يفجيني بريماكوف.. اسم يعرفه العديد من المثقفين المصريين, معرفة الأصدقاء وليس معرفة الأسماء.. جاء إلى القاهرة قبل نحو 30 عاما مراسلا لصحيفة البرافدا لسان حال الحزب الشيوعي السوفييتي سابقا.. كان أحد نجوم مدرسة جديدة تخلقت في محاولة فهم آخر لثورة يوليو , فغرق في الواقع المصري يدرس ويفهم التغيرات التي يموج بها, يدرس ويفهم سر زعامة جمال عبدالناصر.. فيكتشف ان العرب ليسوا هم العرب الذين درسهم في معهد الاستشراق في موسكو.. ويكتشف ان عبدالناصر ورفاقه ليسوا عسكر قاموا بانقلاب كما أخبرته أيديولوجيته من قبل, وإنما هم جناح مسلح لثورة وطنية تستطيع أن تصنع التاريخ. ثورة حقيقية جديدة.. لا تنطبق عليها المقاييس التقليدية. التصق بريماكوف بأصدقائه المصريين وناقشهم وأجاد لغتهم وسهر معهم, ودخل بيوتهم واختلط بذويهم وغادر مصر, وجرت مياه كثيرة هنا وهناك.. وأصبح الصديق القديم, عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وزيرا لخارجية روسيا, وجاء إلى القاهرة وأعد د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس اللقاء الحميم بين الوزير وأصدقائه القدامى.. وكانت الأحضان والذكريات التي ليس لها أول ولا آخر.. ثم أصبح الصديق الوزير رئيسا للوزراء بترشيح من كتل اليسار واليمين والوسط وحصل على أعلى الأصوات من أعضاء مجلس (الدوما) البرلمان فيما يسمى بالعهد الديمقراطي لروسيا.. ولكن التوقيت عصيب, والظرف خطير.. فعندما يكون الهدف هو الخبز يبيع الإنسان أغلى ما يملك.. شرفه.. وسلاحه وهذا ما حدث فقد باع الروس كل شيء.. حتى دمائهم وبلغ ثمن علبة الدم 15 روبلا.. وهذا المبلغ قد لا يساوي ثمن وجبة واحدة وافترس غول الجوع الكل من المدرسين حتى علماء الأبحاث النووية.. كيف يواجه الصديق القديم للمثقفين المصريين هؤلاء الجياع الذين خرجوا في مظاهرات هزت قلب موسكو ورفعوا خلالها أعلام الاتحاد السوفييتي القديم فهل تعود الشيوعية مع بريماكوف أما ان الآتي شيء آخر؟ بريماكوف من جورجيا إلى الشرقية محمد عودة, لم تغادر الابتسامة وجهه وهو يحكي عن بريماكوف يقول عنه: لم يكن مراسلا مثل المراسلين الأجانب الذين يسكنون في الزمالك, ويحصلون على عضوية نادي الجزيرة وينفصلون عن الواقع ويذهبون إلى مبنى وزارة الخارجية أو الجامعة العربية ليكتبوا رسالة في الاسبوع أو أكثر.. وإنما كان مستشرقا أراد أن يرى الواقع.. ولعب دورا في تطمين الشعب الروسي والقوى الاشتراكية بعد صدمة ,1967 فقد كانت الصدمة مروعة لهم ولنا, وبعدها أصدر كتابه عنها تحت عنوان (طوق الحمامة) وقبله (مصر في عهد عبدالناصر) الذي قدم فيه مغزى ثورة يوليو, ومغزى التحرر الوطني ومغزى الوحدة والحرية, وجاء كتابه الأخير (مهمة في بغداد) بعد الدور الذي قام به للحيلولة دون نشوب حرب الخليج. وفي رأيي انه لو كانت القيادة العراقية قبلت بالنتائج التي توصل إليها بريماكوف قبيل الحرب لكنا تداركنا المأساة. في بيته بالزمالك ــ الذي كان ناديا لكل المثقفين ــ كنا نلتقي جاء إلى بيتي في الشرقية كثيرا, وذهبت إلى بيته في جورجيا كثيرا.. كان لديه كرم أهل جورجيا وأريحيتهم وكبريائهم كما لدينا كرم الشراقوة.. جلس مع الفلاحين (على المصطبة) في بيتي وبين أهلي وأصرت زوجته أن ترتدي زي الفلاحين. بطن روسيا الناعم وجاء بريماكوف وزيرا للخارجية بعد كوزيريف الذي كان متهما بأنه يعمل في الخارجية الأمريكية وليست الروسية, فجاء بريماكوف كي يكون لروسيا سياسة روسية متميزة, تأخذ في حسابها مكانة روسيا ومصالحها ومبادئها, سياسة تضع ضمن أولياتها منطقة الشرق الأوسط ــ الذي كان منطقة جوهرية لروسيا القيصرية وروسيا الشيوعية, محمد عودة يقول: الشرق الأوسط وفقا (للجيبولتيك) كان يسمى بطن روسيا الناعم أي المنطقة التي تهاجم منها روسيا, وهو الآن أكثر أهمية, وإيران أصبحت لروسيا منطقة صداقة, وأفغانستان على يد الطالبان وبعد صراع مميت أصبحت تحت الولاية الأمريكية الكاملة ودول الكومنولث الروسي تتفجر فيها بحيرات البترول. محمد عودة على يقين ان بريماكوف أكثر الدبلوماسيين وعيا بأهمية المنطقة, وان ما فعله عبدالناصر من افشال للحلقة الرئيسية في سياسة دالاس لتطويق روسيا بحلف الشرق الأوسط دين في عنق الروس حتى الآن.. فقد أنقذ عبدالناصر روسيا من خطر سياسة دالاس لاحكام الحصار حولها, وطي الشيوعية كالبساط ولم يغفر الغرب هذا لعبدالناصر حتى الآن. ويرى عودة ان العرب يستطيعون لو تحركوا تحركا حقيقيا أن يوازنوا هذا التوحش الاسرائيلي الأمريكي مع مجيء بريماكوف الذي ينذر ــ في رأيي ــ (بأن السياسة الروسية ستأخذ طريقا مختلفا, وستكون قوة توازن إذا تحرك العرب) . الرأسمالية سقطت أخلاقيا واقتصاديا وحول ما يحدث في روسيا الآن يقول عودة: ما تشاهده روسيا الآن هو أهم حدث يختتم به القرن العشرين سنواته, فقد سقط التحول الرأسمالي لروسيا بعد أن أعلن الغرب عندما انهار الاتحاد السوفييتي نهاية التاريخ, وقالوا ان الرأسمالية هي النظام الطبيعي للمجتمع الإنساني, والرهان الأكبر كان تحول روسيا للرأسمالية.. وأصبحوا ــ هم أي الغرب ــ سادة التاريخ وأصبحت الرأسمالية هي مصير الإنسانية قاطبة فماذا حدث؟ فشلت التجربة فشلا ذريعا وعجز الغرب عن أن يحل الأزمة, والرأسمالية أصلا ساقطة أخلاقيا في أمريكا وسقطت اقتصاديا وأخلاقيا في روسيا, واليابان في أزمة, والدول الآسيوية عاجزة, و20 مليون عاطل في أوروبا, فالرأسمالية نفسها في أزمة عصيبة وانتشال روسيا من أزمتها لا يعني الا استخلاص رؤية تقوم فيها الدولة بدور أساسي في النظامين المالي والاقتصادي, ولا بد أن يقوم الاقتصاد الروسي على قدمين (قطاع عام وقطاع خاص) وعلاج الاقتصاد الروسي يبدأ بالاعتراف بفشل سياسات الخصخصة المطلقة, وهذا ما فعله بريماكوف.. سلم الشيوعيين البنك المركزي ووزارة الصناعة, والحزب الشيوعي هو القوة الحاسمة في (الدوما) وهو القوة الحاسمة في الموقف, والحزب الشيوعي الآن ليس هو الحزب الشيوعي الماضي, كما ان الأحزاب الشيوعية في أوروبا ليست هي التي كانت. لقد غيروا سياستهم, غيروا أسماءهم, وعرفوا ان اشتراكية من غير ديمقراطية مثل ديمقراطية من غير اشتراكية. ويؤكد عودة ان بريماكوف جاء في الموقف الأصعب والأكثر حرجا, ولن يمكنه ان يصوغ سياسة خارجية صحيحة بلا سياسة داخلية صحيحة. والشعب الروسي مبدع ولديه ثروات خرافية, وقدم معجزات للعالم عندما سنحت الفرصة.. وهذا هو المطلوب منه الآن. بريماكوف رجل انقاذ أحمد حمروش رئيس اللجنة المصرية للتضامن كان له موقفا طريفا مع بريماكوف فقد جمعتهما طائرة واحدة, متجهة إلى الخرطوم في منتصف عام ,1969 كان حمروش صديقا لبريماكوف أثناء عمله بالقاهرة.. والتقى الصديقان على الطائرة, كان بريماكوف ذاهبا من البرافدا لتغطية أحداث حركة مايو ,1969 وحمروش من روز اليوسف لنفس الهدف, بريماكوف لا يعرف ان حمروش موفدا من عبدالناصر لمقابلة جعفر نميري وزعماء الحركة, وحمروش لا يعرف ان بريماكوف موفدا من القيادة السوفييتية للقاء عبدالخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي وعرف كل منهما مهمة الآخر بعد سنوات يقول عنه: معرفتي به قديمة.. كنا نلتقي مرة كل أسبوع في بيته في الزمالك أو في بيتي أو في النادي.. زوجته كانت تعرف زوجتي, وابنه يعرف ابني.. وساعد بريماكوف ابني في الذهاب إلى موسكو للتعليم. ويؤكد حمروش ان بريماكوف سينجح في تخطي روسيا لأزمتها.. فهو شخصية متفتحة, ناضج الوعي, عميق الثقافة ويصفه بأنه رجل انقاذ للموقف لا يتجمد عند النظرة الشيوعية القديمة التي كانت قبل البريستوريكا, يستطيع أن يتعامل مع الأمور بحرص على مبادئ العدالة الاجتماعية ولا ينزلق للسوق الحرة, بكل ما فيها من سلبيات وقد بدأ بالفعل فشكل وزارته من مختلف الأحزاب والاتجاهات, وهذا أمر يبشر بقدرته على تجاوز الأزمة.. ويؤكد حمروش ان بريماكوف يستطيع بحنكته وخبرته السياسية أن يواجه صندوق النقد الدولي ويوضح ان الرضوخ الاقتصادي الكامل يعني الرضوخ الاجتماعي الكامل ولا يتحمل بريماكوف أمرين: أن يكون الروس مطحونين في الجوع ومطحونين في الفقر. لدي تفاؤل موضوعي أما د. محمود أمين العالم فيقول: كانت تجمعني مع بريماكوف احتفالات ولقاءات ومنتديات التقارب الفكري الايديولوجي هو كان مرتبطا بالثقافة العربية, كان عاشقا لشوارع القاهرة الشعبية وتذوق مصر حتى النخاع, وتبنى حقيقة وأصالة قضايانا العربية والوطنية المعادية للاستعمار والصهيونية, كما تذوق الفن المصري والطعام المصري. ويأمل د. العالم خيرا في بريماكوف فقد كان يتحدث عن رغبته في كسر الاستقطاب والهيمنة وان تلعب روسيا دورها الكبير, والوضع الآن صعب, أن تكون مقدرات روسيا في يديها, ان تستنهض مرة أخرى الروح القومية الروسية, ان تنبع مرة أخرى الحقيقة والرؤية والسلوك والتحرك, الدينامية الاجتماعية لروسيا, لو يستطيع بريماكوف أن يحقق هذا, أن يعيد الكرة إلى الشعب, أن يضع خطة تنمية من أيدي وأفواه وأضراس القوى الشرسة في روسيا أن يعيد الثقة لهؤلاء الجياع في روسيا, لدي احساس عام وتفاؤل موضوعي أن شيئا يتحرك في العالم كله قريبا, وبريماكوف جاء في الوقت الصعب, أمامه المافيا الاقتصادية, انتهاك حقوق, وعربدة وعصابات واختراق لكل القوانين الممكنة, لا يعملون في عمليات انتاجية وإنما يعملون في عمليات مالية, اخطبوط رأسمالي يتوسع بالتنافس للسيطرة على كل شيء ويريد توزيع مجالات الاستهلاك, والا تقوم قوة تحد من هذا الانتشار الرأسمالي, وكارثة للرأسمالية إذا استقلت روسيا بخطة تنمية ولم تعد تحت سيطرة العولمة الجديدة. لو استطاع بريماكوف أن يحقق هذا التوازن في روسيا, سيحارب في قمة السلطة محاربة شديدة, ولكن لو استند لحركة الشارع, إلى الحزبين القومي والشيوعي لو حدث استيقاظ عملي, تعافى اقتصادي, سوف تستيقظ مراكز أخرى كثيرة في روسيا. ويقول د. العالم: لو استطاع بريماكوف أن يمد يده بشكل واضح للقوى المناضلة وعلى الأخص المقاومة الفلسطينية, سوف يحدث شيئا كبيرا في دمقرطه العلاقات الدولية في نضال الأمة العربية ضد الاخطبوط الصهيوني, لو حدثت كتلة عربية حقيقية في أدنى مستوى, كتلة مفتوحة على العالم, سوف تكون في قلب الظاهرة المتحركة الآن. الأفراح على ضفاف النيل أما د. رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع فقد كانت له حكاية مختلفة, فقد كان سجينا ورفاقه في سجون عبدالناصر عام ,1961 واستمع وهو في سجنه عبر جهاز راديو صغير تم تهريبه لمقال تحت عنوان (الأفراح على ضفاف النيل) الراديو كان يذيع ما تكتبه البرافدا من مراسيليها في مصر, بريماكوف وبلاييف, ولم يتحمل رفعت السعيد هذا التناقض بين تعذيبه هو ورفاقه ومقال بريماكوف عن (الأفراح على ضفاف النيل) فاحتفظ في نفسه بالواقعة, إلى ان خرج من السجن, وكتب كتابه (تأملات في الناصرية) أصدره باسم محمد فريق شهدي وهو اسمه المستعار, ثم باسمه بعد ذلك, وكتب رفعت السعيد مقدمة الكتاب تحت عنوان (الأفراح على ضفاف النيل) هاجم فيها بريماكوف وأجور بلاييف. وكان رفعت السعيد قد أتيحت له فرصة العمل في أخبار اليوم بعد ذلك, وتعرف على الاثنين بريماكوف وبلاييف, وأصبح ثلاثتهم أصدقاء, وظل يذكرهما بالمقال, وظلت الصداقة قائمة رغم الاختلاف, والتقى رفعت السعيد في حفل الاستقبال الذي أقامه د. أسامة الباز في القاهرة ببريماكوف, وذكره مرة أخرى بمقال (الأفراح على ضفاف النيل) وكانا هذه المرة يقفان بالفعل على ضفاف النيل, ورد عليه بريماكوف هذه المرة قائلا: لو كنا أصدقاء في ذلك الوقت كان من الممكن أن أكتب غير ما كتبت وأدافع عنك. الشيوعيون في الحكومة جزء من الصفقة ويؤكد د. رفعت السعيد: انه من الصعب أن يتصور أحد انه يوجد سوبرمان جديد يستطيع أن يصلح ما أفسده الدهر, خطة في النجاح في انتشال روسيا محدود بحدود تفاقم الوضع في روسيا, يمكن أن يكون الوضع في ظله أقل فسادا, يمكن أن يحقق بعض النجاحات, لكن بالضرورة ستكون هذه النجاحات محدودة في اطار التردي السائد في روسيا. القاهرة ــ مكتب البيان