مازال بعضنا مقيدا في تفاصيل الماضي, يقرر وينفذ, يعيش ويتواصل, وفق نظام وقواعد ذاك الزمن البسيط في كل شيء.. الزمن الذي احتلت الطيبة والراحة النفسية مساحات شاسعة منه , فرسمت أبعاده ومفاهيمه, ورمت بأطنابها على زواياه المختلفة, فكان الهدوء والطمأنينة والثقة المتبادلة هي سمات ذاك الزمن الجميل. أما اليوم ونحن نعيش زمنا مختلفا وعصرا انفتاحيا على العوالم الاخرى بأفكارها وقيمها وعاداتها, ونتلقى منها الكثير, فإننا نصارع ونقاتل ونستميت على جبهات مختلفة وأهمها جبهة تربية الابناء الذين يعيشون هذا التحول, يشاهدون بأم أعينهم ما يجري ويسمعون ما يحدث ويقرأون ما سوف تحمله رياح التغيير. في الزمن الماضي القريب كانت التربية تعتمد على الكلمة المؤثرة والنصيحة والشواهد البسيطة وبعض الحكايات, فكان الطفل يخاف من ظله, أما اليوم فقد اختفى الظل وحضر الدش والانترنت والتلفزيون الرقمي والهاتف النقال, وسنشاهد مع بدايات القرن المقبل ثورات تكنولوجية جديدة ومثيرة.. فهل نتواصل مع سياسة التلقين والترهيب, تلك السياسة التربوية التي لايزال البعض مصرا على تطبيقها. لا أريد ان أجيب عن هذا السؤال الذي يبدو أنه لا يصلح لهذا الزمن المتواصل, ولكن أنقلكم إلى تفاصيل زاوية أخرى من زوايا الزمن الذي نعيشه, فقد قال محدثي وهو يضرب يمناه بيسراه: أتدري عجيب أمر هذا الجيل؟.. لقد أفحمني ابني الصغير بردود لم أتخيلها أبدا, فأنا كعادة الأهل هنا عندما يلقنون الأبناء بعض الارشادات والنصائح, والتي غالبا ما تأتي من الموقف المعاش قمت بتلقين أبنائي تلك النصائح دون تمحيص وقراءة دقيقة لما وراء تلك الارشادات التي كانت من وجهة نظري قيمة وتفيد ذهنية المرحلة السنية التي يعيشها الطفل.. هكذا كنت أعتقد.. ولكن ماذا حدث؟.. الذي حدث يا سيدي انني عندما عدت من العمل ظهرا وجدت البيت وكأنه ساحة معركة.. البنت والولدان يتقاذفون البرتقال والتفاح فيما بينهم, وفيما هم يعيشون نشوة اللعب والرقص على الأكل, أصابتني قذيفة طائشة كسرت نظارتي الطبية, فما كان الا وان ارتفع صوتي مهددا ومتوعدا ومحذرا بأنهم سيتحولون الى قردة على فعلتهم هذه, لأنهم داسوا على نعمة الله.. لقد جاءت كلماتي المتساقطة مثيرة بالنسبة لهم (حرام عليكم, الله بيحولكم سبلان) الأمر الذي جعلهم يمسحون أرضية الغرفة بحثا عن الأكل المتساقط حتى لا يتحولوا الى قردة.. هكذا انتهت المعركة المثيرة, الا ان أمرا آخر بدأ يلوح في الأفق, فمنذ يومين أخذ ابني الصغير يبكي دون سبب ودون ان يقول ما الذي يبكيه, وكل ما يفعله هو مشاهدة نفسه في المرآة كل عشر دقائق.. وبقي على هذا الحال يوما كاملا, وفي صباح اليوم التالي ذهب كعادته الى المدرسة وعندما عاد كان الحال قد تغير كليا, وبدأت الابتسامة تعلو وجهه الصغير.. ما الذي بدل أحواله؟ ــ الأمر ياسيدي وببساطة, انني عندما عدت رأيت هذا التغيير الجميل فسررت, وسألته عن هذا التغيير المفاجىء فقال بكل براءة.. لأنني لن أتحول الى قرد كما قلت لي. لقد قالت لي المعلمة ان الانسان لا يمكن ان يتحول الى قرد, وان الرطب يداس بالاقدام فيصبح تمرا ونحن في أشد الحاجة الى التمر لأنه غذاء يحتوي على سعرات حرارية. هكذا رسم ابني الصغير علامات تعجب لم أحسبها أبدا.. وفي يوم الجمعة أمرتهم ان يناموا فترة الظهر, لكنهم لم ينفذوا الأمر بحجة انني قلت لهم (ان حمارة القايلة سترفسهم اذا لم يناموا) وهم يريدون ان يروها, كما انهم يريدون ان يروا القط الأسود الذي قلت لهم عنه انه جنّي متنكر. وأضاف محدثي لقد اقتنعت متأخرا انني أعيش في وهم العبارات القديمة ونسيت ان أطفال اليوم يعيشون ثورة التكنولوجيا والاتصالات وان (حمارة القايلة) و(بابا درياه) و(أم الدويس) كلها أوهام من الماضي يعيشها جدي وجدتي, لن تنفذ الى مخيلة هذا الجيل الجدلي الذي يعيش لغة الحوار والاقتناع.