صحيح ان محمد عبدالوهاب اخطأ في نطق لفظة من الفاظ (الجندول) وكان ذلك في حضور الدكتور طه حسين الا انه تدارك الامر سريعا واعاد المقطع المعطوب وقد اصلح من شأن الكلمة ونطقها كما ينبغي لها ان تكون . بيد ان (الجندول) تحوي كذلك خطأ شائعا اصر عليه عبدالوهاب وربما تغاضى الدكتور العميد. فأنت تسمع (الجندول) الفاخرة فتصغي الى صوت عبد الوهاب الشجي الرخيم يقول في المقطع الثالث: ذهبي الشعر, شرقي السمات, مرح الاعطاف, حلو اللفتات كلما قلت له: خذ, قال: هات ياحبيب الروح, ياأُنس الحياه لكنك تفاجأ ــ وجيلنا لم يكن يفاجأ ــ بان عبدالوهاب يبدأ المقطع بأن ينطق عبارة (ذهبي الشعر) وقد جاءت الشين مكسورة او مجرورة سيان (!) وبديهي ان علي محمود طه كان يقصد ان شعر المعشوقة عسجدي في صفرة الذهب الابريز فما بالك وهذا الشعر الاشقر على وجه له قسمات الشرق وسحره وفنونه, ناهيك ــ اعزك الله ــ عن اعطاف سكنات فيها مافيها من خفة الروح وحلو الالتفات مابين جيد اتلع وعيون ترنو, بفاتر النظرة يذر الخلي من القلوب عميدا ــ اي كلف بالعشق موصول الهيام. لكن هذا كله لم يشفع عند الفنان عبدالوهاب الذي اعترف ان ثمة صعوبة لديه في نطق كلمة الشعر بالفتح كما ينبغي لها حيث يقصد بها التاج الرباني الذي يزين رأس الحسان, فكان ان نطقها كما ارتاح لسانه اليها ــ بالكسر لتصدق على معنى القصيد الشعري ومازالت كذلك متواصلة في اسماع بني قحطان على امتداد الاجيال ثم شفع عبدالوهاب هذا اللحن في الاداء (واللحن هنا من الخطأ وليس من النغم) بتعليل لطيف قال فيه: لقد كنت في هذا اغمز من قناة صاحب القصيدة, الشاعر علي محمود طه الذي كلفتني قصيدته الشيء الفلاني: مائة وخمسين جنيها وهي ثروة بمقياس الاربعينات في مصر وفي غير مصر, فأردت ان اسجل للتاريخ كيف ان الشاعر تقاضى مقابل كلماته مال قارون فوصف شعره بأنه ذهبي نفيس. وبصرف النظر عن الاقناع او الاقتناع فلعل الناس سكتوا عن ملام الموسيقار الشهير ولسان حالهم يقول: ــ ولو... مقبوله منك ياسي محمد! ولقد كان عبدالوهاب محدثا , متكلما من الدرجة الاولى... كيف لا. وقد خالط منذ بواكير نضجه الفني كوكبة من المع نجوم الفكر والفن والادب والثقافة والسياسة في مجتمع الربع الثاني من هذا القرن العشرين في مصر اتاحت له صداقته مع الشاعر الكبير احمد شوقي ان يجالس ظرفاء مثل الاديب عبدالعزيز البشري ومن بعده الصحفي الشاعر كامل الشناوي وباشوات في الغاية من خفة الدم مثل حفني محمود ومناضلين كبارا مثل مكرم عبيد دع عنك محمد التابعي الذي مازالت بصماته على اسلوب الرشاقة الصحفية باقية حتى الآن, فضلا عن مواكب في اثر مواكب من شعراء وادباء الوطن العربي خارج مصر وبخاصة في سوريا ولبنان, مابين الاخطل الصغير (بشارة الخوري) وعمر ابي ريشه الشاعر السفير وحتى الحاضر الغائب نزار قباني. ونحسب ان عبدالوهاب هو الفنان الاوحد في الوطن العربي الذي ترجمت حنجرته الذهبية ورنمت اوتار موهبته الموسيقية ابداعات اكبر عدد من المواهب الشعرية, الا في العالم العربي, بل على امتداد التراث الشعري لامة العرب عبر تاريخها. تصور مثلا ان عبدالوهاب غنى شعرا فصيحا لاحمد شوقي ولبشارة الخوري والامير عبدالمحسن ولنزار قباني وعبدالمنعم الرفاعي وعزيز اباظة ومحمود حسن اسماعيل واحمد فتحي (صاحب الكرنك) وابراهيم ناجي وطبعا علي محمود طه وصالح جودت واحمد خميس (الروابي الخضر) وكامل الشناوي. ومن عيون التراث الشعري غنى عبدالوهاب (اعجبت بي) من شعر مهيار الديلمي (من العصر العباسي) ويوم شرع في تلحين القصيدة لم يسترح الى اول ابياتها, يقول: أعجُبت بي, بين نادي قومها (ام سعد) فمضت تسأل بي فاذا كان العم مهيار قد ارتضى ان يتخذ بين معجباته سيدة جميلة طبعا اسمها (ام سعد) فان السيدة ام سعد في ثلاثينات هذا القرن لا يصلح اسمها لكي تحمله هانم في صالون, ولا مودموازيل في حديقة فندق مينا هاوس... (ام سعد) بالكثير اسم لبائعة كشري في باب الشعرية او فلنقل لخاطبة اختصاصية في توفيق رؤوس الفقراء في الحلال. هنالك خف لنجدة عبدالوهاب صديقه الشاعر عزيز اباظة وزوده بالعبارة البديلة على نفس الوزن بطبيعة الحال وهكذا سمع الناس شعر مهيار الديلمي بصوت عبدالوهاب الجميل (كان ذلك في عام (1935) يفتتح القصيدة وكانت جديدة في التلحين: ... اعجبت بي, بين نادي قومها (ذات حسن) فمضت تسأل بي نفس المشكلة صادفت الفنان الكبير وكان ذواقة للشعر, حين قرأ ديوان الطلاسم للشاعر اللبناني المهجري (ايليا ابي ماضي) وحين تناول الافتتاحية الشعرية للديوان العميق الجميل قرأ: .. جئت لا اعلم من اين, ولكني أتيت ولقد ابصرت (قدّامي) طريقا فمشيت وكانت كلمة (قدامي) بمثابة حجر عثرة على طريق اللحن المنشود... او كانت بمثابة لقمة في الزور كما يقول المثل الدارج. ولذلك غيرها عبدالوهاب لتصبح شطرة البيت كما يلي: ... ولقد ابصرت (امامي) طريقا فمشيت ويعترف عبدالوهاب ــ في حديث مسجل لدينا ــ انه كان يدرك السبب البلاغي الذي انكسر به وزن البيت, وهو ما دفعه الى ان يجبر الكسر من خلال هنيهات ابطأ معهن في ايقاع اللحن حتى لم يكد يلحظه سوى الاذن الخبيرة بأوزان الخليل بن احمد والمهم ان عبدالوهاب ازاح من (قُدّامه) اللفظة التي لم يسترح اليها. ليس معنى هذا انه كان يستسهل امر الاداء او ينشد المركب البسيط الميسور في بناء العمل الفني, ربما يكون العكس هو الصحيح والا فقل لي بربك من يستطيع ان يفي اللفظ حقه وان يصول ويجول بين الساكن والمعلول بين الارسال والاشباع والاضغام وهو يغني الفاظا وعبارات من قبيل: ... تحت تاج من المهارة والملك على فرق (أريحي) جواد و الشعر لاحمد شوقي وفي القصيدة اشادة بملك العراق الراحل فيصل الاول... وكم كان لفظ الاريحي (من الشهامة والاريحية) صعبا ولعله لا يزال في النطق العادي والكلام المرسل, فما بالك بقصيد شعري يتحول الى مقاطع وانغام وكذلك كان الحال مع ملك آخر هو فاروق الذي كان الناس في بدايات عهده يرون في شبابه ووسامته رمزا لامل طالما راود النفوس ويومها كتب محمود حسن اسماعيل قصيدة غناها عبدالوهاب في اطار محدود على العود وربما غناها على استحياء فلم يقدر لها الانتشار ولا يكاد يحتفظ بها او يذكرها الا قلة من المخضرمين المفتونين ــ ونحن منهم ــ بابداع الغناء العربي قديمه وحديثه ومطلعها: ... أُنزلت آية الهدى في جبينك فاذا الشرق كله طور سينك وبصرف النظر عن المبالغة الى حد الايغال فيما يجنح اليه خيال الشاعر الا انك تعجب حقا حين تسمع عبدالوهاب يؤدي في وضوح متقن الفاظا يحويها بيت من قبيل: ... شرفا عرش مصر, ته, وتنقل بين فاروق تارة و(أمونك) وتأمل الفاظا مثل (ته) من التيه والخيلاء... وأمونك نسبة الى آمون المعبود ــ الرمز المصري القديم. و... مقبولة منك بدورها... ياسي محمد!