استهلت ندوة الثقافة والعلوم موسمها الثقافي الثاني عشر بمحاضرة ثقافية حملت عنوان (الوحدة في الشعر)ألقاها الدكتور عبدالله الطيب وقدمها بلال بدور أمين سر الندوة بحضور عدد كبير من المهتمين بالشأن الثقافي . وجاءت هذه المحاضرة لتناقش موضوعا حساسا وشائكا يتعلق في ذلك الرابط والمتن الذي تقوم عليه القصيدة والشعر بصورة عامة ولا يزال النقاد يختلفون حولها حتى يومنا الحالي, وقد اتسمت هذه المحاضرة بالتوسع الشديد والموسوعية التي عالج فيها المحاضر الموضوع إلا انها وبصورة عامة قدمت لنا قراءة موضوعية بحثية في وحدة الشعر مركزة على الشعر العربي بشكل خاص. د. عبدالله الطيب أشار في مقدمة حديثه إلى ان موضوع المحاضرة من المواضيع الفضفاضة والتي تتشعب كثيرا ويطول الحديث عنها إلى ساعات وأيام, متوقفا بادئ الأمر عند كلمة (وحدة) والتي اعتبرها المحاضر أعجمية المنشأ وقد أدخلها العرب وخاصة في العهود الحديثة إلى حيز الاستخدام دون أن يدركوا انها لا تعبر عن موضوعها كما هو الحال عليه عند استخدامها في اللغات الأجنبية وتحديدا في سياق الحديث الوحدة في الشعر. الا ان المقصود من استخدام مفردة (الوحدة) هو الاشارة إلى اتحاد الكلام من أوله حتى آخره وقد تحدث العقاد فيما مضى عن هذه الموضوعة مشيرا إلى ما يسمى بـ (التعاطف) داخل متن القصيدة الغربية ووحدة البيت الشعري في القصيدة العربية وبالرغم من ان العقاد تراجع عن قوله هذا, تابع النقاد فيما بعد استخدام هذا المضمون وكرروه متوهمين بأن الشعر الغربي فيه ذلك الاتحاد أما الشعر العربي فيعاني من التفكك وهي مقولات خاطئة ولا تتسم بأي نوع من الموضوعية والمصداقية. فالاتحاد والاتساق في القصيدة عرفه العرب منذ عهود بعيدة, وهذا الأمر لا يحتاج إلى الكثير من الاثباتات والدلائل, وهذا الاتحاد يبدو تماما في كلامهم العادي فكيف سيكون الحال بالشعر الذي اجتمعت تعريفات النقاد له وفي كل لغات الأرض بأنه تعبير لغوي يقوم على الوزن وفي العربية قيل عنه انه الكلام الموزون المقفى, والفكرة الأبرز أن بقية أمم الأرض عرفت القافية عن طريق العرب الذين قسموا الشعر إلى رجز وقصيد. وحول أنواع الوحدة والاتحاد في الشعر العربي أشار المحاضر إلى انها كثيرة ومتعددة ويظل أهمها ذلك الاتحاد الذي يتضمن التأليف الغنائي لان الشعر العربي ارتبط بالنشيد والايقاع الذي أسعف حفظة الشعر ومنشديه كثيرا فإذا نسي الإنسان الكلمة أو القصيدة ذكرته بها النغمات, هذه الحالة كانت قبل تعلم الكتابة واستمرت إلى ما بعد ذلك بكثير, الا ان الأمر الغريب هو اندثار الغناء والموسيقى عند العرب منذ القرن الأول والذي يثبت ذلك كتاب الأغاني حيث ورد فيه ان هارون الرشيد كلف كبار الموسيقيين في زمانه ليختاروا له منه صوتا من الأصوات التي كان يتغنى بها في زمن بني أمية والمدن التي اشتهرت بالغناء والموسيقى وبعد عملية الجمع هذه تم تأليف كتاب الأغاني وبيان أوزانها التي كانت مجهولة وغير معروفة وبعد ذلك ظهرت العديد من الكتب والأبحاث حول الموسيقى العربية وآلاتها, الا ان هذه الدراسات غير كافية بالشكل الذي هي عليه الدراسات المتوفرة عن الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وإلى عصور قريبة ظل الوزن محافظا على وجوده في القصائد إلى أن ضاعت أوزان هذا الشعر لانه كان ينشد ويتغنى أو السبب ما تفرث الناس بالغناء وقلدوا الالقاء الذي يقال في الخطب العادية وطلبوا التحرر من الوزن, وهذا الأمر يدل على ان فقدان الوزن في الشعر الحديث أصله من فقدان الغناء والنشيد وتحول القاء الشعر إلى ما يشبه التهديد بالأكف والاشارات الحركية العضلية بقبضات اليد وهذه طريقة شيوعية بالالقاء على حد قول المحاضر. وحدة الشعر نجد فيها أنواعا أخرى في موضوع القصيدة العربية التي تربط فيما بينها من مطلعها وإلى آخر شطر فيها, وهذا الأمر عرفه العرب منذ أقدم عهودهم ومن أوضح مظاهر هذه الوحدة هو الرثاء لانه يختص بتعداد مآثر الميت الا انه يتصل بموضوع الموت الذي يتصل بالحكمة, ومن الأنواع الشعرية التي تتسم بوحدة الموضوع هي القصائد الوصفية التي يتصل فيها القص والحكاية المتماسكة والمرتبطة مع بعضها البعض بوحدة العناصر الا ان العرب ربطوا بين الغناء والترنم والقصة, وفي العهود الحديثة حاول الشعراء العرب أن يتماهوا مع هذه الاسلوبية كأحمد شوقي الذي عمد في المسرحيات التي ألفها غنائية على النحو الذي عرف في أوروبا بالأوبرا, غير ان الناس أهملت هذه الاسلوبية وتجاهلتها. ومن مظاهر الوحدة الأخرى في الشعر العربي الحديث أشار المحاضر إلى الوحدة العضوية التي تعود في معناها إلى العلوم الطبية والبيولوجية بمعنى أن أذن الحمار غير حافره الا ان الأذن والحافر والرأس جميعها متحدة معا في هذا الكائن, والعضوية ليست غريبة عن العرب الا انها تعود أساسا إلى ارسطو فاليس الذي لم يشر بالعضوية إلى القصيدة الشعرية بل إلى النوع المسرحي الذي سمي بالمأساة, فالقصة تتألف من عناصر متعددة غير ان هذه العناصر مترابطة, ولذلك قال ارسطو بضرورة ألا تكون القصة طويلة جدا أو قصيرة لان الشيء الضخم والصغير لابد أن تغيب أبعاده لدرجة يصعب فيها الالتقاط والفهم الصحيحين, والأمر الغريب ان النقاد العرب تمسكوا تمسكا أعمى بالعضوية في الشعر رغم ان مؤسس المصطلح لم يعن به الشعر والقصيدة أبدا. ومضى المحاضر بعيدا في التاريخ العربي مستذكرا الكثير من التفاصيل والموضوعات والأحداث والقصائد التي كتبها العرب في عموم مراحلهم والتي تثبت دون شك أن القصيدة العربية تتسم بالوحدة على عكس ما ذهبت إليه جملة من الدراسات النقدية التي لم تستند إلى الصحة والمصداقية. كتب حازم سليمان