نشرت منظمة اليونسكو أخيرا تقريرا عن الأمية في العالم وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية والذي تحييه كل عام في الثامن من سبتمبر, وذكر التقرير ان عدد الأميين في العالم ونحن نشرف على نهاية القرن العشرين ونهاية الألفية الثانية, بلغ 1.3 مليار شخص, ومعظم هؤلاء موجود في الدول النامية والفقيرة . وأشار التقرير إلى ان عدد الأميين في العالم العربي يبلغ 65 مليون أمي, هذه الأرقام تقود حتما إلى خطط التنمية التي لابد لها ان تضع التنمية البشرية في مقدمة أولوياتها, إذ لا يمكن لأية خطة تنموية ان تنجح وتؤدي أهدافها الاقتصادية بعيدا عن التنمية البشرية ومحو الأمية. فحسب تقرير اليونسكو ان نسبة الأميين في الدول النامية وحدها تصل إلى 30% من اجمالي السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة وما فوق لكن ذلك لا يعني ان البلدان المتقدمة تنجو من هذه الآفة إذ يصل عدد الأميين فيها إلى 12.9مليونا. وتمثل النساء أكثر من نصف مليار من الأميين الكبار وجميعهن تقريبا يعشن في المناطق الريفية في البلدان النامية, لا سيما في أفريقيا والدول العربية وفي شرقي وجنوبي آسيا حيث يتجاوز معدل الأمية لدى النساء 60% مما يعني ان النسبة بين النساء والرجال غير متعادلة ففي حين نجد رجلا من أصل خمسة أميا تصل النسبة إلى امرأة أمية من بين كل ثلاث نساء. وعن الأمية في البلدان العربية يقول عبد الواحد يوسف مدير قسم محو الأمية والتعليم غير النظامي في الأونيسكو, وهو القسم المختص بجميع برامج اليونسكو المتعلقة بمحو الأمية وبالتعليم خارج المدرسة في جميع أنحاء العالم, ما يلفت انتباهي ان نسبة الأمية في الدول العربية مرتفعة جدا, فحسب الاحصاءات الرسمية التي تصل اليونسكو من هذه الدول ان أكثر من 50% من العرب مما هم فوق الخامسة عشرة أميون والنسبة بين النساء أعلى إذ تقدر بحوالي 70% وترتفع النسبة أكثر في المناطق الريفية, وهذا معدل وسطي للمنطقة العربية ككل. وعن مدى ارتباط الأمية بالفقر يقول ان هذه الصلة موجودة في معظم الدول العربية, هناك دول عربية غير قادرة على توفير فرص التعليم وبذلك فرص العمل للمواطنين, لدينا دولة عربية تتجاوز فيها نسبة الأطفال الذين هم في سن التعليم الالزامي وهم خارج المدرسة 40% وذلك لعدم وجود مدارس أو لحاجة أهلهم لهم لكسب قوت رزقهم, فيرسلونهم للعمل في المنازل أو الحقول. وفي مقابل ذلك يشير يوسف إلى وضع الدول العربية المقتدرة حيث تأخذ مشكلة الأمية وجها آخر وأقل خطورة, ويقول ان الأمية فيها تظهر بين الأشخاص المتقدمين في السن, وهذا بالطبع ارث من مرحلة تاريخية لم يكن خلالها التعليم متوفرا لكل الأطفال, ويشير ان نسبة التحاق الأطفال بين الجنسين في هذه الدول العربية المقتدرة تبلغ نسبة عالية جدا وهي أكثر من 80% . وعن مدى تأثير أمية النساء على الأجيال الناشئة من منطلق أن الأم الأمية في معظم الأحيان ستنشئ أطفالا أميين أم ان معاناتها تدفعها لحث أولادها على التعلم, يجيب عبد الواحد يوسف ان الحالتين موجودتان في المنطقة العربية, أعرف معرفة شخصية نساء حريصات جدا على ان يحصل أولادهن وبناتهن على حظهم من التعليم, لأنهن حرمن منه, وهؤلاء هن النساء الذكيات بالفطرة, في المقابل هناك نساء ورثن نفس الفكرة عن أهلهن فكرة حجب البنات عن التعليم تماما كما كانت أمهاتهن تحجبنهن عن ذلك. ومن جهة أخرى, نظرة سريعة على الاحصاءات عن برنامج محو الأمية وتعليم الكبار في كافة الدول العربية تبين وبدون استثناء, ان النساء أغلبية في صفوف محو الأمية وتعليم الكبار أي أنهن أكثر اقبالا من الرجال, وهذا دليل على الوعي في الوقت الحاضر بين النساء. ولا ننسى فضل سياسات الدول العربية التي باتت مقتنعة الآن ان تعليم النساء والبنات ضروري بالاضافة إلى التنظيمات المدنية الطوعية النسائية. وفي هذا السياق يؤكد يوسف ان الحكومات العربية اظهرت في كل المواقف سواء في الاجتماعات العربية أو الاجتماعات الدولية ان سياساتها واضحة لكن هناك عقبات تعترض وجود الدول العربية الفقيرة بحيث لا يمكنها تنفيذ خططها لوحدها, ومن جهة أخرى تجد بعض الحكومات في دول عربية أخرى صعوبة باقناع الأهالي بضرورة التعليم مما يشكل عقبة غير متوقعة. ويذكر يوسف بالدعوة التي اطلقتها المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم منذ زمن طويل لانشاء صندوق عربي لمحو الأمية, تلك فكرة رائعة لكن مع الأسف لم تتحقق حتى الآن. ويتابع ان المنظمة نادت أيضا منذ عام 82 ـ 84 بأن قضية التعليم قضية قومية بمعنى ان يشترك فيها جميع العرب وتلك بدورها دعوة متقدمة لم تتحقق للأسف, بسبب الصعوبات التي تعترض الدول العربية في اطار سعيها للوحدة سواء الوحدة الفكرية أو الثقافية أو السياسية. ويلاحظ ان هذه الدعوات ما زالت على مفكرة وجدول أعمال الدول العربية. عن الوضع في العراق اليوم وهو البلد العربي الذي كان توصل إلى محو الأمية بنسبة عالية, يقول: الظروف الصعبة التي مر بها الشعب العراقي ظروف استرعت انتباه كل الخيرين في العالم وأكيد ان ما يجري في العراق الآن شيء غير مقبول انسانيا. ويتابع: شخصيا ليست لدي أي احصاءات أخيرة عن العراق لكن أستطيع أن أقول انه قادر على تجاوز هذه المرحلة لسبب بسيط انه كان أول دولة عربية استطاعت ان تمحو الأمية بنجاح وكانت أول من بادر إلى تنفيذ الاستراتيجية العربية لمحو الأمية, فإذا زالت الأوضاع الحالية في العراق فاعتقد انه قادر على ان يعيد الأمور الى نصابها في فترة وجيزة نظرا لتوفر الامكانيات البشرية والمادية, والعراقيون قادرون على تدبير أمورهم. ويشير تقرير اليونسكو إلى ان الأمية في الدول المتقدمة تتمثل في الأمية الوظيفية وهي المشكلة التي تعاني منها الدول الصناعية وهي مرتبطة بتقدم التكنولوجيا, اليوم أصبحت الحاجة ملحة للعمال والمهندسين والأطباء وغيرهم وهي تتجدد بتجدد التكنولوجيا أي بوتيرة أسرع, فإذا أراد شخص افتتاح مصنعا مثلا يبحث عن مستوى أعلى من التعليم والمهارة الفنية ومقدرة على استخدام التكنولوجيا, مما يخلف العديد من الذين يجدون أنفسهم مهمشين وخارج هذا التطور. المشكلة الأخرى هنالك عجز بين عدد كبير من الناس في الدول الصناعية عن ملء استمارة أو كتابة رسالة وهم بحاجة لمساعدة شخص آخر للقيام بمهمة من هذا النوع, ويشير يوسف ان مسؤولية محو الأمية ليست مسؤولية وطنية فحسب بل انها مسؤولية عالمية في اليونسكو, ومن مصلحة جميع الدول ان تكون شعوب العالم متعلمة, لان ذلك يسهل الكثير من الأمور, ويرفع مستوى الحوار بين الأمم. ويقدم يوسف مثالا على ان بعض الدول المتقدمة تساعد على محو الأمية من وجهة نظر خاصة بها باعتبار ان مع تقدم هذه الدول يتسع أفق مواطنيها وبالتالي يزيد الاستهلاك فيها, كما ان محو الأمية يمكن ان يساعد في حل مشكلة الهجرة من الدول الفقيرة والتي تؤرق الدول الغنية. ويقول يوسف قبل أي اعتبار تبقى المسألة مسألة كرامة انسانية, فالمعرفة حق طبيعي لكل شخص, المعرفة هي السبيل الوحيد الذي به يكمل الانسان وجوده, وبالمعرفة وحدها يرتقي الانسان إلى المستوى الذي يؤمن له كرامته واستقلاليته وليس من عدو أكبر للانسان من الجهل. باريس ــ ليلى المر