ألقاب كثيرة ورفيعة حملتها ام كلثوم في حياتها ولكن بقي منها الاسم الشعبي البسيط الذي كان يتردد على ألسنة بسطاء مصر والعالم العربي وهو (الست) وبقيت ايضا تسمية (ثومة) تدليلا واعزازا (ينطقها المصريون(سومة)بطبيعة الحال وفي هذا التصحيف الشعبي سماحة ورحمة فما اثقل حرف الثاء من جهة, دع عنك ان تفوح معه رائحة الثوم من جهة اخرى). وربما يرجع الفضل الى الرائد الاذاعي الراحل محمد فتحي في اطلاق لقب (كوكب الشرق) على ام كلثوم, كما يرجع الفضل الى الصحافة اللبنانية العروبية في تلقيب المطربة الكبيرة بانها المتحدث الرسمي باسم فن الغناء العربي في عصرنا. مع هذا كله فنحن نقف في هذا الحديث عند لقب طريف يصف فن الاداء عند ام كلثوم في عبارة موجزة تقول: ــ ام كلثوم صوتها.. ازهرى ان هذه التسمية من تأليف الفنان محمد عبدالوهاب.. ومن تلحينه ايضا وهي تسمية جمع فيها عبدالوهاب كل ما وهبه الله اياه من ذكاء وبلاغة وسرعة خاطر ودقة في التعبير, ولكن مع شيء من الخبث الفني الذي اضافته حاسة المنافسة المهنية غير المعلنة بين قمتي الغناء العربي المعاصر. نعم, ام كلثوم صوتها (ازهري) لان ثقافتها كلاسيكية بامتياز وقد ظلت كذلك, وهو ما كان يميزها عن رفيق الدرب الفني محمد عبدالوهاب: ثومة كانت ريفية من عرب شرق الدلتا و(محمد) ابن حواري القاهرة القديمة.. ثومة ظلت تلبس العقال وتغطي رأسها بالطرحة ومحمد خلع الجلابية البلدي سريعا وارتدى البدلة الافرنجي والطربوش العصري واطلق سوالفه على طريقة رودلف فالنتينو ساحر سينما هوليوود في ذلك الزمان البعيد, وتشك في ان ام كلثوم كان لديها الوقت كي تشجع عن فاتن النساء الامريكي ولا تشاهد السينما التي كانت عزيزة في تلك الايام من عشرينات القرن الحالي. وام كلثوم صوتها ازهري لانها بدأت مشوارها الفني على يد اثنين من مبدعي الالحان ممن جاوروا زمنا لطلب العلم في الازهر الشريف طال هذا الزمان او قصر وهما الشيخان (ابو العلا محمد) و(زكريا احمد) الاول اطلقها شهابا الرسماء الفن العالي فسمعها الناس في قصيدة ابن النبيه. افديه ان حفظ الهوى او ضيعا ملك الفؤاد فما عسى ان اصنعا والثاني صحبها ردحا طويلا من مشوار العمر الفني, وختم الصحبة بكل افراحها واتراحها بلحنه الذهبي المبهر من مقام الصبا ومن شعر العم بيرم التونسي هو صحيح (الهوى غلاب) وكان ذلك قبل ان يرحل الاستاذان زكريا وبيرم عن الحياة بأشهر قليلة ثم ان هذا الصوت الازهري ــ هذه الخلفية الكلاسيكية التي بدأتها ام كلثوم بحفظ القرآن الكريم وكان ان افادتها في رياضة الحنجرة وتدريب الجهاز الصوتي والنطقي على ضبط الحروف ودقة النطق ونصاعة الاداء, وكل هذا كان معناه ثروة لاتقدر خلفتها ام كلثوم وقد شدت من عيون قصائد الشعر العربي القديم والمعاصر حتى لتكاد تفوق عبد الوهاب في عدد الشعراء الذين تعاملت معهم وقد ضموا كوكبة من نوابغ مبدعي زماننا, ما بين الامير السعودي عبدالله الفيصل (اكاد اشك في نفسي لاني اكاد اشك فيك وانت مني) او الشاعر السوداني الهادي آدم (أغدا ألقاك ــ يا خوف فؤادي من غد!) او الشاعر اللبناني جورج جرداق (هذه ليلتي).. هكذا كان الصوت الكلثومي الازهري يختال في اطار جامعة عربية بل واسلامية فقد غنت حديث الروح من شعر الباكستاني محمد اقبال ويزدان تراثها الى جانب هؤلاء الشعراء بابداعات افواج مضيئة تضم اسماء احمد شوقي وحافظ ابراهيم وكامل الشناوي وصالح جودت واحمد رامي (في قصائده النصيحة) وابراهيم ناجي واحمد فتحي وطاهر ابو فاشا (اغاني رابعة العدوية الصوفية) واضف اليهم طبعا ابن النبيه الايوبي وابا فراس الحمداني (اراك عصي الدمع). ولانه صوت ازهري فلم يسجل على كوكب الشرق ان اخطأت في النحو او في طريقة نطق الالفاظ او تحريكها او ضبطها مهما طالت قصائد هؤلاء الشعراء او صعبت مطالعها او شق على المرء عباراتهم وصياغاتهم.. وبهذا كان هؤلاء الشعراء سعداء الحظ مع (ازهرية) الاداء الكلثومي رغم قصائدهم الطوال حتى لتجاوز المعلقات في بعض الاحيان. شاعر واحد كان سيىء الحظ مع ام كلثوم. هو المرحوم علي احمد باكثير, والرجل كان اديبا يكتب الرواية والمسرحية ولم يشتهر عنه كتابة الشعر, ولقد عرفنا الاستاذ باكثير في فترة ازدهاره وعطائه في الستينات وربما تفتحت مداركنا الغضة على قصصة التي كان يستوحيها من التاريخ العربي والاسلامي واهمها روايتا واسلاماه و(الثائر الاحمر) (عن ثورة الزنج او القرامطة كما قد نذكر) أو مسرحية او مسمار جحا (عن الاستعمار البريطاني في مصر) او مسرحية (قتلة الانبياء) عن اسرائيل, ناهيك عن كوميديا رصينة وجميلة كان عنوانها (جلفدان هانم) . على ان باكثير هو نفسه قصة تروى. اهله اصلا من حضرموت اليمن ولكنه مولود في مهجرهم في اندونيسيا ثم تربى ـ على ماتعي الذاكرة ـ في ربوع السعودية الى ان جاء طلبا للعلم في مصر حيث عاش وكتب وابدع وعمل مدرسا للغة الانجليزية في مدرسة الدواوين الثانوية قرب مؤسسة دار الهلال الصحفية في القاهرة. والذي حدث ان الاستاذ باكثير كتب قصيدته اليتيمة التي غنتها ام كلثوم في فيلم (سلاّمة) وقد لحنها الموسيقار رياض السنباطي من مقام الصبا المفعم بالشجن (وكم اختلط هذا المقام المراوغ على سمع العبد الفقير وكم حسبت مطلع الاغنية لفرط جلاله ورصانته من مقام البياتي). ما كتبه باكثير كان اربعة ابيات ليس الا من الشعر البليغ وقد خرجت للناس في الفيلم عام 1944 ويقول في المذهب: قالوا: احب القس سلامة وهو التقي الورع الطاهر كأنما لم يدر طعم الهوى والحب الا الرجل الفاجر والحاصل ان البيت الثاني حمل الخطأ النحوي الذي وقعت فيه ام كلثوم بكل جلالها الازهري الذي اوضحناه. كوكب الشرق نطقت كلمة (والحب) مرفوعة بالضمة وهو خطأ غير مبرر او كان بوسعها ان تنطقها منصوبة عطفا على المفعول به في (طعم. او حتى مجرورة عطفا على المضاف اليه في (الهوى) . ولكن ما شاء الله كان.. وكان ان اخطأت ام كلثوم.. وكانت القاعدة الا تخطىء في لغتنا الجميلة الشريفة, وكانت هفوة الخبير المجرب جاءت لكي تؤكد, ولا لتنفي القاعدة التي تقول ان صوتها كان (ازهريا) بكل ما توحي به الكلمة من معان وظلال.