مقالات ست يروي فيها جابرييل جارسيا ماركيز انطباعاته عن كوبا, رحلته الأولى ابان الثورة, هافانا في زمن الحصار, ذكرياته وآراؤه في شخصيات ثلاث, القائد الكوبي فيدل كاسترو ثوريا وقائدا وصديقا, وصورتي همنجواي وجراهام جرين في كوبا كمكان . يغلي سرد ماركيز المعروف بالانفعالات والتعبير والصور الشعرية والطرافة, رغم الطابع الاخباري الصحفي لمعظم مقالات الكتاب, يحول الوقائع إلى أساطير ويدمج الذاتي الخاص بالموضوعي العام محللا ومفككا وناقلا العادي إلى سدة المدهش. رحلة ماركيز الأولى ابان انتصار الثورة الكوبية 1959 كانت في طائرة عتيقة جاوزت الحمولة المسموحة لكثرة الصحفيين المتطوعين, كانت (تطير متلمسة طريقها بقوة أنفاس قلوبنا المرتعدة وحدها). في المقالة القصيرة رواية لأكثر من حدث وشخصية وذكرى. لقد فرت أسرة دكتاتور فنزويلا قبل سنة فرارا تراجيديا وكوميديا في آن التجأت أسرته في دبابة إلى إحدى السفارات الأجنبية بعد انقلاب غريب ومدهش. انقلاب بزمامير السيارات وصفارات انذار المعامل ورنين أجراس الكنائس.. فر الدكتاتور المذعور ليصل بسيارة أجرة إلى طائرة بدون سلم (وفي أثناء عملية التسلق الشاقة نسي على الأرض حقيبته اليدوية, كانت حقيبة من جلد أسود حمل فيها المبلغ الذي قدر انه سيحتاجه كمصروف جيب مستعجل: ثلاثة عشر مليون دولار نقدا من ورق البنكنوت. أما في كوبا فقد سقط ديكتاتورها (باتيستا) بانتفاضة فلاحية نقلت كوبا من ماخور فضائحي للفريتفو الأمريكي إلى قلعة للثورة والصمود في وجه الحصار. في سنوات بداية الثورة, كانت كوبا مملكة للارتجال والفوضى وبدا للناس انهم قادرون على دحر الحصار باطلاق الهتافات والرصاص في الهواء.. لكن الارادة تغلبت على القوة فعند وقوع أزمة أكتوبر الذي أقر فيه نظام التقنين وقفت غالبية الشعب في حالة استنفار كامل وقد قالت عاملة هاتف في نيويورك لزميلة كوبية انهم خائفون جدا في الولايات المتحدة مما يمكن أن يحدث. فردت عليها الكوبية بالقول: نحن هنا في غاية الاطمئنان فالقنبلة الذرية لا تسبب آلاما في نهاية المطاف. وإذا كان الاغريق قد اخترقوا طروادة المنيعة بحيلة الحصان الخشبي الشهير فإن الأمريكيين حاولوا اختراق كوبا بحيلة أكثر خبثا, زجاجة الكوكاكولا, التي أدمنها الكوبيون. وشاع انها تحتوي على الكوكايين. وان من يشربها في ساعة الصباح يتعرض إلى الادمان, وتقول أسطورة ان شخصين فقط في العالم كانا يعرفان المعادلة السرية للشراب وانهما لا يسافران معا في الطائرة نفسها على الاطلاق. تشي جيفارا بحسه السياسي المذهل اكتشف الحيلة الرأسمالية, فهي ليست في الشراب بحد ذاته, إنما في شكل الزجاجة وبصفته وزيرا للصناعة فكر باتلاف القنبلة التي اسمها (كوكاكولا) , لكنهم عرفوا انها ثورية زائدة عن الحد. فلن تستطيع معامل كوبا تعويض الزجاجات في سنوات. وكان تقليد مشروب الكوكاكولا, ما يشبه ثورة ثانية. أطلق عليه اسم مرطب الكولا. الصيغة الأولى التي ذاقها تشي جيفارا كذواقة محترف قال عنها بجدية: لها طعم البراز.. لكنه في التلفزيون كان أكثر تهذيبا وقال: لها طعم الصراصير.. أو ربما تغير طعم المشروب في المرة الثانية وراجت طرفة في الشارع تقول ان كل زجاجة من شرابهم الثوري لها مذاق مختلف عن الأخرى.. وهذا ما يجعله المرطب الأكثر أصالة في العالم.