تختلط في الذاكرة الجماعية الكثير من الأفكار المفاهيم التي تتكرس عبر عصور متعاقبة متأثرة بالمناخات الثقافية والاجتماعية السائدة, الا ان هذه المفاهيم غالبا ما تكون نقاط بداية لتداعيات وظواهر سلبية مرضية يستغلها الآخر ونسقط نحن في شركها في ظل غياب البحث العلمي والجهود المبذولة لتعرية العديد من الحقائق المكرسة دون مرجعيات أو ثوابت عقلية وعلمية. وحول الاسطورة بين الدين والأدب استضاف اتحاد كتاب وأدباء الامارات الدكتور أحمد الموسى في محاضرة ركز فيها على بساط النبي سليمان ومفندا الكثير من المزاعم التي علقت في هذه القصة والتي استغلت مع الوقت سياسيا وفكريا, وفي مستهل قوله أشار المحاضر الى ان مفهوم الاسطورة من أشد حقول المعرفة غموضا ومطاطية, ولكن المسلم به ان موضوع الاسطورة, له حضوره الجذاب في عدد من مجاميع المعرفة, كالكلاسيكيات, والأنثروبولوجيا, والفولكلور, وتاريخ الاديان, وعلم اللغة, وعلم النفس, وتاريخ الفن, لقد ظهر مؤخرا اتجاهان في تناول الاسطورة: الاول هو النظرة الكلاسيكية للاسطورة وتتلخص في ان الاسطورة هي في أصلها رمز ثابت, ومعروف رغم كل ما يتفرغ عنها من رموز والاتجاه الثاني هو الذي يرى الاسطورة رمزا متجددا ومتطورا, من خلال نشاط لغوي غير محدد بمضمون تراثي معين. ونتيجة لما أحدثته الحرب العالمية الاولى من ويلات, راح الادباء الغربيون يتوغلون في الفردية, مبتعدين عن قضايا المجتمع, ولم تعد البطولة الاسطورية حدثا خارقا يتسم بالاعجاز والدهشة, بل أصبحت كشفا عن خبايا الذات. وما ترسب في أعماق اللاوعي الذي غدا للكاتب الغربي معينا لا ينضب. بيد ان (ليفي شتراوس) قد تحدث عن الاسطورة من زاوية أخرى... اذ رأى انها حلول يصنعها الخيال لتسوية التناقضات الاجتماعية الواقعية... ويعتقد (ليش) بأن الاسطورة مقابل يوازي الطقوس, والمعروف ان الطقوس تأتي لتدلل على المصالحة مع الواقع, ولئن ولدت الاسطورة مجهولة, وتربت مترفة في أحضان المسرح الاغريقي, الا انها منتج فكري وخيالي أفرزته كل الامم, وعلى كل مستويات الفن والادب وأنواعها مع التمييز بين الاسطورة والخرافة. القرآن الكريم والاسطورة في هذا المجال أشار المحاضر الى ان الاسطورة وردت في القرآن الكريم بصيغة الجمع (أساطير) وفي تسع آيات وهي في كل سياقها مذمومة لأنها تهمة يوجهها المشركون لبعض المفاهيم العقيدية الاسلامية وفي الوقت الذي ترد فيه الاسطورة على لسان الكفار, فهي تعني بالضرورة الاباطيل والاكاذيب الموجودة عند الاقدمين حيث ورد في احدى الآيات الكريمة (قالوا اذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنّا لمعبوثون, لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل, ان هذا الا أساطير الأولين) . بساط سليمان الاسطورة عندما شاهد أحمد شوقي الطائرة لأول مرة وكان ذلك في عهد الاحتلال الفرنسي, قال: قم سليمان بساط الريح قاما
ملك القوم من الجو الزاما
حين ضاق البر والبحر بهم
أسرجوا الريح وساموها اللجاما
قدرة كنت بها منفردا
أصبحت حصة من جد اعتزاما
بهذه الشواهد الشعرية استهل المحاضر دخوله الى عوالم اسطورة بساط سليمان مشيرا الى ان الشخصيات اليهودية دائما تحظى بهالات مفخمة من الوهم المنسوج حول الحقيقة, فما من حدث تاريخي أو حديث كان له وقعه وحضوره الا وسمعنا تحليلات موغلة في التخيل أو التلقائية الساذجة مفادها ان خلف هذا الحدث أيد يهودية خفية, وهذا الخيال يرضي النزعة العنصرية ويكرس لها في الوجدان البشري نزعة التميز المزعوم على بني الانسان كما تروجها مقول الشعب المختار. حول مسألة بساط الريح تحديدا التي دار حولها نقاشات وسجالات عديدة وجنح في عوالمها بعض أهل العلم الى التهويل والمبالغة دون ان يسألوا أنفسهم لماذا لم يرد ذكر بساط الريح في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة, فالمحاضر على حد قوله بحث مطولا في كتب السنة التسعة وبمساعدة الكمبيوتر دون ان يعثر على ذكر واحد لهذا البساط. هذا الامر لابد ان يدفعنا للبحث في مدى التخريب الثقافي الذي رسخته المرويات الاسرائيلية وتخديرها للعقل البشري وصولا الى تفخيم الاحداث والشخصيات اليهودية وفرضها على التاريخ الانساني لاستثمارها فهل نسمح نحن المسلمين بتمرير هذه المرويات التخريبية على العقل العربي والاسلامي. أول من كتب حول بساط الريح من المفسرين هو الطبري (310 هــ) في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن عندما فسر الآية 81 من سورة الانبياء لكن الغريب ان ينقل ابن كثير هذه الرواية وهو المفسر والمؤرخ المدقق الذي تعهد ان يرفض الروايات الاسرائيلية اذا خالفت ما ورد في الاسلام من علم أحكام وتقول الرواية التي وردت في كتابه (بساط سليمان) بأنه كان من الخشب بحيث يتسع لجميع ما يحتاجه من القصور والخيام والامتعة والرجال والانس والجن وكان هذا البساط حسب الرواية يرتحل اول النهار من بين المقدس فتعدو به الريح لتضعه بإصطخر (وهي على مسيرة شهر) آخر النهار ثم يعود به الى بيت المقدس بنفس المدة. وحول هذه الرواية وضع المحاضر عدة نقاط اساسية منها انه لا توجد دلائل عقلية يعتمد عليها في ثبوت هذا النص, كما ان هذا البساط مادام بهذا الحجم الهائل لكان ورد ذكره في حديث الناس وتناقلته النصوص الادبية وغيرها من الحكايا, ورغم ان تأييد الله لأنبيائه بالمعجزات من الامور المسلم بها غير ان هذه المعجزة لم يذكرها الله في آياته الكريمة ولم ترد على لسان النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث ان القرآن الكريم لم ينص الا على تسخير الرياح لسليمان, ثم ما قيمة هذه المعجزة أمام ما توصل اليه الانسان اليوم من صناعة الطائرات والمركبات الفضائية. حدود مملكة النبي سليمان حول هذه النقطة اشار د. أحمد الموسى الى ان اخطر ما تفرزه هذه الاساطير هي حدود مملكة سليمان وأحلام التوسع الاستيطانية الحالية التي شكك فيها عبدالوهاب النجار في كتابه قصص الانبياء مشيرا الى انه لو اقتصر وصف بساط الريح على حدود ومساحة معقولة ومقبولة لكان الامر قريبا الى العقل اما ان يكون هذا البساط من ألف ركن وفي كل ركن ألف بيت حيث اذا وضع في كل بيت جنديان فقط لكان لدى النبي سليمان مليونان من الجند, وعندما يرحل سيترك خلفه نفس العدد لحماية البلاد وهذه الارقام مع تجاهل عدد السكان المدنيين ليس لفلسطين ان تتسع له أو تحتويه في تلك العصور. وما يمكن الاشارة اليه في هذه المحاضرة الى انها محاولة بحثية جيدة لتحليل بعض الظواهر الفكرية المروجة والسائدة حتى عندنا والتي تعرف اسرائيل استخدامها تماما واقناع العالم بصحتها والمطلوب هو احكام العقل والبحث العلمي لاظهار الحقيقة على مستويات واسعة بحيث لا تسقط عقولنا رهينة الافكار والمفاهيم الزائفة الخالية من الصحة, ولذلك نتمنى ان تتوسع مثل هذه المحاضرات علها تطال الكثير من هذه المفاهيم الراسخة في عقولنا وفي نهاية المحاضرة أجرى الدكتور أحمد الموسى مقارنة عامة بين ملك النبي سليمان ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.