جلس الدكتور طه حسين هادئا مطمئنا داخل الجدران المعزولة الصوت في استديو التسجيل. أرهف الاستاذ العميد السمع مشوقا ولا شك الى ان(ترتشف)أذناه الحدث المرتقب : لم يكن طه حسين يستعد لسماع محاضرة اكاديمية عن الشعر الجاهلي, ولا للمشاركة في ندوة نقدية علمية حول لزوميات (أبي العلاء) لقد جاء صاحب (الايام) وكان ايامها في أوج تألقه الفكري والادبي ــ جاء مستمعا, فقط أو جاء متلقيا وحسب... كان ذلك في مستهل عقد الاربعينات وبالتحديد في عام 1941 حيث اكمل طه حسين عامه الثاني والخمسين... وبعد ان اطمئن في مجلسه... فتحوا الباب و... دخل الى باحة الاستديو... محمد عبد الوهاب. كانت المناسبة هي تسجيل انشودة (الجندول) وكانت حدثا فنيا بارزا اضيف الى ألبوم الاعمال الشوامخ ــ كما نسميها ــ من ابداعات عبد الوهاب ملحنا ومطربا على السواء. لا نكاد ندري ما هو السبب الذي دفع طه حسين الى قبول دعوة المطرب الكبير, ولا السبب الذي دفع عبد الوهاب لتوجيه الدعوة الى عميد الادب كي يشهد تسجيل قصيدة هي من عيون الشعر العربي المعاصر, واي ذوق رفيع جعل عبد الوهاب يتخير القصيدة وقد نشرها صاحبها علي محمود طه بمطلعها الشهير: أين من عيني هاتيك المجالي يا عروس البحر, يا حلم الخيال أين عُشاقك سمّار الليالي أين من واديك يا مهد الجمال والحق نقول ان المرء يكتب عن حوليات ذلك الزمان, وربما العقود الثلاثة او حتى الاربعة التي تليه... فيما يظل القلم في حال من التوقير بل والخشوع, ناهيك عن شعور ممض هو مزيج من الدهشة والآسى بل والحسرة على ما آل اليه خط الهبوط الى درجة السوقية في فن الغناء والموسيقى في امة العرب, وقد نسترجع في هذا الصدد... ولو على سبيل التكرار, قولة عمنا الكبير عبد الرحمن بن خلدون: ان اول ما يفسد عند انهيار الحضارات ــ هو صناعة الغناء... والحاصل ان عبد الوهاب, بذوقه الراقي وموهبته الذكية... اتصل بالمهندس علي محمود طه... الشاعر المنتمي الى مدرسة (أبولو) الشعرية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في محيط آداب العربية منذ عقد الثلاثينات واستطاعت مع شعر المهجر, ان تنقل الذوق الشعري العربي من عصر الكلاسيكيات ــ والتي ازدهرت على يد شوقي وحافظ وخليل مطران وقد تخرجوا بدورهم من مدرسة رائد الشعر الكلاسيكي في نهضتنا الحديثة محمود سامي البارودي ــ الى عصر ما وصفه يوما استاذنا الدكتور محمد مندور بأنه الشعر المهموس: شعر خافت النبرة... هامس العواطف... لا يعنيه السبك التقليدي او الصياغة الخطابية... قدر ما يقصد الى التعبير عن هواجس النفس وعن روح الشاعر وادق خلجاته وحميم مشاعره... تعجب ايضا, كيف تأتي لعلي محمود طه وهو خريج مدرسة الهندسة التطبيقية ان يجمع بين وظيفته مهندسا في مصلحة التنظيم وقد كانت تتولى مهام البلدية من رصف للشوارع وتعبيد للطرقات وصيانة لمرافق المجاري. (وقد خلعوا عليها ــ من باب الدلع ــ لقب الصرف الصحي) وبين ذلك الشعر البالغ الرقة والمفعم بحلاوة النغم والروح الرومانسي على نحو ما يتجلى في دواوينه الثمانية واشهرها ديوان (الملاح التائه) وديوان (الشوق العائد) وابرز ما فيها نفحاته الشعرية التي سجل فيها (ليالي فينسيا ــ مدينة البندقية الساحرة في ربوع ايطاليا وقد غنى له عبد الوهاب ــ على ما تعلم ــ قصائد (كيلوباترا) وانشودة فلسطين (أخي جاوز الظالمون المدى) الى جانب انشودة (الجندول) التي شهد تسجيلها ــ كما ألمحنا ــ الدكتور طه حسين. و(الجندول) لها تسجيلان احدهما على اسطوانة تجارية سجلها عبد الوهاب لزوم الرواج والاموال طبعا لحساب شركة كايروفون وقد فرضت عليه قيود الاسطوانة بوقتها المحدود ان يمارس نوعا من الاختصار والتكثيف في اداء الاغنية (18 بيتا من الشعر و6 مقاطع يختم كل منها بمطلع القصيدة او مذهب الاغنية كما يقول الموسيقيون) . أما التسجيل الآخر وقد اداه عبد الوهاب لحساب الاذاعة المصرية فيكاد يكون النسخة التي اعتمدتها وأنست الى ايقاعاتها الاذن العربية المعاصرة جيلاً من بعد جيل. مترع هذا بكل فنون الطرب العربي عند نقطة متألقة من ذرى تطوره ونضجه: هو نغم مثقف استلهم اعمالا من ابداعات الغرب ولكنه ظل واقفا في صمود العارف على ارضية التراث الموسيقي الأصيل البليغ يتحدد عبر الحقب من ايام معبد والغريض والموصلي العراقي وزرياب الاندلسي وحتى ايام القباني في الشام والحامولي وعثمان وسيد درويش في مصر. هذا هو التسجيل الذي تم على ما تعي الذاكرة في استوديوهات علوي باذاعة القاهرة... وشهده الدكتور طه حسين. لم يكن القوم ايامها قد اخترعوا سبل الاعادة او المونتاج في فن التسجيل الصوتي... بل كانت الشرائط ايامها, وتسمى شريط ماركوني, عبارة عن كتلة من رقائق الصلب الممغنط, ثقيلة الوزن ولا تقبل الترجيع او اعادة التسجيل... تؤدي (نمرتك) مرة واحدة, وإن اخطأت فعليك ان تبدأ وتعيد من اول... وجديد كما يقولون فما بالك ــ اعزك الله ــ وانت بازاء فرقة كاملة من الموسيقيين الذين يشاركون المطرب في اداء العمل الفني المطلوب... لا كمجرد مصاحبين بل هم جزء لا يتجزأ من المعمار الموسيقي المكتوب... وكان ذلك تجديدا واضافة مبدعة من موهبة عبد الوهاب الذي عمد الى كتابة مقدمات موسيقية لاغنياته الكبرى كي يعزفها الموسيقيون على انها افتتاحيات للعمل الفني وليست مجرد تمهيد لدخول المطرب في الاداء... ثم عمد الى استخدام جوقة المنشدين لا كمجرد سنيدة او (بطانة) للمغني الفرد... ولكن كان لهم دورهم في الاداء الكورالي المتميز ضمن مفردات العمل الفني على نحو ما قدمه عبد الوهاب في انشودة اخرى لمهندس التنظيم علي محمود طه... وهي (كليوباترا) . هكذا كان التسجيل يتم دفعة واحدة بغير توقف او مراجعة... ولك ان تتصور كم من الجهد المبذول في بروفات وتجارب ما قبل التسجيل... وكم من التوتر العصبي المبهر يسود المكان خلال انجاز الاداء, فما بالك ان يضاف الى هذا الهم العظيم وجود استاذ اساتذة الادب... وقد عوضه الله سبحانه عن كف البصر بضوء البصيرة وسعة العلم ورهافة الحس ودقة السمع ودربة الايقاع. لا عجب ان كان عبد الوهاب ينشد ابيات (الجندول) الجميلة الفصيحة وعينه لا تكاد تفارق وجه الدكتور طه حسين كأنما كان يقرأ التعبيرات... والحركات وردود الفعل والايماءات... وقد اجاد عبد الوهاب قراءتها فعلا... فها هو يفاجأ بوجه طه حسين وقد علته مسحة تجهم كأنما اصابته لسعة هوام. كان عبد الوهاب يؤدي منتشيا البيت الذي يقول: انا من ضيع في الاوهام عمره نسي التاريخ او أُنسى ذكره ولعل طه حسين كان يشاركه النشوة حين كان الصوت الرخيم, الدقيق النبرات في حال من الترجيع بايقاعاته الجميلة لشطره (انا من ضيع في الاوهام عمره) فيما يشبه الموال... انيقا ومذهبا وعصريا في ان... بعدها انتقل عبد الوهاب الى البيت التالي: غير يوم, لم يعد يذكر غيره يوم ان قابلتٌُه اول مرة وحدث ان نطق عبد الوهاب لفظة (قابلته) بفتح التاء وكان ذلك خطأ في ضبط التشكيل اربدت له فجأة سحنة طه حسين, في لحظتها ادرك (سي محمد) الخطأ الذي حدث... فما كان منه الا ان اسرع يعيد غناء البيت وينطق لفظة (قابلته) بضم التاء على سبيل التصحيح... ورغم انفراج اسارير الدكتور طه... الا ان شريط الاغنية... مازال يسجل هو اللحظة.. ما بين الخطأ والصواب ويسجل ايضا ــ للتاريخ ــ ان عميد مثقفي امتنا لم يتورع يوما ان يشهد تسجيل اغنية... مجرد اغنية ومثله كان يعلم ولا شك ان صناعة الغناء ــ محض الابداع الموسيقي ــ لها شأنها الجليل في ازدهار الحضارات, ترتقي بنبضتها وقد تفسد بكبوتها... و... رحم الله عبد الرحمن بن خلدون.