تتجدد ذكرى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين, فيتأكد أننا نعود القهقرى مرة أخرى إلى الوراء. وان علينا أن نبدأ مرة أخرى من معارك أول القرن. فبعد 25 عاما من رحيل الرجل الذي كان رمزا للعقلانية , والاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي وحرية الفكر والديمقراطية وتحرير المرأة والتوفيق الفعال بين الأصالة والتجديد, بعد 25 عاما من رحيل هذا الرمز لابد أن نتأمل الصورة.. فالمشهد الثقافي الاجتماعي السياسي العربي ينتقل من هزيمة إلى هزيمة, وفي كل عام نجمة عربية تهوى وراية عربية تنكس, فالاستقلال الوطني يتآكل يوما بعد يوم, وتؤكد مؤشرات آخر القرن ان الأمة في زمن (العولمة) تدخل إلى سجن استعماري كبير, أعتى وأشد من الاستعمار القديم, فسيادة الدولة تتهاوى تحت ضربات الهيمنة والمهرولين إلى شراك التبعية. والكيان اللقيط الذي كنا نسميه (اسرائيل المزعومة) أصبح له سفارات وأصدقاء وأعلام مرفوعة في سماء العالم العربي. والعقلانية التي كاد طه حسين يدفع حياته ثمنا لارساء دعائمها تتراجع في نهاية القرن أمام جيوش السلفية والخرافة. وتصبح مجرد سفسطة بين نخبة محدودة معزولة مهمشة خائفة, لا علاقة لها بما يسمى (بالجماهير) .. والديمقراطية التي لم نحصل منها إلا على نذر يسير من حق الكلام ــ لا حق الفعل ــ أصبحت شرا مستطيرا ما أن تسمع عنه السلطات إلا وتتحسس مسدسها أما مجانية التعليم, وهي الهدف الأسمى الذي أراده طه حسين ــ مثقفا ووزيرا ــ أن يكون كالماء والهواء لكل البشر, فإنها تتحول إلى سلعة للقادرين فقط! وكأننا نعود إلى الزمن الاستعماري القديم, الذي كان يرفع فيه وزراء الاقطاع في العهود الملكية, وها هي الجامعة التي كان طه حسين يدافع بشراسة عن استقلالها وعن حرية البحث العلمي فيها حتى فصل من عمادة كلية الآداب عندما رفض بقوة منح الدكتوراه الفخرية لعدد من السياسيين. ها هي الجامعة في نهاية القرن تطرد من أروقتها مفكرا مارس حرية الفكر وهو الدكتور نصر أبو زيد وتحوله إلى القضاء ليطلقه من زوجته. فيرحل عن مصر نهائيا!! وها هو العدل الاجتماعي يصبح كلمة تدخل القاموس لتكون من الكلمات غير المطروقة. أما صيغة (التوفيق الفعال) التي كافح طه حسين في كل ما كتبه لتحقيقها كمنهج عقلي يزاوج بين الأصالة والتجديد, بين التراث العربي والنظريات الغربية, هذه الصيغة تتراجع الآن لتجد النخبة المثقفة نفسها منقسمة بين تيار الانغلاق على الذات, وتيار الانغماس في الحداثة الغربية والانخلاع من الذات كلية إلى درجة احتقارها. خارج التاريخ في هذا السياق تتجدد ذكرى العميد لا لنحولها إلى حائط مبكي نجدد فيه الأنين على اللبن المسكوب. ولا (لنمصمص) الشفاة ترحما على (الأعمى) الذي جدد بصيرتنا, وقهر ظلامنا, وهو الذي فرضت عليه الحياة أن يدخلها تحت ظلام دامس. نحن نجدد الذكرى لنتأمل مشهد أمتنا الراهن بعمق شديد, فلم تعد هناك مساحة لرفاهية الاسترخاء والكسل العقلي. فنحن مهددون بالذوبان والانقراض. وإذا كانت مقولة أن العرب (أصبحوا خارج التاريخ) على المستوى العقلي والثقافي, في زمن تعصف فيه ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال العالية. إذا كانت هذه المقولة صحيحة, فإن حال الأمة التي تحاصر فيها وتتفكك دول عديدة, وتدخل دول أخرى إلى العصور الوسطى. محكومة بحاكم مركزي في تل أبيب, وفي اطار نظام شرق أوسطي جديد. نقول ان هذا الحال لا يجعل العرب (خارج التاريخ) فقط. بل (خارج الجغرافيا) أيضا, لكل هذا فإن تجديد ذكرى طه حسين يعني الاعتصام برمز من أعظم رموز الإرادة وتجديد روح الأمة, في مواجهة عثراتها. فطه حسين, قصة تقترب فصولها من الأسطورة, وملحمة تكشف فيها المعارك عن عظمة الإرادة الإنسانية التي لا تحدها حدود, في مواجهة القهر والعجز والتخلق والاستبداد.. المهم أن يكون للحياة هدف. وأن يكون للوجود معنى. وأن يكون هناك اصرار على تحقيق الهدف وإثبات المعنى. بعد ذلك تتفجر الطاقات الإنسانية الخبيئة. ويصبح الانتصار قاب قوسين أو أدنى, فها هو الفقير الضرير, المولود في قرية مجهولة في أحراش صعيد مصر, يتحول بالإرادة إلى (أمة في رجل) فيجدد للأمة بصيرتها. ويبعث في أعماق ظلامها هالات من نور المعرفة.. وفي ظاهرة طه حسين لا يمكن الفصل بين الجوانب الشخصية الذاتية الخاصة والجوانب الموضوعية الوطنية العامة, فالمعارك واحدة.. نحن أمام إنسان جاء إلى الحياة عاجزا محروما من نعمة البصر, في وطن عاجز محتل ومستذل. وكان عليه أن يخوض معاركه بالتبادل, مرة ضد عجزه الشخصي. ومرات ضد عجز وطنه, بل كان عليه أن يخوض معاركه كلها في وقت واحد. وينتقل من معركة إلى معركة غير هياب ولا وجل, فكل حياته معارك لا تنقطع. وسر حياته في هذه المعارك التي لا بديل لها غير الموت. قهر العجز ولد طه حسين في 14 نوفمبر 1889 في عزبة الكيلو التابعة لمركز مغاغة في محافظة المنيا بجنوب مصر, وفي طفولته المبكرة أصابه الرمد وكف بصره, وفي الطفولة أيضا التحق بكتاب القرية. فحفظ القرآن وتلقى علومه. وفي عام 1902 سافر إلى القاهرة, والتحق بالأزهر, وتدرج في مراحل دروسه. لكنه اختلف مع شيوخه حول مناهج الدراسة ففصل منه عام 1908.. وكان طه حسين قد التقى برجلين أثناء دراسته الأزهرية وتردد عليهما, وتأثر بهما, وأحدثا تحولا كبيرا في طريقة تفكيره. أما الأول فهو الشيخ الثوري عبدالعزيز جاويش. صاحب مجلة (الهداية) . ومن هذا الرجل تعلم طه حسين النقد, واظهار الاختلاف, والدفاع عن رأيه وكان الشيخ جاويش ثوريا مندفعا. ومنه تعلم طه حسين حرية الإرادة. وقهر العجز وأصبح من الكتاب الدائمين في مجلة (الهداية) .. أما الرجل الثاني فهو أحمد لطفي السيد قطب حزب الأمة ورئيس تحرير (الجريدة) . الذي حبب إلى طه حسين العقلانية والديمقراطية. وفتح عيناه على الحضارة الأوروبية وعرفه إلى رموز النخبة السياسية والثقافية في مصر آنذاك. وفي عام 1908 التحق طه حسين بالجامعة المصرية التي فتحت أبوابها وحصل على ليسانس الآداب. وفي عام 1914 حصل على درجة الدكتوراه عن (أبي العلاء المعري) . وفي نوفمبر من نفس السنة سافر في بعثة إلى فرنسا ودرس في جامعتي مونبليية والسوربون. وفي عام 1918 حصل على الدكتوراه من السوربون عن رسالته (الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون) . وفي عام 1915 تعرف في مونبلييه على سوزان الفرنسية التي كانت تساعده في قراءة الدروس. وتزوجها عام 1917. وكانت بالنسبة إليه بمثابة عينيه التي يرى بهما الدنيا. وأنجبت له (أمينة) . التي أصبحت فيما بعد زوجة للدكتور محمد حسن الزيات, سفير مصر السابق في أمريكا. ومؤنس الذي أصبح أستاذا في الجامعات الفرنسية. وفي عام 1919 عاد طه حسين من باريس إلى مصر ليعمل أستاذا بكلية الآداب. وفي عام 1926 أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي أحدث معركة كبرى في الثقافة المصرية امتدت إلى البرلمان والقضاء. وفي عام 1928 عين عميدا لكلية الآداب لكنه فصل منها في الثالث من مارس 1932 في عهد حكومة إسماعيل صدقي لانه رفض منح الدكتوراه الفخرية لعدد من الوزراء فأحاله الدكتاتور إسماعيل صدقي إلى المعاش. غير ان الصحافة المصرية انتصرت له وأطلقت عليه لقب (عميد الأدب العربي) . وبعد خروجه من الجامعة اشترى امتياز جريدة (الوادي) ورأس تحريرها حتى عام 1934. وفي عام 1936 انتخب عميدا لكلية الآداب. وفي عام 1940 انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية. ثم رئيسا له من 1963 حتى 1973. وفي عام 1942 رأس طه حسين مجلة (الكاتب المصري) وحصل على جائزة الدولة للآدب عام 1950. وأختير في 12 يناير 1950 وزيرا للمعارف في حكومة الوفد, حتى أقيلت الوزارة في 26 يناير 1952. وعندما قامت ثورة 23 يوليو كان الضباط الأحرار يطلقون عليها اسم (حركة) . لكن طه حسين أطلق عليها اسم (الثورة الرائعة) . وكتب إلى صديقه توفيق الحكيم من ايطاليا في الثالث من أغسطس 1952 يعبر عن ارتياحه بما حدث ليلة 23 يوليو ويطلق عليه (الثورة الرائعة) وينحاز لأهدافها. وفي عام 1955 كان طه حسين وراء مشروع ثقافي ضخم هو مشروع (الألف كتاب) . وفي هذا المشروع تمت ترجمة ألف كتاب من عيون الثقافة والآداب العالمية. وفي عام 1959 حصل طه حسين على جائزة الدولة التقديرية في الآداب وكان أول من حصل عليها. وفي عام 1965 منحه جمال عبدالناصر (قلادة النيل) وهي أعلى وسام مصري. وفي فيلا (رامتان) الكائنة في شارع مدكور المتفرع من شارع الهرم توفى طه حسين في 28 أكتوبر 1973 وتم تشييعه من جامعة القاهرة في جنازة عسكرية وشعبية مهيبة. وإذا كانت المحطات السابقة تمثل علامات في مسيرة طه حسين فإن مسيرته الفكرية تعكس حياة شديدة الغنى والرحابة. فقد أنتج طه حسين قرابة السبعين كتابا منها تسعة كتب مترجمة. وتبدأ هذه المسيرة عام 1914 بكتابه (في ذكرى أبي العلاء) لتمتد في عناوين هامة, أصبحت زادا لا ينضب للفكر والثقافة والأدب العربي منها: (فلسفة ابن خلدون) , و(قادة الفكر) , و(حديث الأربعاء) , و(الشعر الجاهلي) , و(الأيام) , و(حافظ وشوقي) , و(على هامش السيرة) , (دعاء الكروان) , و(أديب) , و(مع المتنبي) , و(مستقبل الثقافة في مصر) , و(شجرة البؤس) , و(فصول في النقد والأدب) , و(المعذبون في الأرض) , و(الوعد الحق) , و(الحب الضائع) , و(ألوان) , و(عليّ وبنوه) , و(من أدبنا المعاصر) , و(الشيخان) , و(تقليد وتجديد) , و(نظام الاثينيين) , و(سوفوكليس) وغيرها. في الشعر الجاهلي ولعل من أهم كتب طه حسين وأشهرها كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي أصدره عام 1926. وكان بمثابة صخرة عظيمة ألقيت فجأة في بحيرة راكدة. وفي هذا الكتاب قام طه حسين بدراسة الشعر الجاهلي بطريقة غير مسبوقة ومنهج جديد في الدرس الأدبي ــ كما يقول ــ وهو منهج (الشك الديكارتي) . فمن الفيلسوف الفرنسي المعروف (ديكارت) استقى طه حسين هذا المنهج, وطبقه بتصرف على الشعر العربي المنسوب للمرحلة الجاهلية من تاريخنا العربي.. وخرج طه حسين بعد تحليل هذا الشعر بأنه ليس جاهليا. أي انه غير مكتوب في المرحلة الجاهلية. لانه لا يعبر عن حياة الجاهليين وبيئاتهم العقلية والاجتماعية إذن فهو شعر منحول تم انتحاله بعد الإسلام ونسبته إلى الجاهليين, لتثبيت نظام لغوي وعقلي أتى به الإسلام.. والمنهج الذي أقام عليه طه حسين كتابه يفرض على الباحث أن ينحاز إلى الحقيقة فحسب. وأن يلقى جانبا أثناء بحثه كل عواطفه ويخضع فقط لمحكمة العقل مجردا من العواطف السابقة التي قد تثنيه عن رؤية الحقيقة كما هي. ولقد أذاع طه حسين في مقدمة الكتاب عناصر منهجه دون تردد. وبدأ بالشك في كل ما قاله القدماء عن الشعر الجاهلي. رغبة منه في الوصول إلى يقين جديد أيا ما كان هذا اليقين. وانتهى طه حسين بالنتيجة السابقة وهي ان الشعر الجاهلي منحول لأسباب أخرى هي تثبيت أركان العقيدة الجديدة. وما أن خرج طه حسين بهذه النتائج الا وقامت الدنيا ولم تقعد ــ ونظنها لم تقعد حتى الآن ــ خرجت المظاهرات في الجامعة وعقد البرلمان جلسات تطالب بمصادرة الكتاب وفصل طه حسين من الجامعة وتقديمه للمحاكمة, وهاجت الصحف وخرجت الكتب التي تهاجم (في الشعر الجاهلي) وانتهى الأمر بتقديم طه حسين إلى القضاء لمحاكمته.. وخضع طه حسين للتحقيق في نيابة مصر لمدة ستة شهور, لم يترك رئيس النيابة المحقق محمد نور صغيرة ولا كبيرة في الكتاب إلا جعلها موضوع مساءلة. وبعد المحاكمة أراد نائب البرلمان فتح القضية مرة أخرى. نهره سعد زغلول رئيس البرلمان. وقال: إن المسألة قد انتهت. وظني أن قرار النيابة الذي كتبه محمد نور رئيس نيابة مصر بعد التحقيق مع طه حسين, يعد وثيقة لا تقل في أهميتها عن الكتاب ذاته. لانها تعكس من زاوية أخرى مناخ الاستنار والعقلانية الذي كان سائدا في تلك الأيام.. ففي هذه الوثيقة يتعامل محمد نور مع المتهم طه حسين بتوقير شديد ويلقبه دائما بالأستاذ ويبدأ سؤاله له بقوله: (حضرتكم قلتم كذا) . ويعترف محمد نور أن طه حسين قد أخطأ لكنه يقول في قرار الاتهام: (وإن كان قد أخطأ فيما كتب, إلا ان الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء, وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر) . وعندما أبلغ المبلغون ضد طه حسين من خلال عبارات انتزعوها من سياق الكتاب يتهمون بها طه حسين بالتعدي على الدين. رفض محمد نور هذا المنهج وقال: (فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هي في موضعها من الكتاب ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه) وانتهى التحقيق بحفظ الأوراق إداريا فاتحا الباب على مصراعية, لحرية التفكير وحرية البحث العلمي في مناخ يتسم بأكبر قدر من الاستنارة والشرعية القانونية. القاهرة ــ فتحي عامر ــ البيان