اكتشف مرصد هابل الفضائي مجرة هائلة تبعد عن ارضنا بمسافة 12 ألف مليون سنة ضوئية.. بمعنى اننا لو تصورنا جسما ما ـ فليكن طائرة او صاروخا او حجرا فلسطينيا ينطلق من فوق سطح الارض بسرعة 400 الف كيلومتر في الثانية, فانه سوف يصل الى اقرب طرف لتلك المجرة بعد 12 الف مليون سنة . واذا كانت هذه الارقام تجعل رأس الواحد منا يدور فانها سوف تدور بسرعة اكبر عندما ندرك ان مرصد هابل لم ير المجموعة البعيدة كما هي الآن, وانما كما كانت منذ 12 الف مليون سنة, وهي المدة الكافية لكي يصل ضؤها الى (هابل) العظيم فيلتقطه. بل انها يمكن ان تكون الآن غير موجودة بالمرة, اي تحولت الى واحد من تلك الثقوب السوداء الرهيبة المتناثرة في الفضاء الواسع, والتي يقول الفلكيون عنها انها كانت مجرات هائلة جار عليها الزمان فأخذت تنكمش من حيث الحجم كما تنكمش البالونة عندما تفرغ من الهواء.. ولكنها تظل محتفظة بكتلتها, وبالتالي بقوة جاذبيتها التي تتكثف كلها في حيز محدود, قد لا يتجاوز حجم الكرة الارضية, ولكن جاذبيته تكون اقوى ملايين المرات, بحيث يمكن ان يجتذب اي نجم ـ يعني اي شمس ـ تمر على مسافة الف مليون كيلومتر فتذوب فيه مثلما تذوب قطعة سكر في فنجان شاي! وللعلم, وحتى لا نفزع, فان اقرب ثقب اسود من شمسنا يبعد عنها اكثر من الفي مليون كيلومتر.. اي اننا حتى الان في أمان.. علماء الفلك يقولون ايضا ان مجرتنا ـ ويسمونها مجرة التبانة ـ تضم نحو 200 الف مليون مجموعة شمسية مثل مجموعتنا, وبعض هذه المجموعات تضيئها شمسان, واحيانا ثلاث شموس, تدور حول بعضها مثلما تدور الكرات في بعض اعلانات النيون.. ومعظمها لها كواكب واقمار مثل شمسنا واكثر. وفي تقدير العلماء ان هناك 200 الف مليون مجرة مثل مجرتنا.. وبعضها اكبر من مجرتنا عشرة آلاف مرة.. وهذا ما تم اكتشافه حتى الان. وما خفي كان اعظم.. كل هذا الحديث لا بد ان يقودنا الى سؤال: هل يعقل ان هذا الكون باتساعه المهول وملايين ملايين النجوم والكواكب والاقمار, ليس فيه مكان لكائنات عاقلة مثلنا سوى كوكب الارض, هذا الكوكب الصغير جدا, والذي لا يحتل من مجرة التبانة مكانا اكبر مما تحتله ذرة رمل في الصحراء الكبرى, او في قاع المحيط الهادي؟ يقول العلماء اننا لو طبقنا قانون الاحتمالات, فان هناك في مجرة التبانة مائة مليون كوكب مثل الارض مأهولة بكائنات عاقلة,وان بعض هذه الكائنات قد تكون اعقل منا, وبعضها قد يكون أقل.. وان تلك (الاعقل منا) هي التي تحاول الاتصال بنا عن طريق الاطباق الطائرة. ولكن الحديث عن الاطباق الطائرة فيه من الخيال اكثر كثيرا مما تحتمل الحقيقة, وربما كان في معظمه مجرد تعبير عن أمنية ملتهبة في اعماق الانسان الذي يتلهف الى منقذ قادم من الفضاء البعيد ليخلص عالمه من كل الشرور التي يعاني منها.. ولعلها ايضا الرغبة في وجود رفيق لنا في الرحلة المجهولة عبر اغوار الكون.. اما القول بان اشخاصا معينيين قد شاهدوا اقمارا نازلة من السماء تحمل مخلوقات غريبة الشكل.. كأن تكون العينان في القفا, والرؤوس خالية من الشعر ملساء بيضاء من غير سؤ الى اخر هذه الاوصاف التي ما انزل الله بها من سلطان, فان هذا الزعم لا يزال اقرب الى ابداع مخرجي السينما.. ولا يؤكد كذبة اكثر من الزعم بأن من اسعدهم الحظ قد تحدثوا الى رواد ذلك الطبق الطائر او ذاك, وسألوهم وأجابوا عن اسئلتهم.. والا, فبأية لغة دار الحديث بين أهل الأرض والقادمين من الفضاء البعيد؟ بيد أن هناك ملاحظة تستحق أن نتوقف لديها, تلك هي ان الحديث عن الأطباق الطائرة قد انقطع بمجرد انتهاء الحرب الباردة, وأن المخضرمين من أمثالنا اعتادوا أن يسمعوا به بكثافة شديدة في فترات الستينات والسبعينات وبدايات الثمانينات, وكانت شائعاته تزداد ترددا كلما مالت أجواء الحرب الباردة إلى السخونة. ولعل في هذه الملاحظة ما يجعلنا نرجح ان كل ذلك الكلام عن الأطباق الطائرة والأغراب القادمين من أقاصي الكون أما كان من صنع أجهزة الدعاية السوداء في أحد المعسكرين أو في كليهما لغرض آخر في نفس يعقوب. وقد وجدت الكذبة كثيرين مستعدين لتصديقها, ثم ترديدها فيما بعد مع بعض اضافات التجميل والتشويق, حتى أصبحت حديثا مشاعا بين عموم خلق الله. غير أن نفي اشاعة الاطباق الطائرة لا يعني بالضرورة نفي وجود كائنات عاقلة أخرى في أماكن قاصية أو دانية من أرضنا المباركة. فليس هناك ما يمنع ذلك, بل الأرجح أن هذا صحيح, وأن الله الذي استخلف الانسان على الأرض قد استخلف غيره على كواكب أخرى, وهذا الغير قد يكون جنا أو إنسا أو مخلوقات أخرى لا هي من نار ولا هي من طين. وتبقى بعد ذلك مشكلة التواصل .. أي كيف تصل الينا أو نصل إليها. فإذا افترضنا اننا توصلنا الى السفر بسرعة الضؤ ــ وهو ما يبدو حتى الآن في عداد المستحيلات ــ فإننا سنحتاج الى 450 سنة للوصول الى أقرب كوكب صالح للحياة في بعض المجموعات الشمسية المجاورة .. ومعنى هذا أن رحلة الذهاب والعودة سوف تستغرق 900 سنة ــ وهو رقم ــ كما ترى ــ يتجاوز أقصى معدل للعمر البشري عشر مرات! ولكن هذا الافتراض أيضا يخضع لعاملين: العامل الأول: أن من المحتمل جدا أن نصل الى سرعة تفوق سرعة الضؤ عاجلا أو آجلاً. والعامل الثاني: أن حساب الأيام والسنين في انقضاء لايخضع إلى المقاييس (الأرضية) التي نتعامل بها. ولعلنا هنا نجد تفسيرا لقوله سبحانه وتعالى (وأن يوما عند ربك بخمسين ألف سنة) . وستظل القاعدة الذهبية هي أنه سبحانه يخلق مالا تعلمون.