تفتح مصر ابوابها بحذر على ماضيها الملكي بعد محاولاتها الجادة خلال السنوات الخمسين الماضية محو اثار الملكية التي حكمت مصر لفترة طويلة من الزمن, فقد اعيد الاعتبار الى نصب تمثال الخديوي اسماعيل الذي عاد الى مكانة في ميدان الاسكندرية , وكان الخديوي اسماعيل حكم مصر في القن التاسع عشر بعدما حصل على لقب الخديوي من الامبراطورية العثمانية, ورممت القاهرة اخيرا غرف القصر الملكي في عابدين الذي غطاه الغبار والخراب منذ ثورة يوليو العام 1952. عاشت مصر عصرها الذهبي خلال حكم سلالة محمد علي التي استطاعت في فترة تقارب نصف قرن (1804 ــ 1860) ان تنقل مصر من العصور الوسطى لتصبح احد اكثر بلاد عالم تطورا في تلك الفترة من الزمن. الامير حسن عزيز حسن ينحدر مباشرة من سلالة الخديوي اسماعيل, وهو نفسه حفيد محمد علي مؤسس السلالة عمر الامير حسن يناهز الستين عاما ويعيش حياة تسودها التحفظ والسرية في القاهرة. هوايته الرئيسية الرسم ويمارسها برغبة داخلية يعبر بها عن نفسه واحساساته وافكاره, وفي الحقيقة لايعرض الامير حسن, الفنان المنطوي على نفسه, لوحاته الا نادرا وذلك اذا نجح اصدقاؤه في التغلب على خجله. لوحاته, التي يتباهى بحيازتها عدد قليل من هواة ومحترفي الفن الذين وقعوا في حب اسلوبه في الرسم, معلقة على جدران في بيوت وقصور اثرياء في بلدان عدة منها بريطانيا والولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا, اسلوب رسمه مزيج من الشاعرية والموسيقى, ولوحاته الزيتية غير الرسمية هي يوميات خاصة يتحدث من خلالها الامير حسن عن قصته بالالوان, منها القاتم الاسود والصارخ المتفجر وبالاشكال الضخمة احيانا والخطوط التي تظهر بملايين من ضربات الفرشاة احيانا اخرى. يعيش عزيز حسن حياة متواضعة ولايزال يحيط به اثاث القصر حيث تجد قطعا مذهلة من تصاميم القرن السابع عشر العثمانية وهي ما كان يميز القصور الملكية في اوج مجدها. ورغم ذلك فان الامير عزيز حسن لايشتكي او يتذمر, هذا الرجل الذي كان يتمتع بحرية العيش العام 1950 في اي مكان يرغب به وببذخ كبير, اختار الوضع القائم بفلسفة استثنائية, ويقال انه يكتسب هدوء وسكونه من مواهبه الفنية المتعددة, موهبة الرسم والموسيقى التي جعلت منه عازف بيانو ماهرا, واتاحت له فرصة التعبير عن نفسه بشفافية, كتاباته في مذكراته للماضي (ألبوم العائلة, مصر 1804 ــ 1952) فيها حنين الى الماضي وتظهر صورا براقة لقرن ونصف من الحياة المصرية في عهد الملكية, وعند قراءتها يشعر المرء ان هذه العائلة الملكية غير المعروفة ــ المقدونية الاصل ــ احبت مصر لدرجة تحالفها مع معركة البلاد للاستقلال عن الامبراطورية العثمانية. (كانت الحرب العالمية الاولى سبب نفي ابي الى اسبانيا حيث التقى اميرة اسبانية وتزوجها لتصبح والدتي, اوضح الامير حسن في مقابلة معه مؤخرا (لقد اجبرت السلطات البريطانية الامير عزيز الذي كان وطنيا متحمسا, على نفيه الى الخارج, فاختار الذهاب لاسبانيا البلد المحايد الذي اختاره فيما بعد مصريون آخرون اعتبرتهم سلطات الاستعمار البريطاني اشخاصا (غير مرغوب بهم) واضاف تقبلت العائلة المالكة زواج حفيد محمد علي من فتاة اسبانية جميلة, ولكن بعدما توفي الامير عزيز فقد حسن واخوته رعاية والدته الاسبانية لترعاه عماته ذوات الدم الملكي الرافضات للزواج غير المتكافىء. وأوكل الى الاميرة نعمت مسؤولية رعاية حسن. ولا يزال الامير يحن لمنزلها حيث امضى جزءا من طفولته وبداية سنوات مراهقته. وكتب الامير في مذكراته: (عندما قررت الاميرة نعمت العيش في مارغ (احدى ضواحي القاهرة الشمالية), كان قصر مارغ مكانا للصيد, وكان جزء منه صحراء والجزء الاخر مستنقعا. وامام منزلها المبني على هضبة منطقة طبيعية. كانت هناك ست نخلات انبثقت من الرمال) . ووضع حسن بداية في عهدة معلمين يتكلمون اللغة الانجليزية. وتعلم منهم عجائب تركيا واليونان. ثم ذهب حسن للدراسة في مدرسة في بريطانيا. (كانت تجربة وصولي لبريطانيا غريبة اذ شعرت كأنما عشت هناك من قبل وبدا لي كل شيء اليفا) , الناس, الشوارع, اماكن معينة,رائحة المدن, الهواء.. احببت تركيا واليونان ولكنني شعرت انني في موطني في بريطانيا) . يتكلم الامير حسن عدة لغات اضافة للانجليزية ويرجع تكلمه لعدة لغات الى ان لغة المستعمر البريطاني لم تكن محببة. ففي قصور طفولته تكلم اللغة الفرنسية والتركية حيث كانت اللغة الانجليزية لغة المحتل. تلقي مذكرات الامير حسن الضوء بشكل مختلف على احداث فسرتها كتب التاريخ. مثل ذلك قصة سقوط الخديوي اسماعيل التي تحدثت عن (جنونه وبذخه) . (لا أرى كيف يمكن لي ان اقبل هذه النظرية السهلة والمريحة مع الاخذ بعين الاعتبار مدى تعقيد الوضع حينئذ) , لاحظ الامير حسن. (ففي ذلك الوقت من انتصار الامبريالية, لم يكن هناك حدود لطمع الدول العظمى, وكان اسماعيل شخصية قوية وعنيدة. ولم يكن هناك خيار غير اسكاته او قتله بعد ان اصبحت دولته مصر بقناتها (السويس) وامبراطوريتها الافريقية مهمة لدرجة كبيرة) . الامير حسن كتوم ولطيف ولا يتحدث تلقائيا عن نفسه ولكنه يرتاح مع زائريه كما يرتاح مع جيرانه. ملابسه متناسقة. سترة من صوف التويد الانجليزي القاتم, وقميص قطني, وحذاء مخملي قوامه القصير القوي مألوف لسكان منطقته, وبمرور الايام, تبدو الوحدة أكثر جاذبية له. القاهرة ــ كاتيا ثابت