منذ سنوات, قدمت مؤسسة (البيان)لقراء صحيفتنا الغراء كتابا ممتعا بعنوان(المخ البشري) , نشرته أولا على شكل حلقات, ثم أعادت نشره في كتاب أصدرت منه أكثر من طبعة, نفدت كلها من السوق, حتى انني حاولت أخيرا الحصول على نسخة منه فأعياني البحث حتى وجدته بعد حين لدى صديق قديم . والفكرة الأساسية في الكتاب ان مخ الانسان, مثل أية (عضلة) أخرى في الجسم بحاجة الى (تمرينات رياضية) لكي يحتفظ بلياقته, وحتى ينشط ذاكرته فتظل دائما في حالة يقظة, والا فإن هذه الذاكرة لو تركت لشأنها بلا تنشيط فسوف تتآكل .. ويأتي عليها زمن تصل فيه إلى مرحلة (الزهايمر) ــ أي فقدان أجزاء كاملة منها والعياذ بالله. ومن بين عشرات التمرينات التي نصح بها المؤلف للاحتفاظ بلياقة الذاكرة (الكلمات المتقاطعة) . ولما كانت تجربة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان مع مرض الزهايمر مزعجة بما فيه الكفاية, ومنذرة بمصير نسأل الله أن يعفينا منه بعد ان دخل العمر في مرحلة الوقت بدل الضائع, فقد وجت نفسي تلقائيا أهتم بحل ألغاز الكلمات المتقاطعة, بعد ان كنت لسنوات طويلة اعتبرها مضيعة للوقت والجهد, وشغلة من لا شاغل له, وخاصة الجالسين على المكاتب في بعض الدواوين الذين يجدون فيها بديلا يعفيهم من النوم على مكاتبهم بعد السهر أمام التلفزيون والفيديو طول الليل. ولم أجد في ذلك أية مشقة, فإن ألغاز الكلمات المتقاطعة أصبحت بابا ثابتا في معظم الصحف اليومية والأسبوعية, بل ان بعض المطابع تصدر منها كتبا كاملة على قفا من يشيل. غير أني ما لبثت ان اكتشفت ان حل ألغاز الكلمات المتقاطعة لا يوقظ الذاكرة فحسب, وإنما هو يتيح للمرء تشغيل ذكائه والتحليق به إلى آفاق قد لا يصل إليها الضاربون بالرمل ومحترفو المندل وأبرع المحللين في أجهزة المخابرات. فأنت لا يكفي ان تعرف أو تخمن المعلومة المكونة من أربعة أحرف التي يطلبها منك واضع اللغز رأسيا أو أفقيا تحت هذه الكلمات: (مدينة عراقية) . وإنما عليك ان تتوقع ان صاحبنا شديد الإيمان بالوحدة العربية لدرجة انه يعتبر كل مدينة بالعالم العربي يمكن ان تكون عراقية أو اماراتية أو موريتانية... وعندما تكتشف ان المدينة المقصودة هي (صيدا) ستشعر بمتعة الاكتشاف مرتين... مرة لأن حل اللغز قد اكتمل, والأخرى لأنك تغلبت على (مراوغة) مؤلفه. ولكن حجة (الإيمان الزائد عن الحد بالوحدة العربية) لن تستطيع الصمود عندما تجد صاحبنا يقول عن جامايكا ــ مثلا ــ انها ولاية أمريكية, فعليك هنا ان تبحث عن حجة أخرى, تلك هي ان صاحبنا يسمي الاشياء بواقعها, وليس بمسمياتها, وإذا كانت جامايكا دولة مستقلة من دول أمريكا الوسطى, فإن كل دول امريكا اللاتينية, الوسطى والجنوبية ــ ما عدا كوبا بالطبع ــ انما هي أقرب الى ان تكون ولايات تابعة للولايات المتحدة... أو ان هذا على الاقل ما يؤمن به صاحبنا. وعليك ايضا ــ وأنت عاكف على حل اللغز من أجل انقاذ مخك العزيز من الاصابة بالزهايمر ــ ان تعترف بأن طهران عاصمة عربية... وربما ــ عملاً بحسن النية ــ ستلتمس العذر لصاحبنا لأنه لا يعتبر ولا يريد ان يتصور أي فرق بين الاسلام والعروبة, فكلنا ــ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ــ في الهم شرق. ولكن كيف ألتمس له عذرا اذا وجدته مصمما عشرات المرات على ان (لن) حرف جزم, و(لما) حرف علة؟ غير انك لا ينبغي ان تقصر حسن ظنك على (مؤلف) اللغز وحده. وانما يجب ان تضم اليه المصحح ايضا.. فعندما تقرأ (الشدم) مثلا ولا تفهم لها معنى, لملء ثلاثة مربعات عليك ان تدرك ان هنا يوجد خطأ مطبعي لم ينتبه اليه المصحح. وسوف تحتاج الى استنفار كل ملكاتك ـ وليس الذاكرة وحدها ـ لكي تكتشف ان الكلمة المقصودة هي (هشم) .. وقد يساعدك على ذلك ان الحرف الاول من المرادف المطلوب هو (ك) وان الاخير المرتبط بكلمة اخرى هو (ر) وبالتالي فان الكلمة تكون كسّر.. وان (الالف واللام) في (الشدم) حلا ببساطة محل (الهاء) .. وهنا سوف تكتشف حقيقة اخرى, تلك هي ان خط صاحبنا لا بد وان يكون متعبا بالنسبة للطباعين والمصححين على حد سواء. وعليك ان تتوقع ايضا ان الكلمة المطلوبة قد تكون (معكوسة) ونسي صاحبنا ان يشير الى ذلك بحرف (م) بين قوسين ـ وبالمناسبة هذا النسيان يتكرر اكثر من مرة كل يوم في جميع الصحف المعنية بتدريب امخاخ القراء.. وبعد كل هذا, ينبغي ان تتوقع ان يكون العمود الافقي قد حل محل الرأسي وبالعكس. او ان المربعات المنشورة اليوم لا علاقة لها باللغز المطلوب. وان اللغز وحله موجودان معا في الركن الخاص بحل لغز الامس! ومن المؤكد ان كل خطأ من هذه الاخطاء ــ الهايفة ـ يسبب غيظا كثيرا او قليلا لدى هواة حل الغاز الكلمات المتقاطعة, ولكن مهما كان حجم هذا الغيظ, فانه سوف يتبدد في اللحظة التي تتأمل فيها لوحة المربعات فتجدها كلها وقد امتلأت, واكتملت, وسوف تشعر حينئذ بانك قد انجزت عملا عظيما, لا يقل خطورة عن انجاز تحليل سياسي سليم لتوجهات نتانياهو, او مصير المأسوف على شبابه بيل كلينتون.