ليوا.. مدينة التاريخ... الواحة الخصبة التي كانت ومازالت مستقرا لابناء أبوظبي ومرتكز انطلاقهم الحضاري, تلك المنطقة التي تمثل قلب الظفرة النابض بالحياة, الزاخرة باشجار النخيل في احضانها ضمت سكانا متعاونين متكاتفين على مر السنين والاعوام وفي كافة الظروف . ليوا... كانت تضم مسكني وابلي وبستاني, هناك كان مولدي وشبابي وربعي هكذا اخذ الوالد تلاب بن هلال المنصوري يقلب صفحات الذكريات ويستعيد شريط احداث مئة عام عمره الذي قضى مراحل عديدة منه متنقلا ما بين ليوا ودلما وأبوظبي. يتنهد ويتذكر قائلا: لم اترك ليوا موطني الا من اجل الوالد القائد زايد.. فانا تحت رايته كان لي شرف الخدمة مع ابناء جيلي ومن يديه المبسوطتين بالخير نلت ونالت اجيال الامارات من كرم سخائه وجزيل عطائه فلم يبخل علينا بشىء اعطانا المزارع- المساكن- المعاشات فنعم القائد والوالد البار بأهله وبابناء شعبه. واصطحبنا الشيبة تلاب المنصوري في رحلة ذكرياته واخذ يحدثنا عن ايام زمان ويقول: كان بيتي في ليوا من (اليريد) المستخلص من النخيل حيث ان (العرش) كان بناؤها بسيطا وسهلا ولم يكن به فرش كثير ولم تكن هناك كهرباء ولا ماء والصحراء والرمال تحيط بنا من كل جانب واملك عشرين من الركاب (الابل) وبعضا من اشجار النخيل. ويستطرد: نعم كان البحث عن الرزق والعمل شاقا وعشت متنقلا بين ليوا ودلما ازرع في موسم الزراعة وامارس الغوص في مغاصات دلما القريبة من ليوا مع النواخذة جابر بن راشد الهاملي الذي كانت لدية ثلاث سفن. ويقول: في موسم الغوص كنا نقوم بالغوص لمدة ستة اشهر من الفجر حتى غروب الشمس للحصول على اللؤلؤ من مغاصات جزيرة دلما وام العنبر وكنت اعمل بالاجرة لدى النوخذة جابر الهاملي وسألناه: كيف كانت تتم عملية الغوص؟ فيجيب: ينزل الغواص من السفينة ويظل على سطح الماء واضعا على انفه (فطاما) يشبه الملقاط ليمنع التنفس او دخول الماء الى الانف وعند خروجه من الماء يرفع الفطام حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط في احدى رجلية الحصاة وهي عبارة عن حجر او رصاص يصل وزنه الى 10 ارطال لتسرع به الى قاع البحر وعندما يصل للقاع ينزعها من رجله ويسحبها السيب بحبل يكون مع الغواص الذي يربط من وسطة بحبل يسمى الجداء ليسحبه السيب من الماء ويجمع الغواص المحار ويضعه في الديين وهي سلة يصطحبها الغواص معه وعندما يتعب يهز (الجداء) ويسحبه (السيب) ليرتاح ثم يغوص مرة اخرى ويقول تلاب: كانت اجرتي من الغوص بعد تسوية الحساب سهمين اي ستين روبية وكان السيب ياخذ ثلاثين روبية وفي بعض الاحيان كنت اتقاضى اجري (شونه) اي مواد غذائية يمنحها (لي) النوخذة مثل السكر وكيس من الارز او ما يعادل اجري من هذه المواد. الفريج.... ايام زمان: ويمضي شريط الذكريات ويتوقف الشيبة تلاب المنصوري عند الفريج ايام زمان ويصف العلاقة التي كانت سائدة بين ابنائه ويقول: كنا يدا واحدة ورغم قلة المال لم يكن بيننا محتاج!! لم تعرف بناتنا مشكلة العنوسة فأهل الفريج يتزوجون من بعضهم ويطلق زفرات حارة ويستطرد قائلا: كنا نتعاون ونتماسك في تلك الايام العسيرة فالماء كنا نحصل عليه من الابار ولم تكن هناك خدمات طبية فلا مستشفيات ولا مراكز صحية وعانيت كثيرا من ذلك فزوجتي الاولى توفيت اثناء الولادة وجاءني الخبر وانا في موسم الغوص وحزنت حزنا شديدا وتزوجت مرة ثانية وثالثة وانجبت اربعة صبيان وثلاث بنات. ويضيف: ايام زمان لم تكن هناك فرص للتعليم وكان الميسورون فقط هم من يرسلون ابناءهم للمطاوعة لقد كانت الحياة شاقة وكنا نعرف قيمة (البيزات) فقد كانت تأتي بجهد وتعب ومشقة لذلك عرفنا كيف نحافظ عليها. الركاب: كانت (الركاب) الابل هي وسيلة المواصلات الوحيدة بين ليوا وأبوظبي وكنا نقطع الرحلة من أبوظبي الى ليوا او بالعكس في اسبوعين وقد تزيد المدة اذا كانت (الحريم) معنا. وكنت املك عشرين من الركاب اقوم بتأجيرهم ليستخدمهم الناس في المواصلات بين طريف وأبوظبي وليوا فلم تكن هناك سيارات ولا طرق. الزواج... قديما: يتحدث الشيبة تلاب المنصوري عن مراسيم الزواج ايام زمان ويقول: كان الزواج بسيطا وغير مكلف واجراءته وخطواته سهلة ميسورة فقد تكلف زواجي الاول عشرين درهما تقريبا وشملت التكلفة المهر والوليمة وكانت عبارة عن ذبيحتين ونصف كيس عيش (ارز) وفرشة العروس ثمنها روبية واحدة!! ويستطرد: كان اهل العروس من الفريج ويعرفون مقدرة العريس ولا يرهقونه بكثرة المطالب التي لا داعي لها فانا وابناء جيلي لم نشتر (الذهبة) او المجوهرات للعروس وكان جهاز زوجتي من الملابس عبارة عن كندورة وخلف (سروال) وشيلة وهذه لا تكلف كثيرا فقد كانت الروبية تكفي لشراء الكساء لعشرة اشخاص! المودة الدائمة: ويقول: كانت اواصر القربى والمحبة بين عائلات الفريج الواحد قوية جدا فالجميع يتقاسمون ويشاركون بعضهم ساعات الفرح والاحزان وكان الغني يساعد الفقير ولايتركه لاحزانه وآلامه ويضيف: لقد علمتنا المشقة ان نكون في مودة وحب دائم ومرارة العيش خلقت منا رجالا اشداء لقد كنا نتعب كثيرا والكثير من ابناء جيلي لقوا حتفهم في الغوص واخرون اصيبوا بامراض خطيرة فالغوص عبارة عن قطعة من النار والعذاب لا يتحمله الا رجال يعرفون ما معنى المخاطر والصعاب. وتغير الوقت: ودار الزمان دورته ويمضي شريط الذكريات مع الشيبة تلاب المنصوري وبعد تغير الوقت على حد تعبيره بدأت معالم الحياة الصعبة تتغير وتتبدل فعصر النهضة الشاملة التي شهدتها الدولة في عهد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه الوالد البار للاسرة في الامارات حول الصحراء الى جنان وبساتين ووفر السعادة والرفاهية لابناء البيت الاماراتي الكبير وطويت صفحات من تاريخ الامارات وبدأت سجلات عهد حضاري جديد يزخر بالانجازات الباهرة ويسجل تحديا عظيما تغلب عليه قائد فذ عبقري غير وجه الامارات الحضاري. وأخذ تلاب المنصوري يحكي قصة تبدل الحياة والاوضاع في الديرة بعد ان تسلم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة قيادة المركب الحضاري في الامارات وقال: تحولت الحياة والمعيشة تماما بفضل والدنا القائد النوخذة الحكيم صاحب السمو الشيخ زايد, فليوا التي كانت رمالا وصحراء ومجرد واحة صغيرة تحولت الى مزارع وبساتين واصبح عندي ثلاثة مزارع. ويضيف: والعرائش المبنية من اليريد اختفت وحلت مكانها مساكن عصرية ومباني شاهقة واصبح المواطن يسكن هذه المساكن وابنائه ايضا وفرت لهم المساكن ولم يعد المواطن يحمل هم البحث عن الرزق فقد فتحت امامه ابواب الوظائف في كل المجالات والقطاعات واشتغلت في البلدية كمراقب للاسواق وقبلها عملت في شركات البترول واصبح ابناء الفريج مطمئنين لمستقبلهم لحصولهم على الوظائف والمعاشات. نعم زايد ماقصر.. منح الشباب المال ليتزوجوا وفتح لهم المجال للعمل بكافة المؤسسات والوزارات الحكومية بالدولة.. الله يطول عمره ويبارك فيه فبفضله حصلنا على كل شىء المزارع, المباني, البيوت, المعاشات والشونه وكل شىء واصبح لدينا نعم كثيرة كالكهرباء والماء والسيارات والطرق المعبدة فبعد ان كانت الرحلة من ليوا الى أبوظبي تستغرق اسبوعين على (الركاب) وكنا نتعرض فيها للمشاق والمتاعب مثل هطول الامطار وشدة الحرارة والرمال وغيرها اصبحت هذه الرحلة لا تستغرق سوى ساعتين بالسيارة. ويضيف: اصبحت المدارس في كل مكان والتعليم من السهل الحصول عليه للاولاد والبنات ويتمنى الشيبة تلاب ان يبنى في ليوا مقر ومهد الآباء والاجداد جامعة ومعاهد عليا لتدريس العلوم الزراعية بعد ان اصبحت ليوا واحة غناء تحكي فصول النهضة العملاقة التي خطها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئىس الدولة. نصائح: مع تغير الاحوال المعيشية وتمتع جيل الابناء والاحفاد من ابناء الامارات برغد العيش الذي لم يكن متوفرا للاباء والاجداد طرأت سلوكيات وعادات على ابناء الجيل الذي رأى النعمة ولم يكابد شظف العيش. الشيبة تلاب يتوجه بالنصح لابنائه واحفاده من ابناء الامارات ليبتعدوا عن هذه السلوكيات السلبية الخاطئة ويسلكوا مناهج وآثار آبائهم واجدادهم ويقول: اجيال هذه الايام عرفت الاسراف والبذخ وحب المظاهر وركن بعضهم الى الكسل وكره الحرف والمهن واصبحوا مثقلين بالديون التي اخذوها من البنوك رغم رواتبهم العالية. حتى البنات اخذن بالمظاهر وطلبن الكثير من المال للمهر وارهقن الرجال بكثرة المطالب فظهرت العنوسة واستدان ارباب الاسر وتصدعت البيوت وحل بها الكثير من الآلام والازمات. ويستطرد: انصح ابنائي الشباب بان يتعلموا الادخار ولا ياخذوا القروض والاموال من البنوك بلا حساب وان يبتعدوا عن مظاهر البذخ والاسراف فكم احزن حينما اعلم ان شابا مديون للبنوك بصفة دائمة كما انصحهم بان يتعلموا المهن والحرف اليدوية ويدرسوا هذه العلوم ويتركوا الكسل ويهتموا بتعليم الزراعة وان يمارسوا رياضة الاباء والاجداد مثل الصيد بالصقور. وانصح بناتي بان لا يرهقن من يتقدم لهن من الشباب بكثرة المطالب وكذلك ان يرهقن اباءهن بالاسراف والبذخ فالمرأة القنوعة هي المقتصدة التي لا تسرف في مال زوجها او ابيها. ان ارهاق العرسان بالمطالب الكثيرة من مهر وعزائم وهدايا وذهبة وغيرها من المصاريف جعل الشباب يبتعدون عن الزواج من بنات ديرتهم وبدأ يظهر بكل بيت ثلاث او اربع بنات بلا زواج. اقول لابنائي تعلموا من والدنا القائد صاحب السمو الشيخ زايد الحكمة البالغة في كل شىء واتبعوا نهجه في الحياة وخذوا كلماته ونصائحه كدستور حياة لكم فبهذا تتحقق لكم السعادة في الدنيا والاخرة ان شاء الله تعالى. ونتوجه للشيبة تلاب ماذا تأكل؟ يقول: اعيش على لبن الابل والتمر!! ونبادره بالسؤال هل لك هوايات؟ ويقول: هوايتي منذ الصغر الصيد بالصقور فانا (صقار) ماهر كان لي الشرف عندما كان يدعوني ويصطحبني صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في رحلات القنص والصيد فمن هذه الرحلات تعلمت الكثير من الدروس والصفات الحسنة كالصبر والاناة والحكمة وهذه الرياضة هي تراث يجب ان نحافظ عليه. ويتحدث تلاب عن انواع الصقور ويقول: الصقور نوعان رئيسيان وهما الصقر الحر: وهو ثلاثة انواع الحر الكامل والقرموشة والوكري والنوع الثاني الشاهين وهو اسرع الصقور اثناء الصيد. الصقار الماهر ويحدثنا الشيبة تلاب المنصوري عن صفات الصقار الماهر ويقول: الصقار هو مربي الصقور ومدربها على الصيد ويستلم الطير وهو (وحش) ويقوم بتدريبه على منقلة الى ان تختفي وحشيته وبعد ان يتعود ويتعلم الوضع على المنقلة يعلم الصقار على (التلواح) حيث يقوم بربط قطعة لحم على التلواح ويوارش بها الصقر الى ان يأتي عليها ويكرر ذلك عدة ايام ويشترط خلال التدريب ان يكون الصقر مربوطا بخيط لان الصقار لا يكون خلال هذه الفترة قد وثق تماما من الصقر. حوار وتصوير: سمير الزعفراني