صادف هذا الاسبوع ان جلست مع اثنين من الاخوة الذين يجمعهم عشق مهنة التصوير, الأول قابلته منتصف الاسبوع, والثاني في نهايته.. الأول فنان يحاول ان يرسم مشاعره من خلال الصورة , لوحاته تتحدث عن سكون الصحراء, وتشكيلات الغروب و(بورتريهات) تبرز تقاسيم الزمن على وجوه العجائز.. الثاني صوره عبارة عن وجوه من التاريخ بالأبيض والأسود, ولقطات من هذه الأرض اتخذت قبل عشرات السنين, الأول يلف بضاعته في ألبوم قديم متآكلة أطرافه, الثاني يعرضها في صندوق فخم مطرز بألوان وتشكيلات الورد. الأول يقدم صوره ولا يعلق, الثاني يشرح تفاصيل كل صوره, ويسمي الوجوه التي لا تبدو واضحة المعالم, الأول يعمل موظفا حكوميا صغيرا, والثاني مهنته تاجر. الأول متشائم, وصل به اليأس الى التفكير في التخلص من هذه الثروة التي يحملها من الصور بالبيع أو بالحرق, المهم أسرع وسيلة تخلصه من هذه الحالة التي يعيشها, وهذا العشق الذي يسكنه والذي لم يجلب له الحاجة وضياع الوقت. آمن هذا الصاحب بأن الصور الجامدة لا فائدة منها في هذا العصر الفضائي المتحرك, وان هواة التصوير فنانون مرضى عليهم التخلص من هذا الداء اذا أرادوا الاستقرار في هذه الحياة والعيش فيها من غير ديون وأوهام فنية. الصاحب الثاني يحمل نظرة مغايرة, هذا متفائل, يجد في التصوير أجمل وأغلى عشق يمكن ان يسكن القلب, يرى ان الصورة كلما مر عليها الزمن واصفرا لونها كلما أصبحت أغلى. بين الأول والثاني مسافة كبيرة, الأول منحته الصورة مزيدا من التعاسة, ينظر اليها على انها أوصلته بسبب عشقه وتعلقه بها الى الحالة التي هو عليها مجرد موظف صغير مشحون بالديون والالتزامات وأحلام الوهم. ويرى انه في اللحظة التي يملك ان يوقف هذه العلاقة, ويقطع الصورة, فإنه سيبدأ حياة أفضل, سيفارقه (النحس) وسيقبل عليه النعيم, كأن الصورة هي الشعرة التي تقف بينه وبين الحلم الجديد. الثاني يرى ان تجارته وأعماله لها مكانة كبيرة في عقله, ومن ذاته, فهي سر قوته ومستقبله, لكن الصورة لها مكانة موازية ان لم يكن وزنها أكبر, فهذه تسكن قلبه, وهي لا تهدد عمله, بل قد تكون مصدرا آخر يزيد حجم ثروته المادية. يجد في الصورة ثروة أكبر, ثروة معنوية, ستخلق له الشهرة والمكانة وستخلد اسمه في التاريخ. الأول أعجبتني في ألبومه صورة عشبة وحيدة تقف وسط الرمال, طلبتها, اعتذر لأنها غالية عنده وانه لا يملك نسخة اخرى منها وانه ضيّع (النيجاتيف) . الثاني بادر وقدم لي أكثر من صورة ووعدني بالمزيد. الأول يحبها, والثاني يحبها ايضا.. لكنهما مختلفان في طريقة التعبير عن هذا الحب.