من يشاهد المسرحية الفكاهية الكويتية القديمة(بنو صامت)التي يلعب بطولتها الفنان عبدالحسين عبدالرضا ويتوقف عند مشهد اجتماع مجلس ادارة الشركة يعتقد ان تلك الحوارية المثيرة التي تتخلل الاجتماع , وتلك اللقطات الكلامية السريعة من الممثلين أدخلت عنوة لاضفاء لمسات مرح ومساحة من الضحك والفكاهة على النص المسرحي, وأن الواقع يقول عكس ذلك.. والصحيح أن هذا المشهد هو واقع حقيقي لكثير من الاجتماعات والأمسيات المتواصلة والمتكررة التي تحدث هنا وهناك في وطننا العربي, وصورة طبق الأصل للواقع الذي تشهده كثير من المؤتمرات والاجتماعات والندوات والمجالس الوطنية, حتى ان من يشاهد المسرحية ممن جرب حضور تلك الاجتماعات يصاب بالدهشة لدقة التفاصيل وكثافتها في ذلك المشهد.. ولأني واحد ممن طرق باب تلك التجربة أكاد أقف إعجاباً واحتراماً في كل مرة تعرض فيها المسرحية لهؤلاء الفنانين المدهشين حقاً الذين استطاعوا بصدقهم وحضورهم ان يدخلوا الى قلوبنا دون استئذان. وحتى لا أسهب في رصد المشهد المسرحي وأترك المشهد الواقعي جانباً أدخل عبر هذه المساحة الورقية فوراً راصداً بعض المشاهدات التي لم يخطئها بؤبؤ العين ولم تغيبها الذاكرة.. المشهد الأول: التأم الحضور وكادت القاعة الهائلة ان تغص بالجمهور المتعطش لسماع الشعر ومشاهدة شعراء الوطن العربي الذين تجمعوا من أقصى الأرض العربية لأقصاها, فتوالى الشعراء وتباينت القصائد في مستوياتها وأهميتها وقوتها واحساسها وغنائيتها مثلما تباين أصحابها في فن الالقاء والحضور والتواصل والتأثير والتأثر حتى وصل الدور عند أحد الشعراء والذي وصل الى القاعة متأخراً جداً, فلم يجد له مكاناً بين الحضور, وظل ينتظر واقفاً, فما كان منه بعد أن أعلن عن اسمه لالقاء قصيدته إلا واقتحم المنصة من وسطها رغم وجود السلم في احد جوانبها فسقط لعلوها وارتفاعها امام دهشة الناس واستغرابهم لهذا الاقتحام المثير, ثم وقف مستويا بعد ان ساعده الجالسون في مقاعد الصف الاول وأرشدوه لمكان السلم, فانقض على المايكرفون صارخا بأعلى صوته (فداء للشعر اسقط فتنكسر المرايا... اسقط فتنكسر الرؤى) ثم اردف قائلا: ايها الرائعون جدا.. سقطت من صهوة المنصه فانكسرت عويناتي, وكانت ذاكرتي قبلها قد سقطت في يوم ما, لذا أكتفي بالاعتذار لكم وأحمل قصيدتي التي أردت ان ألقيها عليكم وأعود من حيث أتيت, وهنا نهض احد الحضور وجرى مسرعا الى المنصة وخلع نظارته وأعطاها للشاعر المنكسر طالبا منه إلقاء رائعته التي لو لم يلقها لكان أفضل له ولنا.. عموما قرأ صاحبنا قصيدته فضجت القاعة بالضحك والهمهمات والغمزات بعد ان هدم صاحبنا المثير اركان الشعر واللغة والالقاء, وبعد ان انتهى من عرض فصول مسرحيته عاد معتذرا لأن النظارة التي قرأ قصيدته بواسطتها زغللت عينيه ولم تساعده على أريحية القراءة والالقاء! المشهد الثاني: كان النقاش قد احتدم بين المجتمعين الذين تقاطروا من انحاء الوطن العربي لاقرار تعديل النظام الاساسي لاحد الاتحادات العربية, وقد مرر المجتمعون بالأغلبية بعض البنود بعد مناقشتها وقتلها بحثا, الا ان احد الحاضرين والذي فيما يبدو كان نائما وصحا من نومه فجأة طلب من الأمين العام العودة الى تلك النقطة من جديد والتوقف عندها, فرد عليه الأمين العام بأن المجتمعين يناقشون الان نقطة اخرى وان تلك النقطة قد تم بحثها فما كان من صاحبنا الا ان وقف باكيا مستجديا لآن اتحاد بلاده كلفه بعدم مرور تلك النقطة هكذا وانه تم ترشيحه خصيصا لاقناع الحضور بتغيير هذا البند.. احد الظرفاء علق قائلا: صح النوم, وأردف آخر.. راحت عليك ياصاحبي! وضمن نفس الاجتماع توقف احدهم محتجا على صياغة فقرة طالبا من الامين العام توضيحا, هل الصحيح ان نقول نموذجا أم انموذجا, فأدخل الحضور وامينهم العام في نقاش وجدليه امتدت طويلا ولم يرحمنا من تلك الثرثره الا وقت الطعام الذي ينسى امامه الجميع انفسهم ويتذكرون بطونهم! المشهد الثالث: انتشى أحد الشعراء الحداثيين الشباب وهو يرى اسمه مدرجاً في لائحة الشعراء الذين سيحيون أمسية الغد, خاصة وأن هذه هي المشاركة الأولى له في مهرجان كبير ومؤثر يضم أهم وأكبر الاسماء التي قرأ عنها ولم يرها رؤية العين, وجاءت حالة النشوة بعد ان رأى اسمه منقوشاً بين اسماء هؤلاء الشعراء الكبار, فذهب ينشد النصيحة من الاصدقاء الذين جربوا وعرفوا مثل تلك التجارب.. كيف يبدأ, ماذا يقول, كيف يلقي قصيدته وكيف يختارها؟ كل تلك الاسئلة وغيرها تصدى للاجابة عنها أحد الاصدقاء, فبدأ أولاً باختيار قصيدة من قصائد شاعرنا الحداثي تؤثر في الحضور فلم يجد من بين مجموع تلك القصائد ما يؤثر, ورغم ذلك اختار واحدة وبدأ في معاينتها وقراءتها المرة تلو الأخرى> ثم صمت, ثم صرخ من جديد وجدتها.. وأمام دهشة الشاعر الحداثي ودهشتنا أخذ القلم وعمل دائرة على جزء يتوسط القصيدة المزعومه وقال: ستبدأ قصيدتك من هنا, فهذا الجزء سيكون مدخل القصيدة, وستتوالى بعد ذلك في قراءة الأجزاء الاخرى.. وأخذ يعلمه فن الالقاء, وكيف تعلو نبرة الصوت ومتى تنخفض وصاحبنا كله آذان صاغية. وفي اليوم التالي كانت المنصة هي الميدان وصاحبنا هو الفارس فقد توقع الاصدقاء ان يصول صاحبنا ويجول بعد ذاك الدرس العظيم والكبير, لكن ذلك لم يحدث فقد ماتت القصيدة ومات فن الألقاء وانسحب الشاعر كلياً من ساحة الشعر ولم نسمع أنه قرأ قصيدة بعد تلك المعركة..