اطلالة جمعية الامارات للفنون التشكيلية الاولى لهذا الموسم جاءت مع الفنان العراقي فائق العبودي الذي افتتح معرضه الشخصي الثاني مساء امس الاول بمقر الجمعية بالشارقة, ويأتي هذا المعرض بالنسبة للفنان بعد تجربته الفردية الاولى عام 1996 ومجموعة من المعارض والمشاركات الجماعية . وعندما نقول ان هذا المعرض هو التجربة الفردية الثانية للفنان فهذا لا يعني اننا امام اعمال وتجارب عادية يمكن المرور امامها دون ان تلفت الانتباه وتقدم اشارات واضحة المعالم الا ان فائق العبودي فنان موهوب يحمل في تجاربه رؤية ابداعية ومناخات بصرية يسعى لتجسيدها والتعبير عنها وفق جملة من الاختزالات والمزاوجات الرمزية والخوض في غمار العوالم التجريدية والتعبيرية باستحياء المجرب والباحث عن خصوصية ما تمثل ما يدور في اعماقه. فائق العبودي من اولئك الفنانين الذين اسرهم التاريخ واستوقفتهم الخصوصيات الحضارية بكل مافيها من ابعاد واعماق واوجه متعددة يمكن التأمل فيها والخروج بنتائج مثيرة, ولذلك فان الاستغراق في عوالم الرموز الحضارية هو السياق الموضوعي الذي يجمع بين عموم اعمال الفنان وفق استحداثات وتوليفات بنائية وايقاعية تحاول ان تعيش الحداثة واللحظة الراهنة دون قطعها عن حيوية الاستمرارية وحركة الزمن الذي لا يتوقف. ثمة قراءات واضحة المعالم يقوم بها الفنان لتراثه وموروثه الذي يحاول ان يضع منه عالما جديدا متداخل العناصر والمفردات, ومن عالم الموروثات هذا تنهض اللوحة لديه متمسكة بخصوبة الرمز والايحاء مفتوحة على لعبة الدلالة التي يوظف فيها جملة من التفاصيل المتناغمة حينا والمتعارضة حينا آخر وتظل الغاية النهائية تجسيد بيئة العراق التي ينتمي اليها الفنان ويحاول ان يعيشها وان يتقمصها لونا وكتلة وفراغا. يركز الفنان في تجاربه على جملة من الصياغات الجديدة للمفردة التراثية التي يحاول رصدها والتعبير عنها, يؤسس لها خلفيات لونية صلبة, يبني عليها اشكاله العضوية والهندسية دون ان يجعل من اللوحة تصل الى حالة مستقرة او نهائية, وكأنه بذلك يريد ابراز كل مفردة على حدة ومنحها حالة من الخصوصية تمثل مرجعيتها الحضارية الاكادية البابلية وغيرها من الحضارات التي يستمد منها العبودي عوالمه. وبالرغم من ان اللوحة لديه توحي بوجود بنية شديدة التماسك الا ان هذا التماسك لا يقوم على التداخل اللوني والشكلي والموضوعي, بل من خلال ايقاعية واضحة وجدلية موسيقية تمنح التجربة ذلك التدفق والتجانس الذي يجمع الجرئيات المتعددة في سياق واحد, غير ان هذه الاعمال لا تخفي تلك الشحنات العاطفية العفوية التي يعيشها الفنان لحظة التجربة, ولا تغيب تكويناته البدائية التي يخضعها الفنان على مايبدو لرؤية واعية وطقوس تجعل من حيوية وجدلية عناصرها, دلالة على حيوية وخصوبة مرجعيات هذا الفنان التي تضع عينا على الآوابد التاريخية وعينا اخرى على عوالم الحداثة ومتعة التجربة والمغامرة. تطرح اعمال هذا الفنان سؤالا ملحا حول علاقة المبدع بالمكان ومايترتب عليه من تراكمات في الذاكرة الواعية التي لا تسقط في شرك الجماليات السطحية بل تمشي باحثة في كوامن الجمال ومواقع الادهاش البصري والدلالي, ولذلك نجد في اعمال العبودي حالة من الانتقائية المتصرفة التي تخضع مفردات المكان لسطوة الزمن المتجدد والمتغير والتي لابد ان تقضي الى حالة شبه عدائية بين الكتلة الثابتة والابعاد المحيطة بها التي تمثل بشكل من الاشكال الزمن والسياق المتحرك والمتجدد. احجام لوحات هذا الفنان صغيرة ومتوسطة, وقد تكون هذه الاحجام التي يعتمد عليها ساعدته كثيرا في ضبط عناصره ومستويات اللوحة بصورة عامة وجعلته قادرا على تحديد ابعاده اللونية والشكلية غير ان من يتملى في هذه التجارب لابد ان يلحظ مشكلة الضوء الذي لا يأخذ حقه بالتفاعل مع اللوحة, اضافة الى ذلك الزخم الرمزي غير المقنع في بعض المواقع الا ان التجربة بحد ذاتها مثيرة وتستحق التأمل مليا للاحاطة بها وبعوالمها. تجارب فائق العبودي غنية وخصبة تبحث وتتأمل, غير مسترضية لبساطة الايحاء, تزاوج بين العفوية والصرامة, التدفق والتحكم, تنظر في اللحظة تجردها من شوائبها وتعقد بينها وبين مرجعيتها التاريخية مقاربات جمالية وفكرية لتصبح اللوحة حالة بحثية لفنان لا تزال لديه الفرصة ان يتابع التجربة بكل مافيها من جرأة وخصوصية وصعوبة. كتب حازم سليمان