كم تبدو جميلة هذه الـ(قاهرة)حين تعانق الفرح, يبدو الناس جميعا وكأنهم قد صالحوا انفسهم, وتبدو المدينة بكل ما فيها.. البنايات والشوارع والمآذن والكنائس وحتى الضجيج والزحام .. تبدو كلها نشوانه, والنيل يبدو وكأنه قادم من الجنة ذاهب الى الجنة بعد ان يزور جميلة المدائن ويشارك في فرحتها. القاهرة تعيش الآن حالة اكتوبر والامر يختلف عن كل الاعوام السابقة, والناس تحس ان شيئا جديدا يولد من رحم اكتوبر, وترجو ان يكون المولود الجديد هو مما تتمناه قولوا (يارب) من كل قلوبكم. الجانب السياسي والعسكري لابد انك ــ ياعزيزي القارىء ــ قد تابعته معنا ومع اجيال جديدة تعرضت للكثير من محاولات تشويه الوقائع وتزييف التاريخ, وجاء الوقت الآن لتعرف الحقيقة كاملة. ولكننا نقف امام العتاب الذي وجهه الرئيس مبارك للفنانين والمبدعين لأنهم لم يقدموا حتى الان ما يستحقه هذا الحدث العظيم كما قال في كلمته في الاحتفال باليوبيل الفضي لاكتوبر. والعتاب له وجاهته والمبدعون لديهم عذرهم.. فالذي حدث ان اكتوبر فاجأ الجميع, وبالمنطق التجاري قام منتجو الافلام السينمائية التي كان يتم تصويرها في هذا الوقت باضافة بعض المشاهد لافلامهم لتتفق مع الاحداث, وهذه الافلام (الملفقة) هي التي تعرض حتى الان لان الاحداث بعد ذلك تتالت واصابت الجميع بالاضطراب, فمن الحرب الى وقف اطلاق النار الى فك الاشتباك الى زيارة القدس, الى كامب ديفيد وملحقاتها.. اهتزت المشاعر ودخلت صراعات جديدة وبدا ان بعض الجهات الرسمية كانت تريد اغلاق ملف الحديث عن اكتوبر, وترفض ان نتحدث عن (العدو) الاسرائيلي, وكان صعبا ان يكون هناك ابداع حقيقي في هذا الطريق بل كان مستحيلا ان يكون اكثر من اغنية رديئة لمطربة مثل ياسمين الخيام تكفر عنها باعتزال الغناء واعلان التوبة, او (هلفطة) مسرحية يتصور صاحبها ان الدعوة للسلام تعني اعادة الشهداء فتكون النتيجة سقوطا ولا سقوط (المؤرخ اياه) في تزوير التاريخ! الاحتفال الابداعي باكتوبر لايأتي الا في اطار الدعوة لمواجهة العدو في كل المجالات واظن ان تجربة سنوات ما بعد اكتوبر سوف تدفع المبدعين لهذا الطريق واظن ان الاحتفال باكتوبر هذا العام كان خطوة هامة لمعالجة كل الانكسارات التي حدثت بعد نصر اكتوبر العظيم. التعبير الفني في اكتوبر هذا العام كان يتميز بأمرين ان الاحتفالية الرسمية كانت تدور حول (كفاح طيبة) المستوحاة من رواية نجيب محفوظ التي كتبها في بداياته قبل اكثر من خمسين عاما. والموضوع عن الغزاة القادمين من الشمال وكيف انتصروا ثم كيف صمدت مصر, ثم بدأت حرب التحرير من الجنوب, الرواية اخرجها الفنان نور الشريف في اول تجربة من هذا النوع, والاشارة واضحة الى (الاعداء في الشمال, والصالة كان فيها حسني مبارك وقادة اكتوبر وياسر عرفات الذي سالت دموعه وهو يشاهد العرض, ولعله يكون قد استوعب درس (طيبة) قبل ان يذهب لواشنطن! الظاهرة الفنية الاخرى في احتفالات اكتوبر, كانت فيلما عن حرب السويس قبل اربعين عاما, الفيلم اسمه (بور سعيد) وقد عرض في معظم قنوات التلفزيون في الاسبوع الماضي واعاد للاذهان ذكرى ايام مجيدة تتعرض هذه الايام لهجمة خائبة باعتبارها حربا خاسرة كما افتى نجيب محفوظ وحزب الوفد! ولا اريد ان اغرق مع القارىء في مناقشات سياسية اخرى ولكننا نتحدث عن الفيلم الذي اعاد التلفزيون المصري (اكتشافه) هذه الايام! فهذا الفيلم تم انتاجه بطلب من عبدالناصر, وتم تكليف الفنان فريد شوقي بانتاجه ولم يبخل (وحش الشاشة) على الفليم, فقد تعاون معه كل الفنانين المرموقين ايامها, وادى بعضهم ادوارا ثانوية, ولكنهم كانوا يعتبرون المشاركة في مثل هذا الفيلم شرفا يحرصون عليه وقد تم (اخفاء) الفيلم في سنوات السبعينات لاسباب مفهومة وتم اخفاؤه في الثمانينات لاسباب غير مفهومة, ولم يتم الافراج عنه الا في العام الماضي ليشكل مع فيلم (ناصر 56) ثنائية تعيد الاعتبار لفترة هامة من تاريخها. والافلام الوطنية عندنا قليلة على العموم, ومعظمها لم يحقق نجاحا كبيرا باستثناءات قليلة مازالت تعيش في وجدان المشاهد العربي مثل (الناصر صلاح الدين) و (رد قلب) و (جميلة بو حريد) . معظم هذه الافلام من انتاج الخمسينات والستينات وقبلها كان صعبا للغاية انتاج افلام وطنية لانها اذا عرضت في مصر, فلن تعرض في البلاد العربية التي كانت في معظمها تحت الاستعمار ثم انفتحت بعد يوليو 1952 الابواب امام مجموعة من الافلام الوطنية, وامام مجموعة اخرى من الافلام التي ربطت بين القضية الوطنية والاجتماعية مثل تحفة يوسف شاهين (الارض) . ولم تكتف افلام هذه الفترة بالاحداث الجارية بل عادت الى التاريخ كما حدث مع صلاح الدين و (واسلاماه) وكما حدث مع فيلم (مصطفى كامل) الذي روي قصة الزعيم الوطني الذي بزغ في بداية القرن ورحل سريعا, وقد اختار مخرج هذا الفيلم ان يقوم بالبطولة وجه جديد غير معروف سينمائيا حتى يقنع المشاهدين, وكانت البطولة من نصيب موظف كبير هو انور احمد الذي كان يومها وكيلا لوزارة الشؤون الاجتماعية ولم يقم الا ببطولة هذا الفيلم ثم اعتزل وتفرغ لوظيفته. على ان الامر تحول بعد ذلك الى مسخرة فنية على يد مخرج الروائع (هكذا كان يسمي نفسه) حسن الامام الذي حول التاريخ الى مجموعة احداث تصنعها.. الراقصات! ومن (بمبه كشر) الى (زوبة الكلوباتية) كان مخرج الروائع وزملاؤه وتلاميذ مدرسته يكتبون تاريخا مضحكا ويصنعون سينما دون المستوى. في السنوات الاخيرة اضطر التلفزيون لدخول الميدان السينمائي وبالاضافة الى عدة مسلسلات وطنية حققت نجاحا كبيرا معظمها عن حرب المخابرات مع العدو الاسرائيلي مثل (دموع في عيون وقحة) و (الحفار) و (رأفت الهجان) , انتج التلفزيون للسينما فيلما عن (معركة ايلات) وفيلما عن صمود السويس في حرب اكتوبر (حكايات الغريب) والغريب ان الفيلمين من اخراج امرأة هي المبدعة الرائعة انعام محمد علي, وقد شكل الفليمان مع (ناصر 56) ثلاثية تحسب للتلفزيون وتفتح الباب لمرحلة جديدة اظن انه قد آن الآوان لدخولها وبقوة. والملاحظ ان الكل يتحدث عن افلام المعارك الحربية الهائلة وهي افلام مطلوبة خاصة عندما يتعلق الامر باكتوبر, ولكن هذا ليس كل شىء, فالتفاصيل الدقيقة تصلح لتكون اساسا لاعمال سينمائية جميلة وتاريخ المنطقة في النصف قرن الاخير يحتاج لمئات الافلام لكي تعبر عنه. اكتوبر وحدها تحتاج لعشرات الافلام التي تصور ماجرى فيها على كل الجبهات, وقبل اكتوبر هناك الكثير من حرب 48 الى حرب السويس 56 الى حرب 67 الى الاستنزاف ومافيها من بطولات هائلة.. معركة رأس العش التي جرت بعد الهزيمة المرة في 67 بأيام تستحق فيلما او اكثر, وبناء حائط الصوارخ يجرى انتاج فيلم عنه الآن, ومئات القصص في ملحمة الصراع العربي ـ الاسرائيلي تحتاج لترجمتها سينمائيا واظن ان المناخ الجديد في مصر يسمح للبعض بالصراخ كلما بدأ الحديث عن فيلم جديد في هذا الاطار بحجة ان المبدعين الذين سيتولون الفيلم ناصريون كما حدث مع اسامة انور عكاشة عندما كلفته القوات المسلحة المصرية بكتابة فيلم عن اكتوبر! المناخ الان يختلف, ولا ذنب للمبدعين اذا التقت رؤيتهم مع رؤية عبدالناصر للصراع العربي ـ الاسرائيلي وليس ذنب مصر او العرب, ان العشرين او الثلاثين الذين يؤمنون بالتطبيع مع اسرائيل لايملكون اي موهبة, ولايصلحون الا للعمل كمندوبي مبيعات في شركة استثمارية! المناخ الان يختلف والافلام الوطنية الجميلة قادمة بلا شك والى ان يحدث ذلك اسمحوا لنا بأن نختتم الحديث فلم تبق الا دقائق ويبدأ التلفزيون في بث فيلم (مدافع نافارون) الذي انتجته السينما الامريكية عن قصة فرعية جدا في الحرب العالمية الثانية والتي يعرضها التلفزيون لضيق ذات اليد او لأننا لانملك مانعرضه في اكتوبر الا افلام امريكا عن حرب جرت منذ مايقرب من نصف قرن ومازالوا يحتلفون بها!