استحق (دمنة) ان يقتل في سجنه شر قتلة, فرغم الدهاء الذي كان يتمتع به والمكانة العالية التي وصل اليها, الا انه استغل ذكاءه وقربه من الأسد في أعمال الشر, فكان مصيره الموت . ودمنة في رائعة (بيدبا) كبير حكماء الهند, الخالدة (كليلة ودمنة) حيوان ذكي جدا, حدد هدفه في الوصول الى الملك الأسد, ورغم ان كليلة نصحه كثيرا بالعدول عن هذا الحلم البعيد, وذكره بتشبيه العلماء للسلطان بأنه: كالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والجواهر النفيسة والأدوية النافعة وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار مخوف, فالارتقاء اليه شديد والمقام فيه أشد, الا ان نصيحة كليلة لم تكن لتقف سدا أمام طموحات دمنة. نجح دمنة بتطلعاته وذكائه وفصاحة لسانه في الوصول الى مجلس الملك, وتقرب أكثر ليكون جليسه وناصحه ومن المقربين دائما. والثور (شتربه) الذي دخل حياة الملك وأخذ الحظوة والمكانة العالية, كان سبب دخوله دمنة, فهو الذي قدمه للملك وجعله يأمن له, ويصف دمنة لكليلة تصرفه هذا: ألا تعجب يا أخي من عجز رأيي وضعفي بنفسي ونظري فيما ينفع الأسد, وأغفلت نفع نفسي حتى جلبت الى الأسد ثورا غلبني على منزلتي. لكن دمنة انقلب على شتربه عندما شعر انه الأقرب للملك, فعمل على ان يبعده, وأرشده عقله الى ضرورة التخلص منه, مع ان كليلة نصحه بألا يسلك طريق الشر, وان ينظر الى ضخامة وحجم الثور, الا ان دمنة رد عليه: لا تنظر الى صغري وضعفي فإن الامور ليست بالضعف ولا القوة ولا الصغر ولا الكبر في جثة, فرب صغير ضعيف قد بلغ بحيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عنه كثير من الاقوياء. وشرع دمنة في تنفيذ مخططه, فأوغل قلب الملك وأثار في الثور الخوف من بطش الأسد, وانه ينوي القضاء عليه, وعندما أشعل فتيل المعركة, ابتعد وجلس يتابعها بسعادة بالغة. تخلص الأسد من شتربه وبعد ان قتله, حزن لذلك, وأخذ يفكر في هل ان شتربه الذي لم يبد طوال اقامته معه الا كل اخلاص وولاء, يمكن ان يزل عقله ويفكر في قتل الملك, أم ان في الأمر حيلة وان هناك وشاية؟! لم يدم العز طويلا لدمنة, فتكشفت بعض الحقائق, ونقل النمر كلام السر الذي سمعه بين دمنة وكليلة, الحديث الذي سمعه صدفة وفي الخفاء فنقله الى أم الملك التي بدورها نقلته الى ابنها الأسد. فسجن دمنة وبدأت محاكمته, ورغم انه استخدم عقله وفصاحته في دفاعه, الا انه أدين في النهاية وحكم عليه بالموت في سجنه. كانت ستختلف نهاية دمنة لو انه استخدم ذكاءه في أعمال الخير والنصح, ولكنه عمل الى الغدر والخيانة والكذب وحوّل الذكاء والنجاح الى شر ومؤامرات. ودرس دمنة ينفع في زمن بيدبا, وفي هذا الزمن كذلك, فالحكيم كتبها وهو يعلم ان فصولها ستتكرر, لأن طبيعتها هي طبيعة الانسان في كل الأزمنة. ففي أعمال السياسة حيث الدبلوماسية التي يسميها البعض لغة الكذب والمؤامرات يمكن ان تكون كذلك, ويمكن ان تكون دبلوماسية الذكاء والحصول على المطلوب دون تحميل الطرف الآخر ثمن هذه الدبلوماسية, وان أبحث عن مكاسبي دون ان يخسر الآخر. هي كذلك في شؤون الحياة العامة, لماذا تعلو الذات عندما أنظر للآخرين؟.. لماذا استخدم ما في عقلي من ذكاء لأكبر وأنجح وأتناسى من ساعدني في النجاح؟!.. لماذا أحاول ان أكذب وأحمل صفات الغدر والخيانة في المسلك الذي أوهم نفسي بأنه الطريق الوحيد للنجاح؟!.. لماذا شر الذكاء ما دام شرف النجاح بكفاءة ودون ضغينة متاحا؟! القلب السليم يحب النجاح والناجحين المخلصين.. فقط!