مسؤولية الاعلام في تأكيد الهوية الثقافية.. هذا هو اسم كتيب صغير للدكتور السعودي ساعد العرابي الحارثي وهذا الكتاب صادر عن سلسلة كتيب المجلة العربية في العدد الثامن عشر من السلسلة مرافقا لعدد شهر جمادى الآخرة لسنة 1419هـ من المجلة العربية الصادرة في المملكة العربية السعودية . والكتيب على صغره بحث جامع ومركز في مدى مسؤولية الاعلام في تأكيد هوية أمة ما ومناقشة لمدى قصور الاعلام العربي وعجزه عن تأكيد هذه الهوية وأسباب ذلك وعلاجه, ولقد آثرت أن أوجز الكتيب الصغير في مقالتي هذه واقفا على النقاط الهامة وأكثر فقرات الكتيب تعبيرا عنها. وفي ذلك قال المؤلف: نحن أمة ذات عقيدة عظيمة, وذات فكر وتاريخ مجيد فإذا ما استطعنا تأكيد هويتنا وفق هذه المبادئ والمعطيات فسنعود إلى موقعنا لقيادة الحضارة الإنسانية. وما لا شك فيه ان ثقافة الأمم المتقدمة استحوذت على عقول وسلوكيات أبنائنا وشبابنا وأطفالنا, إذا لم نتدارك أبعاد ونتائج هذا التغلغل والغزو الثقافي وإذا لم نعمل على رفع معدلات العطاء في وسائلنا الاعلامية لمنحها القدرة على التنافس وعلى حماية قيمنا وسلوكياتنا, ولن أكون مبالغا إذا قلت إن الاعلام القادم من خارج الحدود رغم خطورته قد يكون أقل تأثيرا وضررا من الاعلام المحلي غير الرصين لان هذا الأخير في عالمنا العربي تأثر بالغرب وقلد صناعته إن لم نقل نسخها ولم يتمكن لا من اجادة التقليد ولا من النسخ. وحتى يصبح هذا الاعلام قادرا على تحمل مسؤولية تأكيد هويتنا الثقافية لابد من أن يسهم مفكرونا وعلماؤنا واعلاميونا في رسم منهج له ووضع استراتيجية علمية تؤهله أولا للصمود أمام هذه الهجمات الاعلامية الوافدة, وثانيا تقديم هذه الثقافة بهويتها الإسلامية إلى شعوب العالم كحضارة رائدة وكاملة. 1 ــ معنى الهوية : إنها حجر الزاوية في تكوين الأمم باعتبارها تراكم تاريخ طويل من القيم الثابتة التي نشأت عبر عمليات اجتماعية وتاريخية تمثلت حلقاتها في صورة تجمعات المعنى والقيمة, وهي التجمعات التي تتجسد منها المادة الأساسية للثقافة كما ان تكامل الوعي الثقافي للمجتمع مشروط بتكامل فهمه لتاريخه بموضوعية وإدراك يشمل كل مجالات نشاطه في تفاعلها الدائم داخل المجتمع نفسه وبينه وبين غيره من المجتمعات أو الثقافات. إن مشكلة الهوية الثقافية في الوطن العربي عموما ترتبط ببروز النموذج الغربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا باعتباره الأداة الرئيسية للتقدم. 2 ــ الاعلام ودوره في التأثير : إن المفهوم الأكاديمي للاعلام المحض هو توصيل الحقائق بالصدق وتقديم المعلومات المجردة للجماهير, ويبدو أن مفهوم الاعلام قد تغير واكتسب مضامين وصياغات جديدة ترتبط بالمصالح الكبرى للشعوب والدول واتجه الاعلام ذو الفهم الأكاديمي إلى رف الوثائق في متحف العلم الإنساني المتجرد. وأصبح للاعلام ثقل كبير في دعم الحملات السياسية والانتخابية على المستوى الداخلي وفي التأثير على الشعوب الأخرى ثقافيا وسياسيا وفكريا. إن الاعلام الدولي قادر من الناحية التطبيقية على التأثير في الجماهير بتقديم بعض الأخبار وحجب بعضها (من يملك الاعلام الدولي يملك التأثير في الرأي العام العالمي) ولنا ان نتصور بعد ذلك قدرة اعلام الدول الكبرى في تغيير أنماط السلوك والقيم والعادات وفي تغيير الاتجاهات بين جماهير المجتمعات المستهدفة وما يتبع ذلك من طمس وذوبان للهوية وضياع لها. 3 ــ مكانة الاعلام المعاصر : إن الاعلام العالمي المعاصر بلغ شأوا عظيما ويرتبط تطوره بتطور كل المعارف وعلوم الحياة وأضحت له مكانة عظيمة في السياسات العالمية واستراتيجيات الدول ولا نبالغ إذا قلنا انه يشكل سلاحا حاسما في المعارك يوازي الأسلحة العسكرية إن لم يتفوق عليها, وما بلغ الاعلام هذه المكانة الا نتيجة الاهتمام به في جميع النواحي النظرية منها والتطبيقية وذلك كجزء من صناعة الحضارة تتطلب الكثير من الكد والكدح والأخذ بناصية العلوم والصناعة ومن لا يحسن ذلك فلن يقدم شيئا ولن يكون من أهل عصره وكم من ملايين لا تعرف علوم ومعارف عصرها تعيش على هامش الحضارة وتقتات على الفتات الذي يلقى لها من هنا وهناك. 4 ــ واقعنا الاعلامي ومظاهر التبعية : إن اعلامنا العربي الإسلامي ضائع الهوية أو ضعيفها على الأقل ويفتقر إلى سمة الأصالة وإلى الملمح الثقافي الذي يؤكد ذاتيته, والاعلام العربي إذا استثنينا اعلام بعض الدول العربية لا يفصح عن ذاته مباشرة ومتردد دائما في ابراز بطاقته الشخصية في معمعة الأحداث الجسام التي تطل على عالمنا بين حين وآخر, فالمضامين الاعلامية عندنا لا تعدو أن تكون ذات نسج غربي في الغالب وهي ذات نسق غربي بلسان عربي ولذلك فإن الاطار واللوحة غير منسجمين على الاطلاق لان محاولات التوليف بينهما لا تعتمد على نضج ووعي باشكالية الأصالة والمعاصرة ولا بأهمية الاعلام في تأكيد الهوية ولا بقدرته على المنافسة الفنية والابداعية, يعاني الاعلام العربي أزمة شديدة في نواح عدة أهمها عدم وجود خطة اعلامية واحدة وهذا نتاج غياب الاطار الفكري الموحد الذي يجمع الشمل ويوحد الكلمة, إن الناقد أو المتابع الحصيف لتدفق اعلامنا العربي اليوم سيتبين انه يتسم بكل أسف بالسطحية والضحالة وذلك فيما يتعلق بمواده التي ينتجها أما المواد المستوردة فإنه ينقلها دون محاولة لتنقيتها وتقديم ما يتوافق منها مع بيئاتنا وقيمنا وعاداتنا وبالطبع لا يمكننا أن نطلق القول على العموم فهناك محاولات جيدة ومتميزة لتقديم مضامين اعلامية محلية ولكنها ضئيلة وقليلة. 5 ــ مسؤولية اعلامنا في تأكيد الهوية : إن مسؤولية اعلامنا في تأكيد هويتنا تعتمد بصفة أساسية على الدول المعنية وبفلسفتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبمدى إيمانها بدورها على المستويات الاقليمية والدولية كذلك بمدى قناعتها بالنشاط الاعلامي داخليا وخارجيا ولا يمكن لأية دولة أن تمنح لوسائلها حرية الحركة والفعل والابداع إذا كان اقتصادها وثقافتها مرهونين لغيرها. يتحمل اعلامنا العربي مسؤوليته في تأكيد هويتنا إذا تضافرت جهود عدة جهات لتحقيق هذا الهدف فهو لا يستطيع الوصول إلى هذه الغاية بمعزل عن الدولة والاعلاميين من ممارسين وأكاديميين والفقهاء والعلماء وأساتذة التربية والاجتماع والشعب نفسه أو الجمهور. 6 ــ مسؤولية الدولة : تتركز مسؤولية الدول العربية والإسلامية في انشاء اعلام قوي يستمد نشاطه من بيئته وهويته العربية في الدعم والتمويل والتدخل عندما تطغى المادة المستوردة على المحلية وتشجيع الانتاج الاعلامي الوطني وتحفزه واختيار قيادات وكوادر مؤهلة لقطاع الاعلام, وتدريب الكوادر الاعلامية وربطها بثقافة المجتمع وتشجيع التبادل الاعلامي مع وسائل اعلام الدول الإسلامية وتبادل الخبرات والكفاءات الاعلامية العربية وتشجيع البحوث والدراسات الاعلامية وتوفير قدر من الحرية والمصداقية للاعلام المحلي وتحفيز وتشجيع الاعلاميين على الحضور في مواقع الأحداث حتى يتسم نشاطهم بالحالية والجدة ودعوة قطاعات الاعلام للمشاركة في وضع الخطط والسياسات والبرامج الخاصة بها واشتراك المواطن في تقييم الوسيلة. 7 ــ مسؤولية الاعلاميين : لن يقدم الاعلامي انتاجا ذا بال إذا لم يتوافر له قدر من الحماس والجدية والرغبة الصادقة في تنمية المجتمع وترقيته أو في تحقيق رغبات الجماهير وترسيخ معتقداتها وقيمها أو في تأكيد هويتها, يعكس الواقع الاعلامي الحالي في بعض الدول العربية عدم قدرة الاعلاميين بكل أسف على الاستفادة من امكانات وسائلهم وفاعليتها في التأثير وربما يجهلون أهداف العملية الاعلامية نفسها أو قد يلتحقون بالوسيلة لمجرد قدرتهم على الكتابة أو جمال الصوت أو جرأة الوقوف أمام الكاميرا. إن الاعلام في عالمنا العربي بحاجة إلى اعادة نظر في كل سياساته وكوادره حتى يصبح قادرا على توظيف كل برامجه التثقيفية والدرامية والاعلامية والترفيهية بل وحتى برامج الكرتون والصور المتحركة وقصص الأطفال من أجل ترسيخ القيم وأنماط السلوك العربية والإسلامية ونشر المبادئ والمثل التي نتميز بها ونفاخر بها. 8 ــ مسؤولية المثقف : مثقفونا كي يحولوا المجتمع من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الابداع أمامهم قضية أساسية واحدة, هي قضية الجدية على مستوى الأفراد والجماعات, الجدية في صياغة المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا والجدية في التخطيط لتجاوزها والجدية في تنفيذ الخطط المرسومة وتحقيق الأهداف والجدية في اعداد وتدريب الافراد المقتدرين في كل فنون العلوم ومجالات الاهتمام والجدية في ضبط المعايير وتقويم الأداء وشحذ الههم واستغلال طاقات الأفراد وموارد الأرض وسعة الزمان والمكان. 9 ــ مسؤولية : والتربوي مطالب باستغلال ما يتاح له من مساحة زمنية في الوسائل الاعلامية لتكملة وظيفته في المدرسة لان مهماته لا تتوقف خارج سور المدرسة, كما نريد منه تقديم مادة غنية ثرية تحدث أثرا ايجابيا وتترك صدى قويا بنفس الصغير والطالب وتساعد على اكتشاف ما يملك من طاقات ومهارات وتشعره بأن للوطن واجبا وحقا عليه.