عقدت بالقاهرة مطلع هذا الاسبوع ندوة موسعة تحت عنوان (الدراما وحرب اكتوبر) شارك فيها الكاتب والسيناريست الكبير اسامة انور عكاشة والمخرج السينمائي المعروف محمد راضي وتحدث فيها ايضا ابراهيم الدخاخني احد قادة عمليات أيلات في حرب الاستنزاف ضد البحرية الاسرائيلية وادار الندوة التي حضرها جمهور كبير بالمركز الثقافي بمتحف طه حسين الفنان محمد نوار مدير المركز. انتقد المشاركون في الندوة ندرة وضعف الاعمال السينمائية والتلفزيونية والاذاعية التي تناولت دراميا حرب اكتوبر بابعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية وطالبوا بأن ترعى الحكومة المصرية انتاجا سينمائيا ضخما لمجموعة من الافلام التي ترصد قصص البطولات الشعبية والعسكرية في سياق درامي يبتعد عن الجوانب التسجيلية والتاريخية المعروفة عن حرب اكتوبر, وكشف الكاتب اسامة انور عكاشة انه كان قاب قوسين او ادنى من عمل سينمائي عن اكتوبر وافقت عليه القوات المسلحة المصرية, لكن الحملة التي اثيرت ضده لعدة اسابيع اجهضت المشروع ولو مؤقتا واصابته باحباط وعدم الرغبة في الكتابة. اتهامات صحيحة وقبل ان يقدم محمد نوار الذي ادار الندوة الكاتب والسيناريست اسامة انور عكاشة وجه اتهاما له بأنه لم يقدم حتى الان عملا دراميا عن اكتوبر بينما اعماله جميعها موضع تقدير النقاد والجمهور وذات تأثير واسع عند المشاهدين المصريين والعرب, ولهذا بدأت كلمة اسامة انور عكاشة امام الندوة قائلا: اعترف ان هذه الاتهامات صحيحة ليس فقط بالنسبة لي وانما لكل المبدعين والمخرجين والكتاب حيث لم تقدم حتى الان دراما حقيقية متميزة عن اكتوبر باستثناء محاولات واعمال المخرج محمد راضى في فيلمه (ابناء الصمت) وفيلمه الجديد (حائط البطولات) الذي نتوقعه عملا فنيا جميلا. وللأسف فإن الغالبية العظمى من الاعمال الفنية عن اكتوبر كانت احتفالية وصارخة ولاسيما تلك الاعمال التي تأتي في المناسبة او بعد الحرب مباشرة حيث جرت العادة ان يقوم تجار السينما باستغلال المناسبة حتى يستفيدوا منها بشكل او بآخر لصنع فيلم حسب الحدث دون عمق ومعالجة هادفة ولهذا فهي افلام ينساها ويملها الجمهور, كما هو الحال في افلام اكتوبر وافلام المخدرات وافلام مراكز القوى وجميعها ترتبط بضجة اعلامية او صحفية تثار فتتحول المسألة الى فيلم سينمائي ساذج وسريع. هذه الظاهرة ايضا ليست قاصرة على السينما بل تمتد الى التلفزيون والمسرح والاذاعة حيث لم تتعرض اية اعمال لتجربة الحرب الانسانية, او الدراما والتجربة الانسانية التي رافقت هذه الحرب, وعلى سبيل المثال فإن رواية ليوتولوستوي (الحرب والسلام) والتي تتعرض لحرب نابليون في روسيا قد تحولت الى اكثر من فيلم سينمائي امريكي وروسي وعكست هذه الافلام نوعا متميزا من الدراما الانسانية عن الحرب, وانتقد عكاشة التركيز على افلام اكتوبر في المناسبة فقط وحينما تنتهي (الزفة) لايتحرك احد ونعيد تكرار الاعمال التي حفظها الناس في السنوات الماضية. واضاف عكاشة: في رأيي ان اكتوبر كحدث سياسي عظيم يفضل الا نتعرض له دراميا بعد الحرب مباشرة ويجب ان تمر فترة لان البعد عن الحدث يخلص المبدع والفنان والكاتب من التأثيرات المباشرة التي تفقد العمل الموضوعية وتحوله الى مجرد عمل حماسي ودعائي اكثر من اللازم كما هو الحال فيما يسمى بأفلام اكتوبر التي كانت (مسلوقة) وذات نبرة خطابية عالية, وكشف الكاتب والسيناريست اسامة انور عكاشة قصته مع الاعداد لفيلم ضخم من انتاج القوات المسلحة المصرية عن اكتوبر فقال: ثقة وتقديرا من القوات المسلحة فقد طلبوا مني منذ حوالي ثلاث سنوات كتابة فيلم عن اكتوبر وللحقيقة لم اتحمس في البداية ليس لأن اكتوبر لاتحمسني, ولكن لانني لا احب ان اعمل تحت وطأة الضغط, وسألتهم: هل يدي مطلقة؟ هل رأيي لاحجر عليه وما أريده يقال؟ فأكدوا لي ان حريتي مطلقة ووفروا لي كل المادة, والتفاصيل العسكرية والتقيت مع اكثر من 20 قائدا من الرموز التي شاركت في الحرب ومنهم الفريق محمد علي فهمي وسجلت شرائط مع القادة لأستفيد بها من الفيلم. وبمجرد ان نشر خبر تكليفي بهذه المهمة في الصحف الرسمية الثلاث قامت الدنيا ولم تقعد وفوجئت بحمله شرسة ضدي تقول اوقفوا هذا الرجل امنعوه من الكتابة عن اكتوبر انه منحاز لعبد الناصر وسيجعل الفضل له في اكتوبر ويكره السادات وسوف ينكر دوره, وقالوا ان السادات بطل الحرب والسلام وأنني اريد ان اهاجمه, وللأسف هذا كلام تافه لايستحق الرد لان هذه الحملة تنسى ان حرب اكتوبر ليست لعبد الناصر او السادات وانما للشعب المصري الذي هو البطل الاول لهذه الحرب. وقال عكاشة: ان هذه الدار الصحفية الكبرى جيشت صحفييها وكتابها وكل صفحاتها لكي تصرخ وتصيح امسك حرامي.. وهذه في تقديري لاول مرة في العالم تطالب حملة صحفية بمنع كاتب من الكتابة, وكأنها تدخل في ضميري بدعوى انني قبل ذلك قدمت اعمالا تدافع عن الفترة الناصرية وهو ما سوف احاولة في الفيلم, كانوا يريدون مني ان امشي في مواكب (الزفة) وهم يستخدمون حتى الان اختاما لدفع الناس ان يسيروا في هذه المواكب التي يسيرون هم فيها. وكانت وجهة نظري الا تستفزني هذه الحملة وتستفزني في الرد وتؤدي ان اتوقف عن الكتابة وهذا هدفها الاول لانني علمت ان المسألة تصفية حسابات واتوقع الا تتوقف هذه الحملات مادمت متسقا مع ذاتي واحترم الجمهور واكتب ما اقتنع به وما يمليه عليّ ضميري الوطني. وعلينا ان نعترف اننا لسنا مجتمعا مفتوحا لان من يقول الحقيقية كالقابض على الجمر, وجميعنا يعمل بسياسية اضعف الايمان حتى في مثل هذه الاعمال. سذاجة المعالجة ووجه الكاتب اسامة انور عكاشة انتقادات حادة للاعمال الدرامية المقدمة في وسائل الاعلام عن حرب اكتوبر سواء كانت افلاما او مسلسلات او حتفالات واوبريتات غنائية فقال (اتحدى ان يتذكر احد من المشاهدين والمستمعين والمتفرجين احد الاوبريتات التي تم تقديمها او احدى الاغنيات التي تقولون انها عن اكتوبر؟ ان شيئا مما يقدم بشكل ( مناسباتي) لا يؤثر او يعلق في وجدان واذهان الناس, لان اكتوبر ليس مجرد نشيد يقال, او غنوة تكتب على عجل, بل هي تعبيرعن شهداء ضحوا بأنفسهم وشعب حقق الانتصار. والمؤسف ان الاعلام تحول الى وسيلة لاعادة عرض المقررات السينمائية المعروفة والمحفوظة كل عام مثل (الرصاصة لاتزال في جيبي) .. وحتى (اخر العمر) ,.. و (بدور) وكأنها بمثابة اناشيد الصباح, وهذا بلاشك معالجات ساذجة وركيكة لحدث عظيم ولو كانت هذه المعالجات متميزة ما اضطر الناس الى اغلاق التلفزيونات كتعبير طبيعي عن رفضهم لما يقدم, والاستخفاف بعقلية المشاهدين. انتاج الدولة وتحدث المخرج السينمائي المعروف محمد راضي عن اسباب غياب المعالجة الدرامية المتميزة لحرب اكتوبر فقال: ابرز هذه الاسباب عدم وجود الدعم الكافي من الدولة للانفاق على هذه النوعية من الافلام والاعمال الدرامية التي تعطي حرب اكتوبر حقها باعتبارها في المقام الاول ابداعا حقيقيا للشعب المصري وللعسكرية المصرية, وبالتالي كان اولى بالدولة ان تجسد هذه البطولات من انتاجها ولاسيما في الفنون المرئية السينما والتلفزيون والاخير بشكل خاص لانه الجهاز او الوسيلة الاعلامية شديدة التأثير في الناس والتي توجه عقل الامة في اي اتجاه. وحول تجاربه ومحاولاته الدرامية كواحد من ابرز المخرجين الذين قدموا اعمالا سينمائية عن اكتوبر قال المخرج محمد راضي الذي ينتهي خلال الفترة المقبلة من تصوير فيلم ـ حائط البطولات: لقد قدمت فيلم (العمر لحظة) للفنانة ماجدة, واخرجت وانتجت فيلم (ابناء الصمت.. وهي محاولات لكنها لاتفي بالانجاز والدلالات التي تركتها حرب اكتوبر والتي تحتاج بالفعل الى مايزيد عن 100 فيلم بمستوى متميز, بل ان كل جندي وضابط شارك في هذه الحرب يمكن ان يتحول الى قصة درامية سينمائية او تلفزيونية او اذاعية وتصلح حياته لتكون مادة ثرية لفيلم عظيم. ويضيف المخرج محمد راضى: ان المنتجين من الافراد والقطاع الخاص من الطبيعي انهم لايقبلون على انتاج افلام عن اكتوبر لانها تحتاج الى تكاليف باهظة تصل الى 30 او 35 مليون جنيه لانها تتطلب استخدام معدات عسكرية وامكانيات تتكلف الملايين ومن هنا تأتي اهمية دور الدولة والقوات المسلحة في تجهيز هذه الامكانيات وتوفير المستشارين الذين يوجهون العمل, وللأسف فإن هذا الدور غائب حتى في اخر افلامي الذي اعده الان فيلم (حائط البطولات) عن الاعجاز الذي تحقق في حرب الاستنزاف واكتوبر على يد ابطال العسكرية المصرية, ورغم ان عملية كتابة سيناريو وقصة هذا الفيلم تمت تحت سمع وبصر المسؤولين الا ان شيئا لم يقدم لمساعدتنا في هذه المهمة وهو ما اضطر منتج الفيلم الدكتور عادل حسني الى تحمل تكاليف باهظة لتصوير المعارك العسكرية وكان من الاجدى ان توفرها الدولة في وقت يتحدث فيه الجميع في هذه المناسبة عن اهمية الاحتفاء بالمناسبة وخروج اعمال سينمائية رفيعة عن اكتوبر القاهرة ــ صلاح الشرقاوي