هل تذكرون قمر الدولة؟ كان هنا, بيننا قبل عام ورحل, رحلة من غير وداع ودون رغبة في الرحيل ،قمر الدولة محمد شاعر سوداني كنت تلمح تقاسيم وجهه ــ وجه اتعبه الزمن عليه ابتسامة امل يحرص صاحب الوجه ان تكون مرسومة حتى في اوقات التعب , وحظ قمر ان كل ايامه بلاء وشدة ــ تلمحه في المحافل الثقافية مشحونا بهاجس الفكر والأدب يبحث عن الشعر والشعراء, او تشاهده نهاية الاسبوع واقفا وسط العمائم البيضاء بمضمار السباقات يبحث عن الحظ عند نواصي الخيل, أو تجده في اروقة نادي الشعب, المكان الذي استقر فيه موظفا وعاشقا يحمل له الحب والولاء. قمر الدولة كيف جاء الى هنا؟ رحلة طويلة, كان يتمنى ان يكتب فصولها في يوم يكتب له فيه الاستقرار. هجر بلده بحثا عن المستقبل الافضل, ذهب الى اليمن معلما, عاش سنوات في منطقة جبلية نائية, ينتظر ان يكمل مهر عروسه ويعود الى وطنه, الا ان السفر طال كثيرا والمهر لم يكتمل. فرحل الى الامارات وعاش سنوات اخرى من الضياع, صادف ان اشتعلت حرب الخليج الثانية, لم يجد عملا او حتى اقامة شرعية. تعرفت عليه من خلال الزميل المرحوم محمد نوراني, كانت منزلة قمر كبيرة عند نوراني, لم تكن هناك اواصر قرابة تجمعهما, تعرف عليه في جلسات الاصدقاء. يقول نوراني: كنا نجلس في المساء ويحرص قمر على حضور المجلس, وتعودنا ان نحضر معنا عشاءنا, فنعلم حالة قمر العازب والجالس بلا عمل, وعندما نفرش المائدة ويستعد الجميع للطعام يتسلل واحد منا معتذرا عن المشاركة, هذا الواحد هو قمر أكثرنا حاجة لهذه الوجبة. كان يرفض المساعدة وهو المحتاج مقدرا ظروفنا, كان يتمنى منا ان نعينه في الحصول على عمل, في أية وظيفة وبأي راتب. وحصل ان ابتسم له الحظ, فأختاره نادي الشعب مشرفا ثقافيا, ومع ان واقع الاندية لا يشجع على الاهتمام بالعمل الثقافي والامكانيات المادية تكاد تكون معدومة في اي عمل ثقافي بشكل عام الا ان قمر استطاع ان ينير شمعة ثقافية في ميدان الرياضة, واصبح صدى الشعب الثقافي يتردد في مواقع وعند جمهور لم تتوقع ادارة النادي ان يصل اليها ويستقر فيها وبهذه السرعة. عام واحد من النشاط كأنه اعوام. وقمر الذي ضمن الاستقرار اخلص في العطاء والابداع وتغير حاله كثيرا, سافر بعد هذا الغياب الى بلده, وتزوج اخيرا بعد ان خوفه شبح اطلالة الاربعين, وبعد ان علق المرأة التي اختارها قلبه دهرا. تزوج وعاد لنا, في هذه العودة كان ينوي ان يحضر زوجته, وبدأ يبحث عن سكن اكبر من الغرفة الوحيدة التي يسكن فيها مع صديقه, وعمل آخر يسنده ويخفف دينه, الا ان ظروف المعيشة اصعب من ان تحقق احلام القمر, فعاد له سوء الحظ. ترك الشعب وهو يبكي على مفارقة اهله, يريد ان يبقى, يريد ان يرحل, يريد ويريد.. وضاع في الحياة من جديد. في يوم رن هاتف النادي, كان على الطرف الآخر احد موظفي المستشفى القريب من مبنى النادي: هنا رجل ينتمي لكم, اقرب للموت منه للحياة. من هو؟ سوداني اسمه قمر. ماذا حدث؟ يروي صديقه في السكن, انه في احدى الليالي تألم من ظهره, ذهب الى المستشفى, ولم يخرج منه, فقد ألم به مرض عضال, لسانه توقف عن الكلام وجسمه لا يتحرك, اصابه شلل كامل! حاولوا ان يبحثوا له عن علاج في أي مكان من هذا العالم, واتفقت التقارير جميعها ان لا فائدة من السفر ولا علاج له, خرج من المستشفى على نقالة, واجمع ربعه واهله على العودة به الى السودان. رحل قمر وانقطعت اخباره, وماذا ستحمل هذه الاخبار لو جاءت عن رجل فقد كل شيء؟! قبل ايام دخل نادي الشعب شاب سوداني يحمل رسالة من قمر, معقول! الرسالة كانت قصيدة شعرية عنوانها (الاصل الطيب) يقول اول بيت فيها: اخي الشيخ عز الفراق علّي ولازمني العذر طول العمر اهداها الى الشيخ عبد الله بن سالم القاسمي رئىس النادي واعضاء الادارة واصدقاء الشاعر. القصيدة تحمل اسماء وأوصافا وذكريات يحتفظ بها شخص قمر. لكن كيف كتبها وهو لا يتحرك ولا يتكلم؟ قال من جاء بالقصيدة, كنا نضع قائمة حروف اللغة امامه, ويؤشر بحركة خفيفة من رأسه على حروف الكلمة, اكملنا شهرا حتى اكتملت هذه القصيدة بمعدل بيت شعري في كل ليلة. هذا قمر, مات جسمه وبقي قلبه أخضر, ما اكبر هذا القلب وما اجمله, يحمل الامل.. والوفاء.