أصدر الناقد والمبدع محمود عبد الوهاب, على نفقته الخاصة, مجموعته القصصية (الأولى) (حكايات من عصر الفرسان) وكان قد صدر له في (النقد) كتاب: (قراءة في ابداعات مصرية معاصرة1994عن الهيئة المصرية لقصور الثقافة . تثير هذه المجموعة عددا من القضايا والأسئلة, التي أجاب عنها محمود عبد الوهاب بصراحة, لقراء جريدة (البيان) : أوضحت في مقدمتك التي صدرت بها الكتاب, انك (كتبت هذه الحكايات في الفترة من أواخر الستينات إلى أوائل السبعينات, نشرت بعضها في مجلات (الطليعة) , (الفكر المعاصر) , و (قصص) التونسية وظل الباقي في أدراج مكتبي) , بماذا تعلل تأخر ظهور هذه المجموعة لفترة تقترب من ربع قرن من الزمان؟ ــ لقد عشت معظم سنوات عمري متصورا ان الكاتب لاينبغي ان يكون همه الأول أن يصدر كتابا أو مجموعة قصصية, بل ان يشارك في تجمع ما حول مجلة أو كتاب غير دوري, بحيث تكون هذه المجلة أو هذا الكتاب, إذا انتظمت في الصدور, هي التي تخلق حركة من الحياة, فيها حيوية تنشر الابداع وتناقشه وتحتضن الأصوات الجديدة! لذلك لم أكن مهتما بنشر المجموعة, قدر اهتمامي بخلق هذه المجلة أو الكتاب , وقد عقدنا عددا من الجلسات مع عدد من الأصدقاء حول فكرة المجلة, ثم اكتشفت أننا نقف أمام عقبة التمويل, فاقترحت ان أموّل العدد الأول, وكنت أظن أنني بهذا أحقق انجازا بدلا من جمع الاشتراكات, ولكن تبين ان هذه ليست العقبة الوحيدة, بل ان هناك عقبات أخرى خاصة بأفكار الآخرين ورغباتهم حول بروز اسمهم ضمن هيئة التحرير أو رئاسة التحرير وكانت كلها مناقشات لا تفضي إلى شيء. ثم شاركت في جماعة (أدب الغد) التي أصدرناها بالماستر (عددين) مع عزت عامر وخالد الجويلي, وكنت أتمنى أن نستمر! هذا الحلم, ان تشارك مع مجموعة في خلق تيار أو حركة أدبية يستلزم عملا متصلا, فيه نوع من الانفتاح على الأدباء في الأقاليم والوطن العربي, كان حلما يراودني باستمرار, ورغم أني نشرت قصصا في تلك الفترة, كما أوضحت, إلا ان فكرة ان أجمعهم وأنشرهم في كتاب, كنت أعتبرها انجازا صغيرا! وما حدث بعد ذلك, في أعقاب وفاة عبد الناصر, واغلاق وتوقف عدد من المجلات عن الصدور, أن عشت فترة كئيبة, لم أكف فيها عن النشر فقط, بل توقفت عن الكتابة أيضا! دور النشر رفضت كتابي إذن لماذا أقدمت الآن وأنت في السادسة والخمسين من العمر على هذه المغامرة؟ ــ لأن العمر لا يسمح بمزيد من التأخير, خاصة بعد ان عرضت هذه المجموعة على عدد من دور النشر منها هيئة الكتاب, دار شهدي , دار الحضارة العربية, ولم تنشرها أي منها, وربما لأنني ـ الآن ــ قادر ماديا على ان أقوم بهذا الدور, وحتى يخرج الكتاب بالشكل الذي كنت أتمنى ان يخرج به! وهل تعتقد ان تأخير النشر حتى الآن قد حقق مزايا ما؟ ــ احدى مزايا تأخير النشر, ان العين النقدية خلصت هذه الحكايات من أشياء كثيرة, كانت تسبب لها نوعا من الترهل! كما انتبهت إلى انني قد أريد ان أرسم صورة ملموسة محددة الملامح والتقاطيع لشخصية ما, وهو اتجاه مشروع, ولكن هناك شيء هام يجب أن أراعيه هو الإيقاع, فلو شغلتني التفاصيل وهبط الايقاع لفسدت القصة! فوجدت اني مطالب أن أقدم لمحة سريعة تعطي الملامح التي أريدها, بالدقة والحضور المطلوبين, دون ان أفسد الايقاع! كنت موفقا باختيارك عنوان المجموعة (حكايات من عصر الفرسان) , فأفلت بذلك من آسار شكل تقليدي سائد, يتخذ من عنوان احدى القصص عنوانا للمجموعة, ولكن أولا, لماذا اخترت تعبير (حكايات) بدلاً من (قصص) ؟ ــ أعتقد ان (حكايات) تعبير يألفه القارئ العربي, ويأنس إليه, ونحن ــ حقيقة ــ حتى الآن لم نستطع ان نجعل القصة القصيرة قريبة من القارئ, الذي ربما يقبل على الرواية, لكنه يظل يهاب القصة القصيرة, لأنه اعتاد على الحكاية التي تنتهي نهاية معروفة وتكتمل فيها الدائرة, بينما في القصة القصيرة, قد يجدها انتهت فجأة, هو لا يدرك انها اكتملت من ناحية الشكل الفني والجمالي, ولا أدري, هل هذا نتاج الواقع الثقافي أم التقصير النقدي حين لم يستطع توصيل القصة القصيرة كشكل جمالي للقارئ؟ وربما لاني حريص على التواصل مع القارئ, وعلى ألا يحول شيء دون ذلك, كما أحببت كلمة (حكايات) وشعرت انها تقربني من الناس, فأنا أريد حقا ان أحكي حكايات! وأيضا أعتقد ان احدى مشكلات الكتاب أنهم يضاعفون العزلة التي بينهم وبين القراء من خلال الاستعلاء عليهم بالكتابة بشكل فيه درجة من الغموض والتعقيد الزائد عن الحد , مع ان العمل الفني أحيانا يفرض شروطه بشكل يجعل مسؤولية المتلقي, ان يبذل جهدا أكبر كي يسبر غوره, لكن يشترط ان تكون هناك ضرورة فنية لذلك! ثانيا: لماذا قرنت حكايات بـ (من عصر الفرسان) ؟ ــ لعل هذا يعكس أننا اليوم ونحن نرى أواخر التسعينات تبدو المسافة كبيرة جدا بين هموم هؤلاء الأبطال وبين واقعنا اليوم, ستجدن في قصة (الموت في المنفى) , فتاة ترسل إلى حبيبها رسالة تخبره فيها أنها تتردى من قاع إلى قاع, لأنها لم تنجح في اقناعه بفكرة الزواج منها, وأنها بعد أن عاشت حلم النضال والعمل السياسي, أصبحت تعيش اليوم حياة محدودة: موضة, تلفزيون, وثرثرة يومية! في تلك القصص ستجد حلما كبيرا, ربما بدا يشحب أو يخبو أو تقاومه قوى قاهرة, لذلك تجد فيه هذا الحزن, لأنه يوجد الكثير الذي يعوق تحقيقه! هذا الحلم يبدو اليوم وكأنه من زمن الفرسان! ولماذا لم توضح تاريخ كتابة أو نشر كل قصة, باستثناء قصة واحدة, كانت بعنوان (عن العبور) (اكتوبر 73), حتى يمكن الربط بينها وبين الواقع المعاش في تلك الفترة؟ ــ لا أعتقد ان كل القصص سأجد لها سندا من الواقع الذي عشته أثناء كتابتها, لقد عشت سنين شبابي, في رحلة بحث عن رؤية لامتلاك تصور متكامل عن العالم والحياة! ولكن ألم يكن كافيا أني كتبت في بداية المجموعة , أني (كتبت هذه الحكايات في الفترة من أواخر الستينات إلى أوائل السبعينات) ؟ وبالتأكيد, فإن الواقع يؤثر ويلهم ويحفز على الكتابة, وسأضرب مثلا بدلا من الكلمات العامة, فأنا أتصور ان حكاية (مراد بك وفرسانه يواجهون جيش صاري عسكر بونابرته) كانت هي رد الفعل الفني والابداعي على هزيمة 1967, هل كان ينبغي ان أسجل تاريخها؟ تطرح هذه الحكاية, فعلا, قضية هامة جدا.. ــ نعم , هي تطرح قضية كيف يمكن ان تواجه عدوا دون ان تعرفه حق المعرفة, لأن معرفتك به تؤثر تأثيرا مباشرا على شكل الخطط التي ترسمها, كي تواجهه بها, لكن مراد بك يواجه الفرنسيس وهو يعتقد انه يواجه المغول, ويعيش حلم انه الفارس المنقذ, وان الأمة تطرح كل ألف سنة فارسا واحدا كي يواجه.. هل تتخيل ان تدريب الجنود كان يتم من خلال (هل ذاق حلاوة كأس الوجد النشوان في حلقات الذكر؟) .. وانظر إلى هذا المقطع من خطبته (طهر قلبك, واملأ بالحق فؤادك, ولتضرب حينئذ, فستشعر أنك ما رميت إذ رميت) . هذا كلام يبدو جميلا جدا, لكنه يجعل البشر يعيشون في جو هلامي, غير عملي, وبالتالي لا يحقق النصر! استلهام التاريخ بدا في الحكايات التسع الأولى أنك استلهمت وقائع معينة من التاريخ أو من السير الشعبية, كيف قمت بهذا الاستلهام؟ ان السيرة الشعبية والأسطورة والموقف التاريخي, تعطيني جميعا مساحة واسعة للحركة حتى أبرز رؤيتي بنفس الشكل الذي يتسم بذات المستوى من الشمول, كما ان هذه الأشكال قريبة جدا من الناس, فهي تسمعها وتأنس لها وتألفها. لقد حافظت على جوهر الحدوتة, لكني وضعتها في اطار رؤيتي التاريخية, لأن من المهم أن يبدأ الكاتب من حيث يقف الناس! اذن, انا آخذ جو السيرة, ولكن أضع لها قانون العصر!.. وللمثال بالنسبة لعنترة بن شداد, هناك جزء تاريخي وجزء أسطوري, فعندما يطلب عم عنترة منه مهرا لعبلة (ألفاً من النوق العصافير) فهذا هو الجزء التاريخي, أما الجزء الأسطوري, فهو حين يعرف أنهم عند الملك النعمان, فيذهب ويحضرهم, هذا منطق الأسطورة, أما المنطق الواقعي وهو ما استخدمته في الحكاية, وذلك حين أدرك عنترة ان المسألة ليست مسألة مهر, بل هي مسألة تعجيز, فربط ذلك بأنه طلب حياته مهرا لعبلة, وكأنه أمره بالانتحار! الهم السياسي بدا في قصصك هم سياسي أما مستبطن, لكنه متطور ومتصاعد, عبر الحكايات التسع الأولى. (مقاطعا): لأنني قمت بترتيبها بهذا الشكل: الأبسط فالأكثر تركيبا وهكذا كان ذلك جزءا من محاولة اخراج الكتاب, وعندما انتهيت بالقصة التاسعة من مجموعة الحكايات بدأت بقصة معاصرة, تقيم قنطرة بين ما يبدو ظلالا تاريخية وسيرا وتلك الحكايات الأخرى المعاصرة. وبدا الهم السياسي واضحا, ظاهر في الحكايات الأخيرة.. ــ أنا معني ومهموم أساسا بحركة الناس, وحركة الناس في مواجهة الحاكم تنتج هما سياسيا, كذلك اهتم بما يتعلق بحركة الزعيم السياسي مع الشعب, لأن هذه منطقة تحتاج إلى عمل كثير, في قصة (الزعيم والثمرة الحرام) , أذكر اني حين قرأت سيرة عمر مكرم اندهشت كيف استطاع محمد علي ببساطة شديدة, ان يصدر قرارا بنفيه إلى دمياط, وهو الزعيم الذي كان قائدا من قواد الحركة الشعبية, ملأ الساحة بالحركة والنضال؟ لقد توقفت مندهشا أمام هذا التساؤل, وكيف ان الناس , الذين تحركوا معه في نضالهم ضد الفرنسيين وضد خورشيد حتى نصبوا محمد علي واليا على مصر , كيف تركه الناس؟.. عندئذ, تساءلت: هل يدخل الزعم أحيانا منطقة حرام تحرمه من شعبه؟, ففي لحظة من اللحظات, يقول الناس, اليوم يختار عمر مكرم أحد الولاة, فتأتي إلى عمر مكرم رؤيا حين يعترض (لكن هذا من شأن السلطان) , فيقول له صوت في الرؤيا (أنت السلطان!) .. عندما يأتيه هذا التصور, بأن ثمة قوة عليا تلهمه وتحركه, عندها يقول (وعرفت من أكون وجعلت ألوذ بصمتي كي أحمي كلماتي من دنس الكلمات البشرية) . هنا بداية انحراف الزعيم, وخروجه تدريجيا, كي يتحول ويصبح ضد الناس! حوار ـ حسين عيد