منه لله (علي أبو شادي)رئيس المهرجان القومي للسينما, فقد فوجئت به يتصل بي, لكي انضم الى عضوية لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الروائية لعام ,1997 ومع انني ترددت في البداية, فانني قبلت في النهاية . أما لماذا ترددت, فلأن المهمة بدت لي صعبة للغاية, فمنذ اهتممت بالقراءة ــ ثم بالكتابة ــ في التاريخ, وأنا أدرك ان الطريق الى الحقيقة, مليء بالأشواك, وان البحث عنها وسط ضباب من أهواء الرواة, يتطلب مشاق, أهونها شأنا هو العلم, وأخطرها اثرا هو الضمير, وهما شيء واحد, اذ لا علم بلا ضمير, ولا ضمير بلا علم .. ومنذ قرأت في آثار السلف الصالح ان القضاة ثلاثة, اثنان في النار وواحد في الجنة, وأنا أحاول الا أكون قاضيا أو محكما, فإذا كان ولابد من الجلوس على منصة اصدار الاحكام, منحت نصف عقلي للجاني, ومنحت النصف الآخر للمجني عليه, وهي معاناة لايدرك قوتها الا من يكابدها. أما لماذا قبلت؟ فلأنني أحب السينما, والفضل لذلك يعود للمرحوم أبي, الذي لم يكن يحبها, ولكنه كان يعتقد أن من حقنا ــ نحن الأطفال ــ ان نذهب اليها مرة واحدة في نهاية كل أسبوع, وعندما كبرت وتحررت من سلطته نسبيا, أصبحت المرة مرتين, ثم ثلاثا, وفي أحيان ليست قليلة, أكثر من مرة كل يوم, وفيما بعد استدركت ما فاتني من تاريخ السينما, لا بالقراءة عنها فقط, ولكن ــ كذلك ــ بمشاهدة كل الأفلام التي عرضت قبل مولدي, ومع الزمن بدأت أشاهد الأفلام ــ وأعيد مشاهدتها ــ ليس فقط باعتبارها فنا, ولكن ــ كذلك ــ باعتبارها وثائق تاريخية, تضيء جوانب من تاريخ العصر الذي تنتج فيه, بأفكاره وعلاقاته وتقاليده وملابسه ومفردات لغة التخاطب اليومية فيه, بما يضحكه وما يبكيه, وبما يسليه وما يطربه فيشجيه. وفضلا عن ذلك, فقد بدا ان مشاهدة 18 فيلما روائيا, هي كل الانتاج السينمائي لعام ,1997 تجربة تستحق المعاناة ــ صحيح انني ــ كمتفرج محترف ــ كنت قد كابدت عذاب مشاهدة معظم هذه الأفلام من قبل, الا انني قدرت ان اعادة رؤيتها معا, وبشكل متتابع, والاشتراك في مناقشتها وتحليلها والمقارنة فيما بينها, مع تلك الكوكبة اللامعة من المتخصصين والمهتمين بالسينما, الذين تضمهم لجنة التحكيم, سوف يعطيها معنى مختلفا, وسيجعل منها عينة لفهم جوانب من أزمة السينما, وأزمة الدنيا, وربما لهذا السبب قبلت أن أغامر بالجلوس على منصة الأحكام, وباحتمال دخول النار, وقلت لنفسي: لعلك إذا لم تفد, فسوف تستفيد, وإذا لم تعدل فلن تظلم! وهكذا أمضيت أسبوعا كاملا, أشاهد سينما ,1997 واتحول في عقل صناعتها, وأرى الدنيا التي تحيط بي من نوافذهم, وبصرف النظر عن المستوى الفني التعس لمعظم الأفلام, فقد بدت لي جميعها وثائق تاريخية, بالغة الدلالة, وان لم تكن نادرة, تقدم صورة ليست بعيدة عن الصورة الفوتوغرافية, لحالة الزمن, فالشوارع التي تظهر فيها هي نفس الشوارع التي أعرفها وأسير فيها, والعبارات التي يتداولها الممثلون هي العبارات نفسها التي أسمعها على ألسنة الناس, وأماكن التصوير ــ سواء كانت مناطق عشوائية, أو مساكن وقصورا ومكاتب فاخرة, هي نفسها التي يتوزع فيها أناس هذا الزمن الغريب, والنماذج البشرية متشابهة ومتكررة مع اختلاف بسيط في التفاصيل. شبان فقراء يبحثون عن مستقبل فترتفع أمامهم السدود, وتحيط بهم القيود, فلا يجدونه الا حين يتنازلون عن انسانيتهم, وقد يتنازلون ولايجدونه, يتعاطى بعضهم الحلم ويتعاطى الآخرون العنف, وشبان أغنياء أفسدهم الترف, وتعساء أغرقهم الهم, فهم يتعاطون المخدرات, بيوت دعارة عمومية, وشقق خصوصية للهلس, وفتيات جميلات يخترن بين الجوع والركوع, ويأكلن باثدائهن, وأحلام مجهضة, عصية على التحقق, وفاسدون كبار يزحمون سطح الأرض, ويملكون كل شيء, ويستطيعون شراء كل انسان واغتيال أي قيمة, وطلقات رصاص منهمرة, ومباريات في الكاراتيه والكونج فو, والملاكمة تتطاير خلالها المقاعد وتتحطم المناضد, وقفز فوق الحواجز وعبور للقنوات وخمر يسيل بلا حساب, وأجساد تتأود وتتثنى, وأصوات تفح شهوة, وغناء رقيق, وآخر ركيك, وبحث مضن عن العدل, ونضال شرس ــ وبائس ــ في سبيله, ومع ذلك فإن الفساد لايهزم والعدل لايتحقق الا في نهاية الفيلم, لا لان الواقع يقول ذلك بل لان قوانين السوق ــ وقوانين السوء ــ تقول بان المتفرجين لايحبون النهايات الحزينة, حتى لو كانت تلك هي الحقيقة. الصورة العامة للعصر, كما تعكسها افلام 1997 ــ باعتبارها وثائق تاريخية, تؤكد ان هذا الزمان ــ كما وصفه عبد الرحمن الابنودي هو زمان الأونطة, الذي يسود فيه الاشرار الفجار, وينهزم فيه الاطهار الأبرار, وهي صورة ليست بعيدة عن الواقع, على الرغم مما تصدره الجامعة العربية من تكذيبات رسمية لذلك. وقد كنت أدهش لأن عدد الأفلام التي انتجت خلال عام ,1997 قد اقتصر على 17 فيلما فقط, وهو أقل عدد انتجته السينما المصرية منذ نصف قرن, وأفسر ذلك بالأسباب التي أصبحت معروفة لازمة السينما, من نقص دور العرض, الى منافسة القنوات الفضائية, وعن ارتفاع أجور الفنانين, الى تدهور البنية التحتية للصناعة, لكنني بعد أن رأيت هذه الأفلام جميلة, وفي سياق واحد أضفت الى هذه الأسباب, سببا آخر, هو ان صناع السينما لايستطيعون أن يتجاهلوا هذا الواقع الأونطة, لأنهم يعيشون في ظله, والمتفرجون لايستطيعون أن يتحملوا أكثر من 17 فيلما ترصد مظاهر هذا الواقع الأونطه, بينما هم يكتوون بنيرانه! أما المهم فهو ان معظم هذه الأفلام, يعالج هذا الواقع الأونطه, بسينما أونطه تتاجر بكل ما فيه من أونطه, وتتميز مثله بذلك النفاق الذي يدفع صناعتها لرفع شعارات اخلاقية, من نوع التصدي للفساد, والدفاع عن العدالة, ومحاربة المخدرات, وتحرير المرأة, والدعوة للطهارة الجنسية, لكي تكون شعارا للكسب بلا مجهود, وبلا فن, فتندد بالرجال الذين ينظرون الى المرأة باعتبارها جسدا لا وظيفة له, الا ارضاء غرائزهم الدنيئة, من خلال استعراض طويل لهذا الجسد, ونماذج نسائية لايمكن ان تثير في نفس المتفرج, أي غرائز, الا هذه الدنيئة بالذات, وتنتقد الأغاني المبتذلة, والفنون الهابطة, بتقديم نماذج منها تستحق جائزة الأوسكار في الابتذال, ويدور الصراع في بعضها بين اثنين من المحتالين, لينتهي بانتصار أحدهما على الآخر, في إعلان صريح بان الاحتيال ــ كالسلام ــ أصبح خيارا استراتيجيا للعرب! وفضلا عن ان هذا النوع من الأفلام الأونطه, يتحول الى جزء من الواقع الأونطه الذي جاء ليندد به, فإنها تظلم ــ كذلك ــ كثيرين من الفنانين والفنيين, الذين يشاركون فيها, فالسينما فن جماعي, ما لم تتناغم عناصره فقد كل منها تميزه وتألقه, فالممثل الجيد يفقد حضوره وتأثيره, حين يؤدي شخصية باهتة, لم يحسن كاتب السيناريو رسمها, والمصور الممتاز قد يتحول الى مصور متوسط, حين يصور ديكورا فقيرا, أو غير متناسق, والمونتير ــ مهما كان مجيدا ــ لايستطيع أن يتقن عمله ما لم يساعده النص المكتوب على ذلك, وقد يكون المخرج جيدا, لكنه لم يحسن اختيار ممثليه, أو السيطرة على بقية العمليات الفنية الأخرى, في الفيلم وربما لهذا السبب تباين مستوى الفنانين الذين اشتركوا في اكثر من فيلم, طبقا للمستوى العام لبقية العناصر التي اشتركت معهم فيه. وعلى الرغم من ذلك كله, فقد وجدت لجنة التحكيم في النهاية, من بين هذه الأفلام السبعة عشر, خمسة أفلام تدعو للتأمل, وتتضمن عناصر فنية تستحق الدخول في المنافسة, بنسبة تصل الى حوالي 30% من مجمل انتاج عام ,1997 وهي نسبة معقولة, بل وتدعو للرضا على الرغم من الحالة التعيسة التي وصلت اليها السينما, ولعلها تزيد على نسبة الأفلام الجيدة, أو المعقولة, لا تعاني فيها السينما من أزمة ضارية, كالتي تعاني منها السينما المصرية. وإذا كانت نسبة الأفلام الجيدة إلى مجمل الانتاج السينمائي, في كل بلاد الدنيا قليلة, فإن الصلة بينها وبين غيرها من الأفلام تظل ــ مع ذلك ـ قائمة, فكلها أفلام سينمائية, تتضمن الحد الأدنى من شروط الفن وشروط الصناعة, لكن الظاهرة التي تلفت النظر في سينما 1997 المصرية, هو ذلك التباين الشاسع بين الأفلام الجيدة أو المعقولة, وبين بقية الأفلام, فهي ليست مجرد أفلام رديئة, ولكنها ليست أفلاما على الاطلاق, فلا صلة لها بالسينما حتى لو كانت أونطه, ولا علاقة لها بأي فن أو عقل أو ذوق سليم, ولا شك ان صناعها يتمتعون بدرجة عالية من (الجسارة) ــ ولا أقول (الوقاحة) ــ لأنهم تصوروا أن ما ارتكبوه من أفلام, هو فن يصلح للمنافسة, وسينما تليق بمهرجان قومي, فلم يكتفوا بعرض سوءاتهم على الناس, بل اقتحموا بها المهرجان, الذي تخلو لائحته ــ للأسف ــ من أي شروط تضمن مستوى الأفلام المشاركة فيه, سواء بتشكيل لجان لتصفية الانتاج, بحيث يصبح الدخول الى المسابقة هو ــ في حد ذاته ــ نوعا من الجائزة, أو على الأقل بفرض رسم مالي على هذا الاشتراك, يضمن جدية المشتركين فيه, ويعكس مدى ثقتهم في قدرتهم على التنافس, ولا حل, اذا ظل الحال على ما هو عليه , الا بأن تضاف الى جوائز المهرجان, جائزة لأسوأ فيلم, وهو ما فكرنا فيه بالفعل اثناء مناقشات لجنة التحكيم, ولم يقف أمام تنفيذنا له, الا اننا وجدنا اكثر من ثلثي الافلام المشتركة في المهرجان, تتنافس بقوة على الجائزة, وعجزنا عن تحديد الفيلم الاكثر تفاهة, ولما كانت لائحة المهرجان تحظر تقسيم الجوائز, فقد عدلنا آسفين عن تنفيذ الفكرة. ولابد ان هذا الزمن الأونطه, هو المسؤول عن هذه الظاهرة التي وقفنا أمامها حائرين, فالأفلام الأونطه, هي الأكثر جماهيرية, على الرغم من تفاهتها الفكرية, وفقرها الفني, وقد تصادف ان شاهدنا فيلم (المصير) ليوسف شاهين, و(اسماعيلية رايح جاي) لمحمد هنيدي في حفلة واحدة, فبدا لنا ان فوز الثاني على الأول بل وعلى كل أفلام ,1997 في حجم الاقبال الجماهيري, أمر باعث على القلق, وكان السؤال هو: من المسؤول عن افساد الذوق العام وتشويهه الى الدرجة اصبحت فيها افلام تافهة, ومسرحيات سخيفة, وأغنيات هبابية تحوز هذه الجماهيرية الكاسحة على حساب الفن الحقيقي, هل هم صناع السينما الذين يعاتبون في الناس رغبتهم في الهروب من الزمن الأونطه بنوع آخر من الفن الأونطه, أم هي الرقابة على المصنفات الفنية التي ينبغي ان تحمي الذوق العام فلا تصرح بعرض الافلام التافهة, ولا تعتمد كلمات الأغاني المبتذلة, أم هي نقابات الفنانين التي تتخلى عن دورها, في تطوير الفنون التي يعمل بها اعضاؤها أم أن تلك هي طبيعة الزمان, وذلك هو فنه! واختلفنا في الاجابة, أما الذي اتفقنا فيه, فهو ان الآوان قد آن لكي توضع خطط قصيرة المدى, وأخرى على المدى الطويل لايقاف هذا التدهور المستمر في مستوى التذوق الفني, ولعلاج ما أصابه به الزمن من تشوهات وندوب, وهي مهمة ينبغي أن تشترك فيها كل الهيئات والقوى عن التنشئة الاجتماعية من الأسرة الى المدرسة ومن الصحيفة الى التلفزيون ومن صناع الفن الى نقاده. أما الذي يدعو للتفاؤل حقا, فهو اننا على الرغم مما يحفل به الزمن, وتحفل به السينما من أونطه, قد وجدنا ثلاثة أفلام متميزة, اثنان منها لشابان يقدم كل منهما فيلمه الأول, هما (هيستريا) لعادل أديب, و(هارمونيكا) لفخر الدين نجيده , والثالث للعجوز الشاب (يوسف شاهين) هو (المصير) فتوزعت الجوائز بينهم في اشارة واضحة الى انحياز اللجنة, الى الفن الجيد والجميل بصرف النظر عن الأجيال. واذا كان تميز يوسف شاهين ليس مفاجأة, فقد كانت درجة الحساسية العالية, لدى الفيلمين الشابين, مفاجأة حقيقية, ليس فقط لأنهما يمثلان استثناء بين شبان آخرين, يقدمون سينما هبابية, لا تختلف عن الأغنية الهبابية, ولكن ــ كذلك ــ لانهما عالجا هموم هذا الزمن الأونطه, بطريقة تخلو من الأونطه, وهو ما يؤكد ان السينما يمكن الا تكون أونطه, وان الزمن يمكن ألا يكون كذلك!