ذات مرة فكر مذيع ذكي في برنامج طريف, فكان يأخذ الميكرفون الى شوارع مسماة بأسماء شخصيات لها تاريخ, مثل محمد فريد ومصطفى كامل ومحمد مظهر وصلاح سالم, وحسن صبري وغيرهم .. ويسأل سكان هذه الشوارع عن هوية صاحب الاسم ولعله أراد ببرنامجه هذا ان يفضح الجهل الشنيع بأصحاب هذه الأسماء وهي (مودة) منتشرة أخيرا.. وبدلا من البحث عن علاج لها نكاد نستمتع بها. المهم ان هذا المذيع الذكي بعد ان جمع عينات من الجهل الممتع, دار يسأل عن ظاهرة الجهل بالماضي, فاذا بالجميع يتبارون في توزيع الاتهامات على الاعلام والتعليم والثقافة, وان هذه الجهات تتحمل مسؤولية الجهل بما يجب معرفته. وهذا صحيح, وهذا ما وافقت عليه عندما سألني المذيع الذكي, ولكني أضفت الى هذا, بل قبل هذا مسؤولية المواطن نفسه. تصور نفسك وقد اشتريت أو اكتريت بيتا جديدا, أعجبك موقعه, وأعجبك بناؤه, وأحسست بالراحة في غرفاته, وتفقدت حمامه لتتخيل نفسك فيه, وهل ستكون مستريحا أم لا, وبالطبع اندفعت أم البنين الى المطبخ لترى مدى اتساعه, وهل يسمح لها بالحركة اذا كانت تعد لضيافة رحبة. تصور ان يحدث هذا وأكثر, ومع ذلك لا تحاول ان تعرف معنى اسم الشارع الذي تعيش فيه. هذا تقصير تتحمل مسؤوليته انت نفسك أولا, حقا نحن لسنا متعودين على اصدار دوائر معارف تحوي الأسماء التاريخية والمعلومات عنها. المطلوب العودة الى الكتب العامة, فاذا لم يكن للسائل صبر على هذا, فليعد الى من يعرف ممن حوله, ولابد ان هناك من يعرف. فلا توجد عائلة جاهلة بأكملها! واذا كانت الشخصيات التاريخية تجد من يعرفها, فالمشكلة في أمثالنا ممن جاءوا في آخر الزمن. وأذكر في ذلك حادثين, الأول خاص بمصلحة الاستعلامات, وهي هيئة حكومية مرموقة أدارها عدد من الشخصيات الهامة, منهم: يحيى أبوبكر وعبدالقادر حاتم وصفوت الشريف. فلقد أرادت الهيئة ان تصدر دائرة معارف عن الفين من الشخصيات التي برزت في القرن العشرين. وقد فوجئت برسالة تصلني تطلب مني معلومات على اعتبار انني أحد هذه الشخصيات. ويبدو انه لم يكن لدي اقتناع في داخلي بأنني من هذه الشخصيات, فضلا عن احساسي بالحرج في ان أكتب انني ابن جلا وطلاع الثنايا, خاصة انني لا أصدق انني هكذا! ولذلك لم أرد على الرسالة, ولكن بعد فترة جاءت رسالة ثانية وثالثة, وتعزز هذا بسيل من المكالمات التليفونية الرقيقة من سيدة فاضلة, لما أحست باليأس أرسلت اليّ شخصا ليأخذ المعلومات المطلوبة. وأخذت أكتب ما يريدون, والرجل يتفحصني وهو يشرب الشاي باستمتاع, فكتبت أسخف كلام من الممكن ان يكتبه شخص في هذا المجال, وبالطبع نشر كما هو. والكارثة انه أصبح مرجعا لبعض الدارسين, بل أصبح مصدر معلومات لبعض الزملاء. فلقد اكتشفت ان كاتب الاطفال المرموق عبدالتواب يوسف يعتبر دائرة معارف (اعلام القرن العشرين) أحد مصادر معلوماته. أما التجربة الثانية الخاصة بــ (قاموس المسرح) الذي صدر منه ثلاثة أجزاء, والمواد المترجمة فيه باشراف الدكتورة فاطمة موسى التي حصلت على الجائزة التقديرية هذا العام. وربما كان هذا القاموس أحد الانجازات التي رشحتها لهذه الجائزة. أما الجزء العربي فلقد كان مسؤولية سمير عوض وهو كاتب وباحث قديم خاصة في شؤون المسرح. وبمناسبة صدور الاجزاء الثلاثة الأولى, أقيم احتفال متواضع في (الهناجر) أحد مباني الأوبرا, وحضره عدد قليل جدا من المثقفين. وفي هذا الاحتفال انفجر سمير عوض غاضبا على الفنانين والادباء الذين لم يتجاوبوا مع دعوته لارسال معلومات عنهم, وكيف انه طاردهم بالتليفون والرسائل وانهم عذبوه عذابا شديدا, حتى خيل اليه في وقت من الاوقات انه (محضر) محكمة أو جابي ضرائب, وليس باحثا في خدمة هؤلاء الفنانين المدللين الذين لا يريدون حتى الرد على مكالماته, ويتركون له (الآنسر مشين) تلقي اليه بكلماتها, فيترك على شريطها توسلاته دون جدوى. أما الفنانون العرب فالمهمة أصعب, فالتليفونات والرسائل تكلف أكثر, والانتظار أطول. وبلغ الغضب بالباحث أقصاه حتى ظنناه سيمسك بكرسيه وينهال علينا جميعا ضربا, وانكمش الحاضرون ولاذوا بالصمت خوفا من كارثة من الممكن ان تحدث. وطلبت الكلمة وعرفت نفسي بأنني أحد الذين عذبوا سمير عوض, فقاطعني قائلا: انني كنت من أكثر الناس تعاونا معه, وأظن ان كلينا كان صادقا. قلت: انني عندما بدأت الكتابة توهمت انني سأغير الكثير, لم أحلم ان تكون الكتابة وسيلة للجاه أو الشهرة أو المال, بل فكرت انها رسالة يحملها الكاتب على كتفيه, وكلما ثقلت الأحمال, كلما أحس الكاتب انه يؤدي مهمته. وهأنا بعد سنين طويلة أبحث عن حصاد هذه الرحلة الطويلة القاسية, فأجد ان كل ما قبضت عليه أصابعي هو حبات الرمال, وانه لم يكن جدوى من كل هذا, بل لم أحصل على شيء مما حصل عليه الآخرون مما تعففت عنه من جاه ومال وشهرة. وأنت في قمة ذهولك لقدر ما فقدت وندرة ما كسبت تجد من يسألك عن تاريخك الأدبي (يا أخي بلا نيلة) ! كيف تطلب مني ان أتباهى أو على الاقل أتذكر ما أحس انه بلا جدوى. وفي يوم الخميس الماضي كنت في مغامرة بطولية, فبعد عشرة أيام كنت فيها عضوا للجنة تحكيم مهرجان الافلام الروائية, ذهبت فورا الى السويس لحضور ندوة في (هيئة قضاة السويس) وهي بطولة, لأن التحكيم في هذا المهرجان استغرق رؤية سبعة عشر فيلما, فضلا عن الاجتماعات وحفلتي الافتتاح والختام. وسفري الى (السويس) وهو أمر يتكرر كل عام مرة على الأقل, معاناة ايضا, فهم يثقلون عليّ بكرم الضيافة وبكم الحب المودة. ولأول مرة ــ وانا الذي أتردد على السويس منذ زمن طويل ــ يقع نظري على اسم الشارع الرئيسي الذي يدخل بك الى المدينة فاذا به (شارع أمين الحسيني) ! تعجب أكثر وقال لي: طبعا, هذا كان مفتي فلسطين قبل النكبة, وكان له موقف ضد الانجليز الذين كانوا يتآمرون لتسليم فلسطين لليهود. وقلت لنفسي: لقد أخطأت, فهذا بالصدفة شخص مثقف, ولكن انضم الينا آخرون فقال أحدهم: لقد كانت له ميول نحو المحور, وهذا طبيعي, فلقد كانت الشعوب العربية محتلة من بريطانيا وفرنسا, ولذلك كان من الطبيعي ان تميل الى ألمانيا ظنا منها ان هتلر سيساعد الشعوب العربية. وقال أحدهم: لقد لجأ الحاج أمين الحسيني الى القصر الملكي فحماه, ووجدت نفسي دون ان أدري وسط ندوة تسبق الندوة التي أتيت لها. وسألت وتساءلت لماذا يختلف سكان شارع أمين الحسيني في السويس عن سكان شارع محمد فريد في القاهرة؟ وسمعت اجابات كثيرة, ولكنني أظن ان الذين يقاتلون يعرفون وان الذين يشغلون بمباذل الحياة يجهلون. والسويس مدينة قاتلت طويلا. هامش هام: لا علاقة لهذا الكلام على الاطلاق باتفاقية السلام الأخيرة!