الحديث عن العولمة والتطورات المذهلة التي يشهدها العالم حاليا من الأحاديث المتفرعة والمعقدة والتي لا تزال حتى يومنا هذا تثير حولها سجالات وآراء متضاربة بين التأييد والرفض القائم على ضرورة الحفاظ على الخصوصية والهوية التي لابد ان تضيع وان تزول ملامحها في ظل الانخراط الذي لا مفر منه في هذا العالم الجديد الذي تصدره الدول الصناعية المتقدمة وتشتكي منه في ذات الوقت. ولعل دول الخليج العربي التي عرفت جملة من التطورات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة تنظر الآن أكثر من غيرها إلى مسألة الهوية والخصوصية في ظل انفتاحها الكبير على غالبية الدول والثقافات المختلفة. وحول هذا الموضوع استضافت ندوة الثقافة والعلوم ضمن فعاليات موسمها الثقافي الثاني عشر الدكتور سليمان خلف في محاضرة حملت عنوان (العولمة والهوية الثقافية في الخليج العربي) أدارها بلال بدور أمين سر الندوة وحضرها عدد من الشخصيات والأدباء والمهتمين بالحركة الثقافية. في مستهل المحاضرة قدم الدكتور سليمان خلف مقدمة تمهيدية عامة أشار فيها إلى عدم امكانية الوصول إلى فهم محدد للعديد من التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية والتجليات الثقافية الجارية حاليا في مجتمعات الخليج العربي بمعزل عن السياقات المتشابكة التي أفرزها اقتصاد النفط الذي يمثل القوة الهائلة التي سرعت دمج مجتمعات الخليج العربي بمنظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي الجديد وبالتالي الدفع بها إلى تيارات الثقافة العالمية, الأمر الذي يجعل أبناء هذه المجتمعات الخليجية يسعون لتبني اختيارات ثقافية واجتماعية تتلاءم مع التأكيد على الخصوصية الثقافية, وهذه المحاولات والاختيارات لابد من ربطها بسياقات تاريخية عريضة تتصل بمتغيرات التراكم الرأسمالي العالمي والثقافة العالمية التي يعتبر مكون النفط القوة التي أحكمت ربط هذه المجتمعات بالسياق العالمي الجديد. العولمة وماهيتها في هذا الباب اشار المحاضر إلى ان المتغيرات التي ولدتها القوى والتشكيلات الجديدة في النظام الرأسمالي العالمي لا يمكن حصر آثارها على المجتمعات غير الصناعية فقط, وفي ضوء الواقع الجديد ومتغيراته عبر العالم بدأ العديد من الباحثين باستخدام مفهوم العولمة والعالمية كمحاولات علمية جادة لبناء تصورات نظرية شمولية لتفسير التحولات العديدة التي طالت كافة الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية في العالم. وبالرغم من التسميات العديدة التي أطلقها العلماء على هذه المرحلة لاستخلاص ابرز ملامح العصر وثقافته فإنهم يؤكدون على ان المجتمع العالمي يشهد تغيرات سريعة بالغة الأثر على الثقافات المختلفة والتي تمثل الثقافة العالمية المتنوعة والمتحركة وستعتمد عملية انتاج السلع الجماهيرية المقننة على شكل من أشكال احياء التقاليد والأنماط الوطنية في الموضة والأثاث والفنون حيث تنقل هذه الأشياء من سياقاتها الأصلية بعد ان يتم تخديرها, وعلى هذا ستعبر الثقافة العالمية عن ذاتها وفق عدة مستويات وعلى نحو متزامن بوصفها مصدرا للسلع التجارية المقننة وباعتبارها سلسلة من القيم والمصالح الانسانية العامة وكنمط خطابي علمي وتقني اضافة لكونها نظاما متداخلا للاتصالات التي تشكل البنية المادية لكافة المستويات الأخرى. ومقارنة بالثقافات الوطنية أو الاثنية التي تتميز بالخصوصية والتعبيرية داخل الاطار الواحد لا تستطيع الثقافة العالمية توليد الأفكار والأحاسيس المشتركة كما ينظر إليها إلى انها ثقافة من دون ذاكرة جماعية وتتسم بنزعة توسعية ومنقطعة عن أية مرجعيات وتسعى باستمرار لتؤكد وجودها في الحاضر والمستقبل. استمرارية الهوية الثقافية في الخليج أشار الدكتور خلف في هذا الجانب إلى ان هذه الاستمرارية تتأثر بالقوى والفعاليات المحلية من جهة والعالمية من جهة ثانية, مشيرا إلى بعض الخصائص العامة لمجتمعات الخليج التي تولدت فيها خلال السنوات المنصرمة جوانب ميزتها عن الكثير من المجتمعات الانسانية المعاصرة, خاصة ان عالمية اقتصاد النفط بامكانياته الهائلة قد أحدثت في هذه المجتمعات تغيرات عريضة على كافة المستويات ومن هذه المظاهر ان هذه المجتمعات مشدودة بحدة إلى تأثيرات العولمة والعالمية بالمقابل نجد النزعة الشديدة للحفاظ على الهوية الثقافية المحلية الخاصة. فاقتصاد النفط ساهم في قيام ثورة صامتة في مجتمعات الخليج أفرزت تحولات عديدة في بنيته الداخلية, وهي مختلفة عن غيرها من المجتمعات في الدول العالمية المتقدمة والمتخلفة على حد سواء وأفرزت العديد من الظواهر المتشابكة والمتفاعلة في تكويناتها كتحديث الحياة الاقتصادية وعولمة مرتكزاتها, وظهور العمالة الوافدة بأعداد كبيرة جدا, والاستخدام المكثف للتكنولوجيا والانفتاح المقرون بالتوجس على مظاهر الثقافة العالمية اضافة إلى العناصر الأخرى المشكلة للبنية الخليجية كالاسلام, والقبلية والموروث الثقافي والسياسي. ويأتي دور القيادات ليحتل موقعا متوسطا لاحداث توازن بين القوى والتأثيرات العالمية وبين الأصوات المحلية والتيارات المحافظة وتلعب اضافة لذلك دورا في اعادة انتاج المحلية من خلال عدة صور وأساليب تتراوح بين المد والجزر. وحول هذه النقطة قدم المحاضر عدة أمثلة توضيحية تشكل المدينة الخليجية في اطار العولمة, تنوع اشكال الخطاب الاعلامي, احياء التراث والثقافة الاعلامية. وبالشكل العام لهذه المحاضرة فقد اتسمت بالكثير من الموضوعية والدقة في تحليل مظاهر وظاهرة العولمة وانعكاساتها على المجتمع الخليجي والعربي بصورة عامة وكان لابد لهذه المحاضرة والاشكاليات العديدة التي طرحتها فيما يتعلق بالهوية والخصوصية ان تثير لدى الحضور جملة من الأسئلة التي تركزت حول العولمة والأنظمة المعلوماتية والمعرفية الحديثة التي ستحول العالم كما يقال إلى قرية صغيرة. كتب- حازم سليمان