حكاية اعتزال الفنانات ليست جديدة, ومنذ ان عرفنا الغناء والرقص ثم المسرح وبعده السينما وقصص الاعتزال كثيرة, بعضها يمر بهدوء, وبعضها يثير الضجة والاستغراب .. ولكنها كلها كانت لاتثير المعارك كما يحدث الآن! كثيرات من الذين دخلن الفن ولم يحالفهن الحظ, كان من الطبيعي ان يعتزلن الفن او يعتزلهن الفن.. وكان الاعتزال في هذه الحالات يمر بهدوء ويجلب الراحة للجميع.. المعتزلة والجمهور في آن واحد. والبعض كان اعتزالهن يأتي مع الزواج, واحيانا كان الزواج يستمر فيستمر الاعتزال, او تنتهي الزيجة فتعود (الفنانة) الى فنها ولا من شاف ولا من دري! والبعض كان اعتزالهن يأتي طبيعيا مع التقدم في السن, خاصة اذا كان الامر يتعلق بالرقص الذي يصعب اداؤه بعد سن الشباب, خاصة ان الرقص زمان كان مرهقا, ولم تكن حكاية الفرقة الاستعراضية التي تصاحب الراقصة قد انتشرت كما يحدث الآن.. حيث تنوب الفرقة عن الراقصة في اداء رقصتها, بينما تتفرغ الراقصة للحديث مع الجمهور ودعوته للرقص وربما التعليق على الاحداث ونتائج مباريات الكرة! المطربات ايضا كان الاعتزال قريبا منهن بسبب الزواج او بسبب السن, ومعجزة ام كلثوم التي استمرت تغني بعظمة حتى وفاتها في الثمانين لم تتكرر كثيرا... (المظ) اشهر مطربات القرن الماضي في مصر تزوجت عبده الحامولي اشهر مطربي عصره واعتزلت, وليلى مراد سيدة مطربات الشاشة الفضية اعتزلت مبكرا بعد تعرضها لمحنة عاطفية, ومثلها فعلت نور الهدى التي اعتزلت وهي في عز مجدها, والكثيرات من المطربات اعتزلن في الوقت المناسب او فرض عليهن الاعتزال بعد ان تقطعت الانفاس... خاصة ان الاجهزة الحديثة لم تكن قد ظهرت, والغناء كان بدون ميكروفون, والتسجيل كان بأجهزة بدائية اذا قورنت باجهزة اليوم التي لا تتطلب من المطربة جهدا, والتي جعلت مطربات تعدين الستين يصارعن على عرش الغناء! الممثلات كان عمرهن اطول, بشرط ان يعرفن كيف يتعاملن مع الزمن, فتتغير الادوار, ولا يلعبن دور الفتاة الشقية, وطقم الاسنان الصناعية لا يثبت في مكانه داخل الفم, او يطالبن باصرار بأدوار الاغراء بعد ان يصبحن جدات لصبيان وبنات يصلحون للبطولات السينمائية! وهذا ما استوعبته فنانات مثل هدى سلطان ومديحة يسري ومريم فخر الدين, فاستطعن الانتقال من ادوار فتاة الاحلام الجميلة الى ادوار الامهات والجدات ببراعة ونجاح, بينما آثرت فنانة مثل هند رستم ان تتفرغ لبيتها وزوجها الطبيب الشهير, وتركت السينما وأضواءها وهي في عز الشهرة. لكن الأمر اختلف منذ سنوات, وتحول الاعتزال الى توبة عن الفن الذي هو في رأي من تعتزله.. حراما في حرام! وحتى هنا فالأمر مجرد حرية شخصية لكل فنانة. لكن ما حدث بعد ذلك كان مثيرا للجدل. فمن ناحية بدأ الحديث عن أموال طائلة تعرض على فنانات كبيرات لاعلان الاعتزال. وفي هذا المجال جاء اسم فاتن حمامة في رأس القائمة بعد ما نشر عن عرض بملايين الجنيهات لكي تعتزل وتتحجب وتعلن التوبة! وكان الحديث عن الاعتزال ممكنا, وكذلك الحديث عن الحجاب, ولكن غير المتصور ان تكون أفلام مثل (الحرام) و(دعاء الكروان) وغيرها من الروائع التي ساهمت في تشكيل وجدان جيل بأكمله مجرد ذنوب على فاتن حمامة أن تتوب عنها.. واذا حدث ذلك فقل على الدنيا السلام! من ناحية ثانية بدأت الفنانات التائبات ممارسة نشاط منظم بين الفنانات وهذا حق لهن لا جدال فيه, ولكن المشكل أن كل فنانة معتزلة ما أن تعلن الاعتزال حتى تتحول الى متخصصة في الافتاء في شؤون الدين. ولعل القارىء يذكر الكوميديا السوداء التي صاحبت الضجة حول الراقصة دينا واعتزالها المفاجىء, ثم أحاديثها المطولة عن الحلال والحرام الذي امتد من الرقص والغناء الى الرسم والنحت.. وهي أحاديث ابتلعتها بعد أيام عندما رجعت عن اعتزالها وعادت للرقص على واحدة ونص, مع الاستمرار في اصدار الفتاوى فيما تعرف وفيما تجهل من أمور الدنيا والدين! وفي الآونة الأخيرة هدأت الضجة حول الموضوع خاصة بعد أن بدأت بعض الفنانات طريق العودة للعمل في مجال الفن.. البعض عاد للعمل بصورة طبيعية مثل سوسن بدر التي تعتبر الآن واحدة من ألمع نجوم المسرح في مصر, وعفاف شعيب التي عادت للعمل في التمثيل الاذاعي, وأبدت استعدادها للعمل في التلفزيون في أدوار تتلاءم مع الحجاب الذي ترتديه.. ومثلها فعلت سهير البابلي التي تريد العودة في أدوار ملائمة. لكن المفاجأة هذه المرة كانت (رجالي) وليست (حريمي) ! فقد أعلن ورثة الفنان حسين صدقي أن عددا كبيرا من الافلام التي قام ببطولتها قد تم حرق الأصول (النيجاتيف) الخاصة بها بناء على رغبته أو وصيته, وضاع في هذا الحريق ستة عشر أو سبعة عشر فيلما هاما. وحسين صدقي دخل السينما من أوسع ابوابها حينما اختاره المخرج كمال سليم لبطولة واحد من أهم وأشهر الأفلام المصرية أن لم يكن أشهرها على الاطلاق هو فيلم (العزيمة) الذي بدأت به الموجة الواقعية في السينما العربية على يد المخرج الموهوب كمال سليم الذي اختطفه الموت مبكرا, وقيل إن أحد السيناريوهات التي كان يعدها قد تسربت بعد ذلك الى ايطالي على يد أحد مساعديه الايطاليين, وتحولت بعض التعديلات الى فيلم (سارق الدراجة) الذي أخرجه الفنان الشهير فيتوريودي سيكا وكان حجر الأساس في السينما الايطالية الجديدة. حسين صدقي اصبح احد المشاهير في دور الفتى الاول لسنوات طويلة بعد ذلك, واقتحم ميدان الانتاج, وشارك ليلى مراد بطولة بعض الافلام التي حققت نجاحا كبيرا وحققت له ثروة معقولة. واتجه الى الافلام الاجتماعية ثم الدينية واستمر ناجحا الى ان اعتزل الفن وتفرغ للتجارة والاستيراد والتصدير, وبنى منزلا ومسجدا في ضاحية المعادي. وكل ذلك طبيعي وشاركه فيه كثيرون منهم جاره في ضاحية المعادي المطرب محمد الكحلاوي الذي لمع في الاربعينات بلون بدوي جميل وحقق ثروة هائلة من الغناء والسينما انفق معظمها, ثم تفرغ بعد ذلك للغناء الديني واعتكف في المسجد الذي بناه حتى نهاية حياته. لكن الكحلاوي وغيره لم يتوبوا عن ماضيهم الفني بل ظلوا سعداء به, ولم يفعلوا مثل بعض الفنانات اللاتي كن يعتزلن بعد الزواج من اثرياء يدفعون للمنتجين مبالغ كبيرة مقابل الحصول على افلام شاركت فيها زوجاتهم بمشاهد ساخنة واعدام تلك الافلام. وحسين صدقي بالذات كانت معظم افلامه تدعو للاصلاح الاجتماعي, وكان حريصا ان يكون في كل ادواره في صورة الشاب الطيب او الزوج الصالح او الفقير المكافح حتى يبلغ اعلى السلم. اما افلامه الدينية في الفترة الاخيرة من عمله الفني فكانت من نوعية (خالد بن الوليد) .. فما هو الداعي لاحراق مثل هذه الافلام؟ ابناء حسين صدقي يقولون ان اعدام الافلام تم من باب (درء الشبهات) وهو باب لو فتح بهذه الطريقة وبهذا الفهم لما اصبح لدينا سينما ولا مسرح ولاقتنع الجميع بفتوى فضيلة الاستاذة دينا في اليومين اللذين اعتزلت فيهما الرقص بان التصوير والنحت حرام في حرام!! لقد كانت مشكلتنا مع حسين صدقي انه كان يتشدد في مواصفات الافلام التي يشارك فيها, ويزداد تشددا في الافلام التي تكون من انتاجه, ولهذا كانت الافلام تمتلىء بالخطب والمواعظ على حساب الفن السينمائي, ومع ذلك فقد كان مصير هذه الافلام الاكثر تشددا ان اقيم لها حفل اشرف عليه الابناء لحرق كل ما كان لديه من اصول (نيجاتيف) هذه الافلام ليتم شطبها من تاريخ السينما وتاريخ الرجل! والحمد لله.. لم تكن افلام مثل (العزيمة) او (شاطىء الغرام) من انتاجه والا لضاع اهم فيلم سينمائي في تاريخ السينما المصرية وواحد من اهم مائة فيلم في تاريخ السينما العالمية, ولما استمتعنا بواحد من اجمل الافلام الغنائية وليلى مراد تغني (ياساكني مطروح) او (يا اعز من عيني) والعبقري استيفان روستي يؤكد: انه ما فيش حد ما اعجبش بيها) تلك الجملة التي حفظناها قبل ان نحفظ الاغاني نفسها. الحمد لله ان هذه الافلام الجميلة لم تكن من انتاج حسين صدقي, وبالتالي لم تكن من ضحايا حريق المعادي, ولا اراكم الله مكروها في فيلم جميل يحرقه صاحبه.. درءا لشبهات لا أساس لها!