يحس الناس فضولاً شديدا, ازاء مكتبة الكاتب. بعض اصدقائى من غير الكتاب لديهم مكتبات مثيرة. وأحدهم لو باع مكتبته ربما وصل ثمنها الى ملايين الدولارات. ولكن رغم ذلك لا يهتم بمكتباتهم أحد . وينصرف اهتمامهم الى الكتاب. والاحظ ان كل من يزورني يتفرس في المكتبة ويقول شيئا يختلف عن الآخرين. بعضهم يقول بدهشة:هل قرأت كل هذه الكتب؟ وبعضهم يقلب شفتيه ويقول: ظننت ان مكتبتك تكون أكبر من هذا. ومحمود حميده مثلا راجع الكتب صفا صفاً وكان له عشرات التعليقات واسامه عباس تظن انه يعمل في الصليب الاحمر يأتيك بكتاب ليأخذ مقابله, كما لو كانت المسألة تبادل اسرى. وعندما زادت المكتبة واضطررت الى نقل جزء منها الى شقة في مدينة 6 أكتوبر اعترضت الخادمة لانني انقل كتبا جميلة المنظر, وابقي كتبا ليست في جمال الاولى. وقلت للخادمة انه لا توجد علاقة بين جودة الكتاب وفخامة منظره. وانني ابقي الكتب الجيدة والتي احتاجها قريبة مني. وابعد الكتب التي اظن اني لن اعود اليها ولو في الشهور المقبلة, حتى لو كانت هذه الكتب مصقولة لامعة. وبالطبع لم تقتنع بما قلت. وهكذا اصبح لدي مكتبتان. ومن قبل كان لدي اكثر من مكتبة اضاع الزمن احداها. وبدد التتار الجدد احداها. والتتار الجدد هم شباب العائلة الذين انتهزوا فرصة سفري للعمل في الخارج ونهبوا المكتبة ولما عدت وجدت المكتبة الكبيرة خاوية على عروشها, وليس هناك الا بعض الكتب ملقاة على الارض واحيانا تحت المقاعد. ورغم صدمتي الشديدة, وحزني الكبير, الا انني واسيت نفسي بان هؤلاء الشبان اخذوا الكتب ليقرأوها. ولكن بعد سنوات طويلة اتحدث مع هؤلاء الشبان فاتيقن انهم لم يقرأوا كتبي التي نهبوها. واظنهم باعوها بارخص الاسعار. وفي كل المكتبات التي كونتها منذ ان كنت طالباً في المدرسة حتى الآن, اجدني حريصا جداً على تجميع الخرائط. ويثير هذا دهشة البعض احيانا. فالمكتبة من وجهة نظرهم هي الكتب فحسب, اما انا فأرى ان الخرائط واللوحات والتماثيل هي جزء من المكتبة. ولا ادري سببا لانشغالي بالخرائط سوى انني ارى انها جزء من الثقافة العامة. ويحدث كثيرا ان اقرأ خبرا في صحيفة, فيحيلني هذا الى الخرائط ابحث فيها. واحيانا أقرأ الخرائط كما لو كنت اقرأ كتابا. ولذلك تجد لدي مجموعة كبيرة من (الاطالس) ولعلها الجمع الصحيح لكلمة (اطلس) . وعندما اعرف ان كاتبا يهتم بالخرائط يسعدني هذا كثيرا. وما اظن ان الكثيرين من الكتاب غير لويس عوض واحمد بهاء الدين كانوا يهتمون بالخرائط. وفي الاسبوع الماضي حدث ما جعلني احدثك في هذا الموضوع, وابدأ بهذه المقدمة الطويلة, والتي تبدو ذات بعد شخصي كنت اجمع معلومات عن حصار (الفالوجة) في حرب 48, ولا يسبق احد من اصدقائي فيقول ان جمع هذه المادة تمهيد لكتابة فيلم او مسلسل, فانا من هواة جمع معلومات عن موضوعات بعينها لن اكتب في بعضها بالتأكيد. وقد احدثك ذات يوم عما جمعته عن المذاهب والفرق الاسلامية خلال ربع قرن من الزمان. رغم انه ليس في ذهني ولم يكن في يوم من الايام كتابة عمل في هذا الموضوع. المهم انني كنت اجمع معلومات عن حصار (الفالوجة) عندما اكتشفت النقص المعيب في المعلومات, رغم اهمية الحدث. والحكاية بسرعة لمن لا يعرفون ماحدث واشك انهم يقرأون هذه الزاوية! انه في عام 1948 اكتملت مؤامرة مقصود بها وضع اسفين في قلب الوطن العربي يتمثل في اقامة دولة اسرائىل التي سارعت الدول الكبرى بالاعتراف بها, واغداق المساعدات عليها, والتبرع لها, ولا اذكر الآن هل كان شعار جمع التبرعات الشهير قد وجد ام انه وجد بعد سنوات, وكان هذا الشعار: ادفع دولاراً تقتل عربياً! والقضية ان سيناريو اقامة الاسفين موضوع بدقة, والتقت فيه مصالح الدول الكبرى التي بدأت تدرك اهمية البترول الذي حسم معركة العلمين, وهزم اعظم قوادها: روميل, مع المهووسين الصهيانية الذين سحرتهم قصص شعبية حول اقامة وطن كانوا يريدون اقامته في سيناء فلما فشلوا قرروا اقامته في الارجنتين ثم كان من سوء حظ فلسطين ان اختاروا مع القوة العالمية هذا البلد, ومع اقامة دولة اسرائيل تحركت الجيوش العربية الى فلسطين, بعضها دون استعداد للحرب, وبعضها للمشاركة في الاستعراض, وبعضها لانتزاع قطعة من الكعكة, وبالتالي فلقد منيت هذه الجيوش بالهزيمة. وفي (الفالوجة) حوصرت كتيبة من الجيش المصري, ولم تبد هذه احدى الهزائم, فلقد قاومت الكتيبة الحصار ورفضت الاستسلام وشنت هجمات معاكسة, حتى اصبحت حلم الشارع العربي واصبح قائدها السيد طه البطل الذي ينادي باسمه الناس, واسموه (الضبع الاسود) وحتى الآن هذا الاسم اشهر من اسمه الحقيقي. وكان رئيس اركان حرب هذه الكتيبة الصاغ (الرائد) جمال عبدالناصر, واصيب في قتال الفالوجة برصاصة ومن يقرأ تاريخ جمال عبدالناصر يرى ان احد مفاتيح شخصيته الرئيسية هي حرب (الفالوجة) ان لم يكن المفتاح الرئيسي خاصة فيما يخص ثورة يوليو, فلقد تيقن عبدالناصر في تلك الفترة ان الحرب مع اسرائيل تتطلب اولا مجتمعا متحضرا يعتمد على الصناعة, وان زمن عنترة العبسي قد انتهى فالحروب الحديثة لاتحسمها الشجاعة, بل العلم ووصل الى ان اسقاط النظام المصري هو الخطوة الاولى في الطريق وكانت الفرصة مهيأة, فعندما تكون ممسكا بمدفعك محاصرا جيشا معاديا تستطيع ان تتحدث مع اي زميل دون حرج واتمنى ان اتابع او ان اجد من يتابع عدد الضباط الذين تحدث معهم جمال عبدالناصر في هذه الفترة عن حلمه بتغيير النظام وبعد انتهاء الحرب عادت الكتيبة, فعاملها الجميع على انها منتصرة وظلت لسنوات طويلة قصة ظافرة, ورغم ذلك لم يلفت نظر الناس انذاك اسم جمال عبدالناصر ويبدو انه لم يكن يسعى لهذا, وانه كان يتوارى بعيدا عن الاضواء, واعجب الناس بالسيد طه او الضبع الاسود حتى حلموا بان يكون قائد الجيش. وكان اول ما فعلته انني اتصلت بمؤسسة (الفالوجة) الاعلامية او على الاصح باحد مؤسسيها لانها اغلقت ابوابها, فاعتذر قائلا انهم اتخذوا اسم المؤسسة فقط من (الفالوجة) لكنهم لم يهتموا بجمع معلومات عنها. واثناء جمع المعلومات وهي مسألة مضنية في عالمنا العربي, اشار صديقي المتفائل الى (الانترنت) ولما كنت من عصر ما قبل (الانترنت) فلقد سمعته في حياد. وطال بحث صديقي ثم عاد مصفر الوجه: لم تعد هناك منطقة اسمها الفالوجة! المسألة ببساطة ان اسرائيل خلال خمسين عاما من احتلال فلسطين محت من على الخريطة 418 مدينة وقرية فلسطينية, ازالتها من الوجود واقامت بدلا منها مدنا ومستعمرات يهودية. نعم 418 مدينة وقرية فلسطينية ازالتها اسرائيل ومازلنا نقف بابواب الجامعة العربية ومجلس الامن والبيت الابيض! خريطة سوداء عليها 418 نقطة كل نقطة فيها تغز القلب فتدميه, وتتحول الخريطة لاول مرة الى وحش يفترس عقلك ومشاعرك. وتفتش عن (الفالوجة) حلم الصبا, والمكان الذي رسم فيه جمال عبدالناصر الامل العربي, ورمز الصمود ضد العالم واسرائيل, فلا تجد غير نقطة صغيرة في الجنوب تحت رقم 397. رقم بلا معنى, ولا يلفت النظر, ولا تستطيع حتى ان تتذكره بعد ان تطوي الورقة. وهكذا يحرقون تاريخ امة, فلا يبقى منها سوى ارقام لاتعني شيئا, ترى اكان هذا هو السبب في انني منذ الصبا تشبثت بالخرائط. ولو انني كنت املك مخاطبة كل الامة لدعوت كل شخص لان يحتفظ بخريطة عليها كل القرى والمدن, وان يطالعها كل صباح ومساء, ففي عصر يضيع فيه كل شيء, علينا ان نتشبث بالقشة الاخيرة: الخرائط!