من الذين اعجبت بهم اعجاباً شديداً صديقي الذي كنت اتحدث معه فدق التليفون, واستمر الرنين طويلا, ولكن صديقي استمر في حديثه, ورأيت والده يقترب من التليفون لكنه حاد عنه , واذ به يبحث عن جريدة الصباح. وحتى الخادمة أخذت تنظف حول التليفون دون ان ترفع السماعة. ولما نبهت صديقي الى رنين التليفون هز كتفيه: وما ادراني ان المكالمة لي! انا اكره التليفون, ولا أرد عليه, ونادراً ما استخدمه. ومع ذلك, وفي هذا اليوم عندما دق التليفون التقطت السماعة بيسر ودون تفكير. وسمعت صوتاً نسائياً يقول (آلو) ورغم بعده في الزمن السحيق الا انني خمنت الصوت. قالت: طبعا لن تتذكر هذا الصوت, فلقد مضى زمن طويل, واتحداك ان تتذكره! فقلت لها: أو حشتيني ياليلى! ولابد أنك ياعزيزي القارىء ادركت انني قد غيرت اسم السيدة, ففي مثل هذه الاحوال لابد ان نغير الاسماء. ورغم ان اسم ليلى من اجمل الاسماء العربية بما يحمل من ايحاءات كثيرة, الا انه يبدو رمزاً لاية فتاة, كما لا يخفى عن فطنتك. وصرخت ليلى بشيء من الدهشة, وشيء من الرضا, وشيء من الفرحة: لقد تذكرتني! وتعجبت لدهشتها, فهذا الصوت لايمكن ان ينسى, ليس فقط لانه صوت جميل. بل ايضا لانه يحمل داخله صدى له رنين. قالت: اتعبتني في الحصول على رقم تليفونك. أردت ان احدثك. سألت الدليل, لكنهم لم يصرحوا بالرقم. سألت المعارف. ولكن الناس تباعدوا في هذا الزمن. ولكنك تعرفني صممت على معرفة الرقم.. وعرفته! ولم اسألها كيف حدث هذا. فلقد تيقنت انها لن تصرح لي بسهولة. تحدثنا حديثا طويلا عن الاحوال والاخبار. وسألتني فجأة: بحماس مصطنع: وكيف حال زوجتك؟ ووشى هذا الحماس بشيء من الغيرة. ودهشت, أبعد كل هذه السنين وكل هذه الاحداث هناك مكان للغيرة؟ ولكن هكذا كانت ليلى زمان. تريد امتلاك الجميع. ولا أظن انه قد بقي من ذلك الكثير, هي مجرد لمسة غيرة طبيعية ولا أكثر. وطالت المكالمة جداً.. هي نفسها قالت ان جهاز التليفون لديها يسجل طول المكالمة. واننا الآن جاوزنا الساعة. وارادت ان تختم المكالمة فقالت: اريد ان اراك! بدا لي طلبا مشروعاً. فهي لا تسعى الى شيء مما يفكر فيه الخبثاء لا سمح الله. فلقد طعن كل منا في السن, ونسينا شقاوة الزمن الخالي. ولم يعد يشغل بالنا اللقاءات الغرامية, والحديث الآن عن أمهر الاطباء, وآخر انواع العلاج. ووافقت فوراً على الموعد الذي حددته ليلى, والتي بدت وانها قد حددت الموعد حتى قبل المكالمة. وانتابني شيء من تأنيب الضمير. فها انا اعود الى شيء من الماضي. ولو كان الامر مجرد ذكريات وبقايا من ود قديم, لحكيت لزوجتي. ولقد حكيت لها من قبل اشياء في خطورة هذا واكثر. ولكنني خشيت غيرة بلامعنى. الحكاية صغيرة ولا تستحق أزمة لو انني حكيت لزوجتي, وكانت عاقلة كعادتها, فلابد رغم ذلك ان تسألني عن قدر ما تبقى داخلي من الماضي, ولابد ان تسأل عن لقائنا, وفي حالة موافقتها عليه, لابد ان تطلب ان يكون تحت عينيها. والقصة ابسط من ذلك بكثير. سأمر على ليلى في (البوتيك) الذي تمتلكه أحييها أمام الاخرين. وتطلب لي قهوة, وربما شربت معي بلا سكر, فلابد ان الطبيب منعها من السكر. ونتحدث قليلا ونتذكر كثيرا. وينتهي اللقاء على وعد لقاء آخر, وربما لن يتم ابداً. لاداعي لمناقشة الموضوع اذن مع الزوجة. فالامر أهون من ان تحوله الى أزمة. انه مجرد (مشوار) في طريقي المليء باللقاءات. وقالت لي زوجتي: امر غريب اليوم, عادة انت لا تقضي في الحمام اكثر من عشر دقائق. اليوم طال حمامك اكثر من ساعة. واستنكرت ملاحظتها وقلت لها: ان النظافة من الايمان! ثم قلت لها: اتذكرين عندما ذهبت الى نفس المكان منذ شهور, فإذ بالوزير يطلب لقائي!! ربما تكرر هذا اليوم! واتهمت نفسي بالمهارة في الكذب. بل اخذت الاحظ ان الامر يعني لي اكثر مما ادعي. فلقد حاولت ان اتذكر الالوان التي تحبها ليلى. وتذكرت مناقشة حول اللون الرمادي, لكن لم اتذكر هل كانت تحبه ام تكرهه, وتذكرت انها كانت تحب اللون البني ولم اكن احبه. وهاهي على اي حال بدلة بنية اشتريتها تحت الحاح زوجتي. وابتسمت زوجتي في سعادة وهي تراني البس البدلة المهجورة. فكدت احكي لها عن اللقاء المنتظر بعد قليل, لولا تلك الحكمة التي تمنعك من القاء نفسك من احد الابراج. وعندما خرجت من البيت اكتشفت ان بيني وبين الموعد ساعتين, في حين انه بامكاني ان امر في ربع ساعة. وتذكرت ليلى زمان بقوامها الممشوق. واناقتها المتميزة, وجمالها الخارق, ونظرتها الحادة, وصوتها العميق. وقلت لنفسي: انس ليلى زمان. فلقد مضى ثلاثون عاماً على آخر لقاء, ولقد كانت كافية لانهيار (الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية, وخنق الحياد الايجابي, وكافية لتغيير ياسر عرفات ولطفي الخولي ونجيب محفوظ. الن تغير ليلى؟! لابد ان ليلى الآن قد ابيض شعرها, وتجعدت وجنتاها, وتحول نحولها الرشيق الى ترهل. وبالطبع لايهمني ذلك كله ـ فكل ما اريده حديث سريع. وقبل الموعد كنت امام (البوتيك) . والساعة تدق العاشرة كما كانت ساعة جامعة القاهرة تدق في الافلام القديمة, كنت ادلف, ــ وكم كان يحيى حقي يكره هذه الكلمة ــ الى داخل (البوتيك) واندفعت اليّ البائعة تعرض عليّ خدماتها, في حين ان نظراتي كانت تبحث عن ليلى. فلم أجد واحدة تصلح لان تكون ليلاي. وخرج صوتي متحشرجا من حلقي بعد لحظة تردد اسأل عن السيدة ليلى. وتهللت البنت وقالت: ان الهانم في انتظارك أعلى! وتطوعت بان تخرج معي الى الشارع لتشير الى باب البناية, وتدلني على الدور. وباغتتني الاحداث. فها هي ليلى لا تواعدني في مكان عام, بل في بيتها, وهو الامر الذي لم احسبه من قبل. ولعنت فضولي, واعتبرت ان مايحدث هو حماقة لم يكن لها اي داع. وتمنيت لو انني حكيت لزوجتي, ولو انها اثنتني عن هذا اللقاء بالاقناع أو الوعيد! ورغم كل هذه الاحاسيس الا انني نهبت درجات السلم حتى الدور الموعود, فصدمتني لوحة نحاسية معلقة على الباب ومكتوم عليها اسم زوجها الراحل. وتساءلت بسرعة هل احبت ليلى زوجها بعد وفاته؟! ولم يكن هناك متسع من الوقت للبحث عن اجابة. ودققت جرس الباب, ففتحت لي خادمة, وشككت في قدرتي على السؤال مرة أخرى عن ليلى. وفي هذه المرة اندفعت (ليلى) الى أحضاني مرحبة لم يتيسر لي ان اتأملها. ولكنها كانت في ملمس دمية خشبية! نادت على ابنتها لتسلم عليّ. وعرفتها بها. فتاة جميلة كانت في طريقها الى الجامعة. ليست في جمال ليلى في الماضي. ولكنها شابة قالت لي ليلى فيما بعد ان اباها توفي ومازالت ابنتها طفلة ترضع. ولم تكترث البنت بلقائي, طبعا هي مشغولة بصاحبها الذي ربما كان وسط الزحام. او استاذها الذي تعشقه, أو حتى صديقتها التي تتلهف لان تحكي لها اهتماماتها. ومدت ليلى يدها بعلبة سجائر. اعتذرت بانني لم اعد ادخن. سألتني: الطبيب؟ قلت بحزم: لا! وقلت انني امتنعت عن التدخين منذ.. منذ خمسة اعوام! وفي الحقيقة كان ذلك منذ خمسة عشر عاما. هل اردت اختصار الزمن؟ قالت: ــ بعد وفاة المرحوم. كان صدمة كبيرة. وبعد مشاكل الميراث, وتدخل اسرته لعنها الله كنت في حالة نفسية سيئة, فدخنت لاول مرة! ولم احب ان اذكرها بانها كانت تدخن معي احيانا. وتسعل بشدة وسرقت النظرات اليها, لقد انهارت كمعبد بوذي. تأملتني وصرخت صرختها الطفولية القديمة: ــ ياربي! لكم كبرت! وصدمتني الكلمات. كنت اعرف انني قد كبرت. لكن الناس عادة يهونون ذلك عليّ.. والمهم شباب القلب!! ــ مابك يارجل انت اكبر من سنك. انظر الي. ان كل من يقابلني لم يصدق سني. انا اصغر منك بخمس سنوات فقط ومع ذلك ابدو اصغر منك بعشرين عاما. وتذكرت عندما اعتذرت عن زواجي لانها اكبر مني بعشر سنوات! كتمت ضحكاتها لحظة ابتعاد الخادمة وهي تهمس: ــ اتذكر ياعفريت! اتذكر اليوم الذي قضيناه معا في حلوان؟! وشاركتها الضحك, وانا احاول ان اتذكر يوم حلوان هذا, فترد ذاكرتي بان هذا لم يحدث ابدا. قالت لي: تحدثت مع فلانة عنك, ولم اقل لها انك اردت ان تتزوجني بعد وفاة المرحوم! ولم اذكرها بان هذه أول مقابلة بعد وفاة المرحوم! وحولت الاحاديث الى الابناء والاحفاد نتحدث عن جمال الاحفاد وبنوتهم. وعرضت على الغداء. فاعتذرت, فضحكت ساخرة: طبعا تخاف المدام. ووقفت تودعني عند الباب. وتأملتها عوداً محصوصا من الخشبه المقدد. بالزمان اللقاء ـ انتم لم تروا ليلى الخمسينات والستينات عندما كانت ترج الدنيا ومافيها. اين ليلى زمان من هذه الحيزبون المتداعية. نظرت الي بعدوانية وهي تتأملني ظننتك اكثر شبابا! قلت لها ببجاحة: أتذكرين ايامنا بالاسكندرية! نظرت لي بحيرة وقالت: لا اذكر أننا التقينا في الاسكندرية! وعندما وصلت الى سيارتي كان التلاميذ الذين خرجوا من مدارسهم يستندون اليها. كانت المسافة بيني والسيارة خطوة, وبيني وهؤلاء الصبية الف ميل!