يحفل كتاب(حياة في الادارة)للشاعر والسياسي الدكتور(غازي القصيبي)والذي يتضمن سيرته الذاتية بالعديد من المواقف والقصص الطريفة التي يرويها الكاتب بأسلوبه الساخر الراقي, واختار للقارىء جانبا منها كما اوردها المؤلف : يبدو ان مهمة الجامعة (في بداية التعليم الجامعي السعودي) لم تكن واضحة في اذهان الجميع, اخبرني احد الاصدقاء الذين عاصروا نشأتها الاولى انه تلقى, ذات يوم, توصية بقبول شخص ما طالبا في الجامعة, واضافت التوصية, (او فراشا) ! علمتني التجربة شيئا غريبا عن الطبيعة البشرية: لا يأخذ الناس, بجدية كافية, اي خدمة تقدم لهم بلا مقابل او بسعر منخفض, كانت مكاتب الاستشارات القانونية في الرياض, وعددها لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة, تتقاضى خمسة عشر الف ريال مقابل اعداد عقد من عقود الشركات, لم يكن اعداد العقد يتطلب مجهودا يذكر, كل ما على المكتب عمله هو نقل النموذج الذي تصدره وزارة التجارة والصناعة واضافة اسماء الشركات, الا ان العملاء لم يكونوا على علم بهذه الحقيقة, كانوا يتصورون ان الصفحات الكثيرة, بالاضافة الى التكلفة المرتفعة, تعني انهم يتلقون نتائج مجهود جبار, رأيت ان المبلغ مرتفع وقررت ان اتقاضى عن كل عقد اعده خمسة آلاف ريال, اتصل بي صديق يعمل في الحقل ونصحني بالعدول عن القرار, واضاف ان القرار لن يضر احدا غيري, لم اصدقه, وقتها, الا ان ما توقعه حدث بالفعل, تجنب العملاء المكتب (الرخيص) الذي ينتج (العقود الرخيصة) واصروا على التعامل مع المكاتب (الفاخرة) التي تنتج العقود (الغالية) !! من اطرف الذكريات التي لاتزال تعيش معي ذكريات زيارة رسمية قام بها المالك خالد, رحمه الله, الى ليبيا وكنت ضمن الوفد المرافق, عندما نزلنا في مطار بنغازي كان هنالك استقبال (شعبي) مرتب (رسميا) بكل تفاصيله, سأل الملك العقيد معمر القذافي اذا كانت الحكومة في بنغازي او طرابلس رد العقيد (اي حكومة؟ نحن في الجماهيرية الغينا الحكومة) , قال الملك: (اين الوزراء؟) رد العقيد: (نحن ألغينا مناصب الوزراء, لا يوجد وزراء) قال الملك: (اين توجد انت وخوياك (اي انت ومرافقوك واعوانك) رد العقيد: (في بنغازي) , قال الملك: (اذن فالحكومة في بنغازي!) , ولم يتمالك العقيد نفسه من الابتسام. الخلاف الوحيد الذي نشأ بيني (اثناء شغلي لمنصب وزير الصناعة والكهرباء) وبين محمد ابا الخيل (وزير المالية والاقتصاد الوطني) في هذا المجال كانت نتيجة خطأ (مطبعي) , خط محمد ابا الخيل عندما يكتب بتأن خط واضح مقروء مثل خطي عندما اكتب بتأن, الا ان ضغط الاوراق الهائل لم يكن يسمح لمحمد او لي بالكتابة بتأن, في معظم (التأشيرات) كان خطانا لا يختلفان عن شخبطات الاطباء الشهيرة, ولم يكن احد سوى الزملاء العاملين في المكتب قادرا على فك ألغاز (التأشيرة) في الحالة التي تحدثت عنها كان هناك طلب للحماية انتهى بموافقة مني وذهب الى محمد للحصول على موافقته تمهيدا للرفع لمجلس الوزراء, اقتنع محمد بالمبررات وكتب على المعاملة (لا ضير من الحماية) , الا ان الموظف في القسم المختص ترجمها (لاخير في الحماية) , اختفت المعاملة حتى ادركنا السبب وامكن استخراجها ودفعها!! عن طرائف البيروقراطية يقول الكاتب: (هناك طرفة شائعة عن الدكتور عبدالعزيز الخويطر, تقول الطرفة ان عبدالعزيز كتب, بصفته وزيرا للمعارف, رسالة الى وزير المالية يطلب اعتمادا معينا وان عبدالعزيز, بعد ذلك, كتب الى نفسه, وهو وزير مالية بالنيابة, يرفض الطلب, يبدو الموقف غريبا امام الانسان العادي: ان يرفض المرء طلبا لنفسه, الا ان الكائنات البيروقراطية تعرف ان تصرف عبدالعزيز الذي تتحدث عنه الطرفة هو التصرف الاداري السليم, على الوزير بالنيابة ان يتبنى موقف الوزارة التي يشغلها مؤقتا حتى عندما يختلف عن موقف وزارته الاصلية!! وعن اطرف موقف له في وزارة الصحة يقول: (استلمت ذات يوم, رسالة من طبيب عربي يبدي فيها رغبته في العمل بالوزارة, وكان يحمل كل المؤهلات المطلوبة, الا ان الطبيب تصور ان طلبه سيلقى المزيد من اهتمام الوزير الشاعر اذا ارفق به قصيدة في مدح الوزير, كانت القصيدة ركيكة ولم يكن فيها بيت موزون واحد, كتبت الى شؤون الموظفين اوجه بتوظيف الطبيب واضفت (على ألا يكتب شعرا) بعد اسبوع قيل لي ان الطبيب يود مقابلتي, جاء, متظلما, من ادارة شؤون الموظفين التي طلبت منه ان يوقع على تعهد, وقدم لي ورقة, لم استطع ان اغالب الضحك وانا اقرأ (الاشارة الى توجيه معالي الوزير المبلغ شرحا برقم كذا وتاريخ كذا فإنني (فلان الفلاني) اتعهد بعدم كتابة الشعر مادمت اعمل في وزارة الصحة, ولو كتبت شعرا جاز للوزارة الغاء العقد..), مزقت التعهد وقلت له ان بوسعه ان يكتب ما يشاء من شعر شريطة الا يرسله لي, عندما استفسرت من الادارة جاء الرد: (لم نر وزيرا يمزح معنا من قبل!) . هذه نماذج قليلة من طرائف وقصص كتاب (حياة في الادارة) للاداري الاديب الدكتور غازي القصيبي, انه كتاب ممتع ومفيد لقبيلة الاداريين العتيدة وايضا لضحاياها المساكين!