق بمن فيهم صاحب كتاب (ينابيع الذاكرة) , وأملنا كبير في ان شبابنا الناهض هم الذين سيحافظون على انجازات الجيل السابق وسوف يعملون لاصلاح خلل التركيبة السكانية الذي سببته السياسات الاقتصادية الخاطئة والمعتمدة على المصالح الشخصية والضيقة, ولاصلاح باقي امراضنا الاجتماعية والاقتصادية. كتاب (ينابيع الذاكرة) على الرغم من الهنات والنقاط التي ذكرتها يؤرخ لمرحلة هامة من تاريخنا السياسي والاجتماعي والحضاري ويبرز للقارىء شخصية عيسى صالح القرق التي تميزت بالطموح والديناميكية والعصامية, والمؤلف يرجع الفضل الى اهله فهو يذكر في مواضع كثيرة من الكتاب المساهمات التاريخية الكبرى للراحل الكبير الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم رحمه الله والمؤسس والباني الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وقائد مسيرة الاتحاد التاريخية رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والقائد الكريم الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم. كتاب عيسى صالح القرق من كتب السيرة الذاتية الممتعة واللطيفة التي صدرت مؤخراً في الامارات ومنطقة الخليج العربي.