عندما هبطت بي الطائرة في مساء ذلك اليوم في مطار صوفيا لم يكن بخاطري اكثر من أنني في زيارة عادية لبلغاريا, بدعوة من وزارة السياحة للصحيفة التي اعمل بها.. وبالطبع هناك برنامج موضوع للزيارة سأعلم به عند وصولي . كان اليوم يوم جمعة. وفي الطريق الى الفندق لم يتوقف مرافقي البلغاري الذي استقبلني بالمطار عن الحديث بلغة فرنسية طليقة.. ولما كانت حصيلتي المحدودة من الفرنسية لا تشجع على مبادلته الحديث فقد اكتفيت بالايماء برأسي بين الحين والحين.. قائلا (وي.. وي) اذا ادركت من لهجته انه يسألني سؤالا, او (مرسي.. مرسي) اذا فهمت أنه يفضي لي بمعلومة ما عن المعالم التي نجتازها بالطريق. وقبل ان تتوقف بنا السيارة امام مدخل الفندق فهمت بصعوبة اننى سأجد بانتظاري زميلا عربيا وصل قبلي بساعات.. وكانت كلمة مرسي هنا أصدق من كل سابقاتها.. ولم تكن هناك مشقة في التعرف على الزميل العربي قبل أن يصل بي مرافقي اليه. فقد كان مميزا بين الجالسين بالبهو بزيه المغربي المميز. وقدم المرافق كلا منا للآخر.. وتركنا, ربما ليستقبل ضيفا آخر. ومن الزميل المغربي عرفت أشياء, ربما كانت هي تلك التي حاول المرافق البلغاري ان يشرحها لي بالفرنسية اثناء الطريق للفندق ــ واهمها اننا, هو وانا, يفترض ان نمثل بلدينا في مؤتمر سيفتتح في نفس الفندق قبل ظهر يوم الاثنين, اسمه المؤتمر الدولي للصحفيين السياحيين, وان هناك اكثر من أربعين وفدا يمثلون اربعين دولة وصل معظمهم بالفعل وكلهم مقيمون معنا في ذلك الفندق. وعرفت منه شيئا آخر. ذلك اننا العربيان الوحيدان في هذا المؤتمر.. وانه خلال الساعات القليلة التي قضاها استطاع ان يقيم علاقة طيبة مع المسؤول البلغاري عن تنظيم المؤتمر, وهو (ذلك الرجل الجالس هناك.. الرفيق بيكوف وكيل وزارة الخارجية) . طبعا لم تكن لدهشتي حدود. ولكنني طرحت دهشتي جانبا. فسواء كان هناك مؤتمر اولا مؤتمر, فسوف اقضي وقتا طيبا.. واعتقد على اية حال انني سوف احسن تمثيل بلدي, مع أنني لا أحمل اي تفويض, بل لا علم لي بالأمر من أوله لآخره.. ولست حتى صحفيا سياحيا.. ولكن لا بأس! وفي صباح اليوم التالي.. كنت قد فكرت طول الليل فاهتديت الى انني يستحسن ان اطلب مشورة سفارتنا في صوفيا. وكانت لحسن الحظ على بعد خطوات من الفندق ولكنني لم اجد السفير, ولا القائم بالأعمال, ولا أي مسؤول استطيع الاستئناس برأيه, فقد كانوا جميعا في اثينا لحضور مناسبة لا اذكرها.. واذن, فانني يجب ان اعتمد على نفسي, وفي احسن الظروف على مشورة زميلي المغربي ـ وكان اسمه عبدالله.. خصوصا وقد اقتنعنا ان سمعة العالم العربي كله قد اصبحت في رقبتينا! ولما لم يكن امامنا ما نصنعه فقد رحنا نتفقد ارجاء المكان.. وكان الزي المغربي لزميلي ملفتا لنظر الوفود ــ ومعظمها من اثنين, رجل وامرأة.. فكان هذا سبيلا للتعارف وتبادل كلمات المجاملة. وفي اثناء تجوالنا عثرنا على القاعة الضخمة التي كان العمل فيها يجري على قدم وساق استعدادا لافتتاح المؤتمر, وقادنا حب الاستطلاع الى تفقد المقاعد المرصوصة على هيئة حدوة حصان, تتصدرها منصة محترمة.. واسعدني جدا ان المح بطاقة امام احد المقاعد في مكان مناسب وعليها اسم بلدي. واسمي. والى يميني مباشرة بطاقة تحمل اسم زميلي المغربي وبلده. وفي هذه اللحظة اختفت سعادتي.. فعلى يسار مقعدي كانت هناك بطاقة تحمل اسم اسرائيل.. وتحتها اسمان.. لرجل وسيدة. لم افكر طويلا فيما يجب ان افعله فأنا لا يمكن ان اجلس او اشارك في جلسة يحضرها اسرائيليون. ووافقني الزميل المغربي, الا انني رأيت ان من واجبي ان (اعمل فرقعة) , والا يكون انسحابي في هدوء. ولذلك فقد قضيت وزميلي نحو ساعة في غرفتي ندبج مذكرة احتجاج شديدة اللهجة موجهة الى الرفيق بيكوف المشرف على تنظيم المؤتمر, قلنا فيها بوضوح, اننا نعرف ان بلغاريا قد قطعت علاقاتها مع اسرائيل عقب عدوان 1967 الذي وقع منذ اقل من خمسة اشهر. ولكن يبدو ان هذا الكلام عن المقاطعة مجرد دعاية او اقوال لا تستند الى افعال. والا فكيف يفسر وجود وفد اسرائيلي في قلب مدينة صوفيا, وفي مؤتمر يجري اعداده وتنظيمه تحت اشرافه. وعلى اية حال, فأنا فوجئت بالمؤتمر, وبوجودي ممثلا فيه لبلدي دون ان يكون لدي اي تفويض, بل اي علم بذلك, ومن ثم فمن حقي ان اقتنع بأن الامر مرتب ومقصود كي اتواجد مع ممثلي اسرائيل في ملتقى دولي. وهذا ما ارفضه تماما ــ وعليه ارجو عمل اللازم كي اعود فورا لبلدي. وسلمت المذكرة الى الرفيق بيكوف, وعدت من فورى الى غرفتي لأرتب حقائبي استعدادا للسفر. وربما كنت احس ببعض الأسف, ولكن من المؤكد ان احساسي بالغضب كان اكبر.. ولم تمض بضع دقائق حتى كان وكيل الوزارة بيكوف يطرق باب غرفتي.. ودون ان يهتم كثيرا ببرود استقبالي له, جلس على حافة السرير (كانت حقائبي تشغل المقعدين الوحيدين) وراح يتحدث. قال انه يقدر تماما وجهة نظري. ولكنه يرجو ان يوضح امرين, أولا ان حكومته جادة في مقاطعتها لاسرائيل, وليس في الامر نفاق او العاب دعائية, ولكن الدعوة لهذا المؤتمر تصدر من منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة, ولا تملك حكومة بلغاريا ان ترفض استضافة اي وفد.. ولكنها عندما لاحظت عدم وجود اي عربي في هذا اللقاء, انتهزت فرصة وجودي ووجود زميلي المغربي فأدخلتنا على المؤتمر بمبادرة منها, حتى لا تنفرد اسرائيل بالساحة. وثانيا: انه يعتقد ان انسحابي, وزميلي المغربي, انما هو تصرف سلبي وهروب لن يهتم له اكثر المشاركين في المؤتمر الذي جاؤوا جميعا وليس في ذهنهم سوى قضاء وقت جميل بعيدا عن المشاكل بدعوى تبادل الحوار حول مشاكل الصحافة السياحية! قلت اننا لا نهرب لانه ليست هناك معركة كي نهرب منها ولكننا نريد تسجيل موقف. وهو اننا نرفض التواجد مع ممثلين للعدوان الصهيوني تحت سقف واحد. قال: بل هناك معركة.. ما رأيك لو قلت امام المؤتمرين ان اغلاق قناة السويس الذي حدث نتيجة العدوان الاسرائيلي في 5 يونيو الماضي, يعطل السياحة العالمية. ومن ثم تطالب المؤتمر باصدار قرار يطالب اسرائيل بالانسحاب بعيدا عن القناة.. حتى تتخذ السياحة مساراتها العادية؟ وأفاض الدبلوماسي البلغاري في شرح اقتراحه, ووعدني بأنه كرئيس للمؤتمر باعتباره ممثل الدولة المضيفة سوف يساندني, وأنه يعتقد أننا بدلا من الهروب نستطيع أن نستغل الساعات القليلة الباقية قبل افتتاح المؤتمر في الاتصال بالوفود, وشرح وجهة نظرنا لكي نكسبها لصفنا. وكان هذا ما حدث. وعندما قدمت اقتراحي أمام المؤتمر, تلقفه الرفيق بيكوف كما وعد. ولا أدري حتى الآن ما إذا كان ما حدث بعد ذلك نتيجة جهود الرفيق بيكوف, أم نتيجة اتصالاتنا السريعة مع أكبر عدد ممكن من الوفود, ولكن الذي حدث هو أنه ما ان انتهى الرفيق بيكوف من كلمته, حتى نهض ممثل أسبانيا, وبعده ممثل ايرلندا, ثم ممثلة رومانيا وممثل ألمانيا الشرقية وبعدهم ممثلة تشيكوسلوفاكيا ليعلنوا جميعا تأييدهم لاقتراح مطالبة اسرائيل بالانسحاب بعيدا عن الضفة الشرقية لقناة السويس حتى يمكن فتح القناة للملاحة والسياحة الدولية. ولم ينتبه أحد الى الفتاة الاسرائيلية وصاحبها وهما ينسحبان.