نال قدرا كبيرا من تصفيق الجمهور الحاشد في حفل افتتاح المهرجان القومي الرابع للسينما المصرية بمجرد ذكر اسمه . وتوقع الجميع صعوده إلى المنصة بقامته الطويلة ورأسه الضخمة وشعره المجعد.. كان علي أبو شادي رئيس المهرجان قد أكد أكثر من مرة حضور الفنان الكبير محمود مرسي الذي طالما رفض التكريم وآثر العزلة عن التجمعات والندوات, مكتفيا بصورته عبر شخصياته على الشاشتين الكبيرة والصغيرة, وبدا انه هذه المرة قد اقتنع بأن يستجيب ويرضي جمهوره بالحضور تسلم شهادة التكريم من وزير الثقافة, لولا عارض مرض أصاب عينيه يمنعهما من مواجهة الأضواء, هكذا اعتذر لرئيس المهرجان وأناب ابنه. ولعله نفسيا استراح إلى عزلته هذه, ولعل هذا أيضا من عوامل تفضيله التلفزيون والسينما عن المسرح, كما قال مرة: (الأسوأ عندي أن أمثل فوق خشبة المسرح) . محمود مرسي قدم باقتدار عديدا من الشخصيات المتناقضة على الشاشة الكبيرة والصغيرة.. سجله السينمائي يضم خمسة وعشرين فيلما.. أولها لا أنا الهارب اخراج نيازي مصطفى عام 1962, وآخرها (حد السيف) اخراج عاطف سالم عام 1986 من بينها فيلم (شمس الضباع) للمخرج التونسي رضا الباهي 1977. بمناسبة تكريمه بالمهرجان القومي الرابع للسينما المصرية, صدر كتاب عنه بعنوان (محمود مرسي عصفور الجنة .. والنار) . للناقد كمال رمزي الذي سبق ان كتب عنه فصلا في كتاب (نجوم السينما المصرية الجوهر والأقنعة) اصدار المجلس الأعلى للثقافة 1997, ويضم الكتاب جزأين أحدهما (حياتي كما يرويها محمود مرسي) وثانيهما دراسة نقدية بعنوان (محمود مرسي ـ أسلوب) في الجزء الأول يحدثنا مرسي عن حياته, مولده بالاسكندرية في 7 يونيو 1923, تعلمه في مدرسة ايطالية في سنوات الفاشية وتعرض لاحتقار المدرسة, بمدرسيها وتلاميذها له كمصري, هوايته للتمثيل بالمدرسة الثانوية, وبكلية الآداب وقيام جورج أبيض بتدريب فريق الكلية لكنه لم يكن يريد ان يكون ممثلا ظل حلم الاخراج يراوده, حققه عام 1951 باع بيته الصغير الذي ورثه وسافر إلى فرنسا ليدرس الاخراج السينمائي في معهد (الايديك) بعد انتهاء الدراسة بقي في باريس وعمل بالاذاعة الفرنسية, ولكنه خلال 1954 ــ 1955 عربدت روح الكراهية ضد مصر وعبد الناصر, وانتهت بطرده فذهب إلى لندن حيث عمل لفترة بالاذاعة البريطانية انتهت بقرار العودة مع العدوان الثلاثي للقاهرة ليخرج باذاعة البرنامج الثاني ــ الثقافي ــ مسرحيات عالمية, عند انشاء التلفزيون 1960 ذهب في بعثة مع حسين كمال إلى روما لدراسة الاخراج التلفزيوني. دب الخلاف بينه وبين عبد القادر حاتم وزير الاعلام , وظن ان الفرج قد جاءه أخيرا ليتحقق حلمه في الاخراج السينمائي حينما استدعاه المنتج رمسيس نجيب تبين له انه دعي للتمثيل لا الإخراج, وهكذا كان التمثيل قدره! كان نيازي مصطفى أول من منحه دورا في فيلم (أنا الهارب) أما بدايته الجادة فقد كانت مع كمال الشيخ الذي أسند إليه دور البطولة في (الليلة الأخيرة أمام فاتن حمامة) . يتحدث محمود مرسي عن أهم المخرجين الذين عمل معهم.. كمال الشيخ يبحث عن الكمال بكل التفاصيل, بركات تلف أفلامه غلالة شاعرية, حسام الدين مصطفى خفة الغزال الشارد لانطلاقه وسرعة حركته.. حسين كمال يملك فهما عميقا للأداء التمثيلي, مع الجيل الجديد وقتئذ, قدم مع أشرف فهمي أربعة أفلام يرى ان (ليل وقضبان) أفضل أعماله كمخرج وأدواره كممثل. ويتحدث عن زملائه في المشوار الفني, فريد شوقي بروحه الحانية وسلوكه اللطيف.. فاتن حمامة .. التي أعطته درسا تكريميا.. الدرس في جديتها بالحضور للاستوديو قبل الموعد بساعة.. والتكريم حينما صفقت له بعد أن أدى دوره أمامها, وتبعها الجميع بالاستوديو, لقد كانت المرة الأولى والأخيرة التي أحظى بها بالتصفيق داخل الاستوديو! سعاد حسني.. موهبتها طبيعية عفوية تتصرف أمام الكاميرا بشفافية مذهلة.. يثني على نور الشريف ويتابع مسيرته التي رحلت إلى مستويات رفيعة في مسلسل (لن أعيش في جلباب أبي) .. نادية لطفي توافق بينهما أضاف الكثير لكل منهما, وهي انسانة تتمتع بالشهامة وخفة الظل, أمينة رزق تنتقل بسلاسة من مدرسة في الأداء إلى أخرى. يعترف محمود مرسي في حديثه عن الفارق بينه وبين يحىى شاهين في أداء دور أحمد عبد الجواد: بدون تواضع خسرت هذه الجولة أمام شاهين حتى أنني أحس بالندم أحيانا لأني قمت بهذا الدور بعد يحىى شاهين حتى ليبدو ان نجيب محفوظ رسم هذه الشخصية ليتواءم معها فناننا الكبير. يحلل الناقد كمال رمزي بعض أدوار محمود مرسي في السينما والتلفزيون.. كيف استطاع بقدراته وثقافته الواسعة ان يجسد أدوار الوداعة بذات الدرجة من الاقتدار الذي يعبر عن أقصى درجات الشراسة وان يصل بمستوى التمثيل العربي إلى قمة من قمم الابداع الخلاق. كما في دوري الشقيقتين المختلفتين المتواجهتين في مسلسل (عصفور النار) أو الشخصيتين المتشابهتين مع تباين في العلاقات في فيلم (شيء من الخوف) عتريس الجد وعتريس الحفيد. يلمس رمزي مسحتين في أسلوب محمود مرسي: (السطو العقلي) حيث يمكنه (التعبير عن موقف مستتر دون الاعلان عنه حيث يملك امكانية هائلة للايحاء بما يضمره) والأخذ والعطاء, حيث يحقق انجازات كبيرة مع فنانين زملاء ليس ثمة تنافس بل أخذ وعطاء بني على التفاهم العميق. ويجد الناقد ان أداء مرسي المرهف بالغ الخصوصية أثر تأثيرات ايجابية في النقد السينمائي للممثل والذي كان يأتي من قبل في نهاية اهتمامات الناقد.. فقد دفع مرسي في أدائه للشخصيات المركبة النقاد إلى تأمل أسلوبه وتصنيفه وابراز خصائصه. وينقل صاحب الدراسة أمثلة من كتابات بعض النقاد يقول عنه سمير فريد انه يؤدي بفهم داخلي للشخصية أداء مثقفا واعيا, قال عنه الراحل حسن فؤاد لم يستطع ممثل واحد ان يقدم لنا شخصية تجري في عروقها دماء الحياة إلا محمود مرسي, قال الناقد الراحل عبد الفتاح البارودي عن دور مرسي في (السمان والخريف) 1967 انه تحمل مسؤولية دور يمثل تاريخ جيل عانى متناقضات ضخمة صور الضياع بوعي, ومثل المتناقضات بدون افتعال , وكتب علي أبوشادي عن دوره في فيلم زوجتي والكلب رجل يرهن ماضيه, ويؤرقه حاضره, عبر عن عذاباته في بساطة أخاذة وعبقرية مذهلة عن دوره في (أغنية على الجمر) , كتب سامي السلاموني انه بدا كأنما يحوط الكل بذراعيه ويحتضنهم, ووضع خبرته في خدمة زملائه الشبان وفي خدمة الفيلم, ولكن هناك من قال ان أداء محمود مرسي في زوجتي والكلب, كان مفتعلا! القاهرة ــ فوزي سليمان