بعد أيام سوف يفتح أبوابه الجميلة, معرض الكتاب بالشارقة, هذا العيد الذي ينتظره الجميع منذ أن أقفل أبوابه قبل عام . يأتي مثل أيام الشتاء الرائعة, ليغسل الانتظار الطويل ويجدد روح الحب والفرح, بأن للثقافة مواسم يبلغ فيها الحب مداه, يزهر الكتاب ويلتقي الأحباب وتعود للروح زهوها ونشاطها. في البدء كان اطلالة لم نصدق انها سوف تصبح جزءا هاما من الحياة الثقافية في الامارات, حتى ابتسمت الشارقة لتعلن انها تضيء الشرارة الأولى في منطقة الخليج العربي, وتكرس تقليدا جميلا, أصبح له جذور ثابتة وشجرة مثمرة ينتظر خيراتها الذين يلمع في رؤوسهم نجم المعرفة وحب الحياة. بل لقد امتلأت فروع هذه الشجرة الطيبة لتظلل أجزاء أخرى من بلدنا الحبيب, حيث انتشرت عادة معارض الكتب لتصل إلى ما نرجوه دائما, حتى في مدارسنا الصغيرة, مع تحفظنا على الروح التجارية والربحية فقط, التي يحاول البعض أن يطبعها بعالم الثقافة والكتاب. ولكن نجاح تجربة معرض الكتاب بالشارقة كانت له فروع نعتقد لو تم تشذيبها لأصبح مردوده أفضل. يأتي المعرض دائما بالجديد, وان لم يحصل ذلك, فإننا يكفينا هذا التقليد الجميل ويسعدنا لقاء الأصدقاء في أركانه الوارفة. ولعل أجمل الأوقات التي يشعر فيها المعني بشأن الكتاب, هو تلك الاعداد الكبيرة من البشر التي تدب في أركان المعرض, كل واحد يجاهد في الحصول على غايته من المطبوعات. تشعر بأن الجميع يشترك في حب القراءة ولكنهم يختلفون في مشارب تلك المعرفة والمعلومة, وحتى عالم الكتب والطباعة له خصوصية وأهداف مختلفة. فالكتب الصغيرة والأنيقة, حديثة الاخراج والخطوط تتراص إلى جانب بعضها بشكل يتماشى مع روح عصرها والبائع أيضا له شكل مختلف, عادة ما يكون شابا يرتدي السروال والقميص, مهذب الهندام يضع بعض العطور الباريسية أو رجلا تقرأ من ملامحه روح العصر الجديد, عارف بأحدث الكتب والأفكار والقصائد والقصص والكتاب المحدثين وأجمل الاصدارات وأحدثها. أو امرأة جميلة تعرف كيف تختار هندامها وعطرها, فهي مغسولة بالفرح وعالمة بكل جديد ما تبتسم لعيد الكتاب, هي تمازج بين القصيدة المحلقة والقصة الجديدة الرائعة والرواية المقتحمة, أيضا تعرف كتب الطبخ والفنون الأخرى. انها عالم من الفن والمعرفة, لنقل هي نشيد ما تعرضه. على الجانب الآخر تصطف المكتبات ودور النشر التي تهتم بالكتب التراثية والدينية وكل شيء قديم, ودائما يخيل إليّ انها تفوح برائحة الحرمل والزعتر وأعشاب الأدوية. فيها كتب السحر وقصص السلاطين والخلفاء الراشدين وغير الراشدين والحكمة والموعظة وفي الغالب ما تكون الكتب ذات جلد موحد, سميك الغلاف, اما بني اللون أو أسود وحروفه مذهبة. البائع يتناسب مع المعروض, فهو يرتدي ثوبا محليا (كندورة) قصيرة جدا, الحذاء (نجدي) نسبة إلى نجد له لحية كبيرة, قد تكون مستديرة أو طويلة ذات شقين وسطها ناحل, بعضهم له علامة سوداء أو رمادية وسط جبهته, وهو عالم ببضاعته ويقبل عليه أعداد كبيرة من الرجال الذين يشبهونه, أو بعض النسوة اللاتي لا تشاهد منهن غير العيون التي هجرها الكحل منذ زمن غابر. إلى جانب المعروضات الخاصة والتي يهتم بها الأطفال, أو الألعاب الالكترونية أو حتى التسجيلات الموجهة إلى فئة محددة, والتي تتعالى أصواتها في الزوايا والأركان, هذه التسجيلات عندما تغيب عنها المراغبة يصعد صوتها مرددة بعض الأصوات الحزينة الباكية التي تثير الخوف والرعب من هذه الدنيا وتبشر بعذاب القبر وأهوال القيامة وكأنها ضد هذا الفرح وضد الحياة الجميلة, وعادة ما يكون البائع رجلا صارم الوجه, يكاد يدخل قبره للتو. يأتي إليه الخائفون والمرتعشون من حياة اليوم, هؤلاء الحاملون سقم أيامهم والنافرون من الفرح والسرور والجمال. هناك أيضا معروضات جميلة ورائعة تتحدث بلغات أخرى وتتوزع فيها المعرفة بين الثقافة والفن والعلوم الإنسانية, كذلك الابتكارات العلمية والكتب المتخصصة في إدارة الأعمال وتشغيل الأجهزة الحديثة وتعلم اللغات. وهناك الكثير من الناس يبحثون عن الجديد في الشعر والأدب المختلفة رجال ونساء. تطوف بالمعرض نساء حسان يرتدين الورد والأزهار الجميلة, يبعثن ابتسامات رائعة تعيد للحياة ترتيبها وجمالها وشباب تسكنهم روح الحب والعمل, ينشدون كل جديد, ورجال مثابرون على العلم والمعرفة والثقافة, وفنانون يزينون المعرض بلوحاتهم وأحاديثهم الجميلة. في الصباح تتقاطر البراعم الصغيرة من مدارسنا المختلفة مبشرين بأجيال سوف تمد تواصلها مع الكتاب والمعرفة لتبني في المستقبل الامارات وتنهض بالحياة. هؤلاء الطلاب والطالبات هم زهرة المعارض دائما, جميل أن يتعلموا ان للكتاب مكانة هامة, وان طريق الحياة الجديدة يبدأ وينتهي بهم وحدهم. أجمل المشاهد واللحظات تلك التي يخرج فيها أفواج الناس وهم يحملون أكياسا كبيرة محملة بالكتب, صباح مساء في منظر رائع لعيد الكتاب. لا أعتقد ان كل هذا الكم يقراءه هؤلاء, ولكن المهم أن نعرف أهمية الكتاب والمكتبة. حتى الطواف بالمعرض والفرجة لها خصوصية جميلة, ما أكثر الذين يأتون للفرجة فقط, وما أجملهم, فهم يشعرونك بدفء الكتاب وروعته بين هذا الكم الهائل من صنوف المعرفة. شخصيا أفرح بالمعرض, ليس لتوفر الكتب فيه والحصول على الجديد, وإنما لقاء الأصدقاء والأحباب عيد, كذلك الجلوس على مقهى المعرض, حيث يعني لي الشيء الكثير, وأسعد لحظاتي تلك عندما التقي بصديقي العزيز ناصر جبران ومحمد عزت عمر (أبو العز) وكثير غيرهم غيبتهم الأيام. وحدة معرض الكتاب ابتسامة الشتاء وملتقى الأصدقاء والأحباب.