لو لم يكن لدى البعض منا نحن من بني الانسان في مختلف العصور والازمان, رغبة وطموح لاكتشاف كنه المجهول من حولنا, لتأخر اعمار كوكبنا الارضي كثيراً, ولما امتد العمران والمدنية بهذه السرعة الفائقة الى كل بقعة من بقاع الدنيا. وصحيح ان هناك اناساً من البشر لا تزال تعيش في بقاع تفتقر الى التجمع الحضري والمدني وكذلك الى وسائل العيش الحديثة التي يعيشها اخوه الانسان الآخر في بقاع اكثر تقدماً وعمراناً, لكن هذه البقاع النائية عن التحضر معروفة ــ في علوم الجغرافيا التي وضعها الانسان لكل شبر من هذه الارض التي يعيش عليها, وليست هناك بقعة لم يطأها اليوم الانسان المتمدين, مكتشفاً أو باحثاً او دارساً لطبيعتها وبيئتها من بشر وحيوان ونبات الخ... وبفضل العلم اصبحت هذه البقاع وما فيها من البيئة المختلفة تجسد امامنا حقيقة واقعة, نراها رأي العين جلية بواسطة الوسائل المقروءة والمرئية في أي وقت نشاء مهما بعدت بنا الديار وشط المزار. وهذه الاكتشافات الجغرافية العظيمة, لم تكن لتأت الينا هكذا اعتباطاً, لولا الهمة العالية والعزيمة القوية التي تمتع بها الرواد الاوائل من المكتشفين والرحالين الذين كانوا بحق اصحاب ارادة متناهية في القوة هانت دونها كل الصعاب والاهوال, وعلى رأس هؤلاء المكتشفين العظام هم مكتشفو القارات المجهولة التي لن يكن يعرفها قبلهم انسان, وسيظل التاريخ يردد اسماءهم مهما تعاقبت علينا الحقب والازمان, وستظل هذه الاسماء ترن كلما تحدث الانسان عن جغرافية المكان في العلوم الانسانية. وأصبح الانسان مديناً لهؤلاء الكبار, ومن الواجب عليه اينما كان ومهما كان توجهه ان يحتفل في كل مناسبة بيوم مولدهم مشيداً بما اضافوه الى معارفنا ومفاهيمنا الجغرافية التي كانت قبلهم محدودة ولا نعي منها الا القليل والهين. واذا جاء ذكر هؤلاء الرواد, عرضا او مقصداً, فعلينا ان نضع في المقدمة اسم رجلين كبيري الهمة والعزيمة, كرستوفر كولمبس مكتشف امريكا, وجيمز كوك مكتشف استراليا. هذان الرجلان اللذان اكتشف الاول منهما القارة الامريكية, واكتشف الآخر قارة استراليا, وكتبا بهذا الاكتشاف الهائل السطور الاولى في تاريخ قيام امتين جديدتين, اضافا الكثير الى الحضارة والمدنية الحديثة التي ينعم بها الانسان المعاصر. وليس الانسان منا اليوم بحاجة نتيجة اتساع المعرفة لدى الجميع, ان يعرفه احد بجغرافية امريكا واستراليا, ولكني اردت بهذه المقدمة لحديثي هذا ان اسجل انطباعاً عن زيارة وفد اقتصادي ورسمي كبير من الامارات قام مؤخرا بزيارة استراليا برئاسة وزير الاقتصاد والتجارة الشيخ./فاهم بن سلطان القاسمي, بغية توطيد العلاقة الاقتصادية والسياسية والتبادل التجاري بين الامارات واستراليا, وما كان لهذه الزيارة من وقع حسن لدى جميع الاطراف من مسؤولين ورجال اعمال في المدن الاسترالية التي زارها الوفد المكون من اكثر من 70 شخصاً, وكما قال السيد الوزير فان هذا الوفد كان اول وفد من نوعه يضم هذا العدد الكبير من الفعاليات في الامارات, ولم يسبق ان ضم وفد اقتصادي هذا العدد الكبير من الامارات الى الخارج. لمحات من التاريخ الاسترالي من المعروف ان الدولة الاسترالية تحتل قارة بأكملها وهي القارة الخامسة من قارات الكرة الارضية الخمس, آسيا وافريقيا واوروبا وامريكا واستراليا, ولا يتوقع الانسان منا طبعاً ان يتم على يديه اكتشاف بقعة جديدة من الارض غير معروفة لانه وطأ كل شبر منها, ولهذا السبب ولىّ وجهه نحو الفضاء اللامتناهي لاكتشاف الجديد والغريب. ولم تكن استراليا قبل اواخر القرن السابع عشر معروفة لأحد شأنها شأن الجزر القريبة منها في المحيط الهادي, حتى مجيء القبطان الانجليزي المشهور جيمز كوك ورفاقه حوالي سنة 1770, ثم بعد ذلك من تلاهم من الطلائع الاولى من الانجليز الذين تم ابعادهم من انجلترا ومعهم اسرهم, وكانوا قرابة الف ومائتي شخص تقريباً ثلثهم من النساء, وارسلوا قسراً الى الارض الجديدة التي اعتبرتها بريطانيا ملكاً لها, وذلك بسبب الجرائم التي اتهم بها هؤلاء المبعدون, من سرقة واعتداءات على البيوت والمحلات, وكانت هذه الجرائم قد كثرت وتعددت بعد عودة كثير من الانجليز من امريكا وكانوا قد هزموا في حرب الاستقلال الامريكية, وشكلوا طبقة عاطلة عن العمل, ولم تجد العقوبات التي كانت الحكومة تعاقبهم بها من ضرب وسجن, نفعاً, وقررت نفيهم وابعادهم عن البلد بأية وسيلة... وهكذا كانت استراليا هي الارض التي تقرر ان تكون منفى لهؤلاء المجرمين الذين اصبح احفادهم بعد ذلك يقفون اليوم في الصفوف الاولى بين الامم ذات القدح المعلى في التقدم والعمران والمدنية. وتبلغ مساحة استراليا حوالي سبعة ملايين كيلو متر مربع, وهي اقدم ارض على وجه البسيطة ويقدر عمرها بحوالي 3 مليارات عام كما يقول العلماء, ولا يحتل التجمع الحضري غير ثلث هذه الارض ويبقى الثلثان ارضاً بكراً منها الصحارى الجافة والادغال والسهول الكبيرة المنبسطة, وجميعها مليئة بالخيرات والمعادن وقابلة للاستغلال كلما اراد اهلها التوسع في العمران وبناء التجمعات الحضرية. ويسكن استراليا حالياً حوالي 21 مليون شخص فقط, وكما نرى فان هذا العدد لا يعد بالكثير, بالنسبة لبلد كبير ومترامي الاطراف كاستراليا, ولهذا السبب نجد ان الهجرة الى استراليا واتخاذها مأوى ووطناً من قبل الراغبين, ليست من الامور الصعبة المنال, بشرط ان يكون المهاجر من مستويات مقبولة ثقافياً, او ذي مال ينتفع به, او من بيئة اجتماعية غير متدنية, بحيث لا يسبب القادمون الجدد في احداث خلل في مستوى العيش الرغيد المتوفر للانسان الاسترالي, كما يحدث في غير استراليا من المجتمعات التي تتعرض للهجرة غير المتوازنة. ولا تشترط استراليا ان يكون مواطنوها من عرق معين او لون معين او عقيدة معينة, ولهذا نجد ان المجتمع الاسترالي خليط من الوان واشكال واديان من الناس, اتوا اليها من كل فج عميق يسودهم نظام ديمقراطي ليبرالي يضمن لهم كافة حقوقهم ويحترم ارادتهم, والاستراليون بحق كما يقولون هم عن انفسهم, مجتمع المساواة, او حسب تعبيرهم بالانجليزية, (EGALITARIAN SOCIETY) . الاقتصاد الاسترالي لا استطيع طبعاً, في عجالة, ان القي ضوءاً كاشفاً على الاقتصاد الاسترالي وما فيه من الازدهار, ولكن كل ما استطيع قوله هو ان استراليا بلد يتمتع باقتصاد متين, وهذا الاقتصاد كما هو الحال في اي بلد متقدم, يدار بأسلوب اداري غاية في الرقي, وليست هناك معلومة, سلباً كانت هذه المعلومة أم ايجاباً تخفيها حكومة استراليا عن مواطنيها اذا ارادوا الوقوف عليها. ولا تعاني استراليا من اي انحراف او سوء في ادارتها يخشى منهما التأثير على ازدهار اقتصادها او جعله يميل نحو الانكماش , كما حدث لاندونيسيا وهي الدولة المجاورة لاستراليا, تلك الدولة التي حسب الناس انها تسير نحو النمو المطرد, وتبين بعد ذلك ان نموها هذا مجرد انتفاخ اجوف زينتها فرقعة اعلامية مضللة اخفت عن الاعين ما استشرت في ادارتها من السوء والفساد. ويبلغ الدخل العام لاستراليا حوالي 400 مليار او اربعمائة الف مليون دولار, وهو كما نراه دخلاً ضخماً لا يضاهيه اي دخل لدول آسيا المجاورة باستثناء اليابان, ويزيد عن دخل دول الخليج مجتمعة بما فيها ايران!. ولدى استراليا فائض كبير عن حاجتها من سلع التصدير في الزراعة والصناعة على السواء, وتعتبر استراليا في مقدمة الدول المنتجة للغذاء, وهي إحدى الدول التي يعتمد عليها العالم في انتاج الغذاء الرئيسي للانسان كالقمح واللحوم, والاغذية المصنعة. وهي ايضاً في مقدمة الدول التي تعطينا نحن اهل الخليج حاجتنا من القمح واللحوم, ويعتبر انتاجها من النوع الجيد الخالي من العيوب. ومجمل القول ان استراليا بالاضافة إلى صناعتها المتقدمة في المعادن وغيرها لا تحتاج ان تشتري طعامها من احد, وعلى العكس فانها تقدم الطعام الى من يحتاج اليه, ومن البديهي ان اية امة لديها الفائض والفاضل من الطعام, فان امرها ولا شك على خيرها يرام. وتعتبر استراليا في مقدمة الدول التي تتعامل مع الامارات في تبادل تجاري ينمو يوماً بعد يوم. وفي الآونة الاخيرة ارتفع هذا التبادل التجاري الى زيادة قدرها 60% تقريباً ليصل ما استوردته الامارات من استراليا الى حوالي 1100 مليون دولار من القمح والمواشي والسيارات ومواد الالمنيوم, وبالمقابل استوردت استراليا حوالي نصف مليار دولار من الوقود والبنزين الخ. ويمثل استراليا حالياً قنصل عام يقيم في دبي وكذلك ممثلون تجاريون عن المقاطعات الاسترالية. وقد اعلنت استراليا في الآونة الاخيرة عن رفع التمثيل الدبلوماسي بينها وبين الامارات الى سفارة, وستعين استراليا سفيرها في الامارات قبل انصرام هذا العام, وستكون الامارات من بين الدول القليلة في الشرق الاوسط التي لاستراليا سفارة فيها. استراليا والعرب من الامور الحيوية بطبيعة الحال, للعرب كسب اصدقاء من ذوي الشأن والنفوذ في العالم, وكلما زاد عدد هؤلاء الاصدقاء, استطاع العرب ان يضعوا قدماً الى الامام في مجابهة عدو صهيوني شرس, الذي يعمل دؤوبا على الاساءة اليهم واظهارهم بالمظهر والصورة غير اللائقين, مستنداً الى نفوذه وماله واعلامه وتغلغله في داخل المجتمعات التي تتمتع بكلمة مسموعة وتأثير على مجريات الامور العالمية, لاسيما في اوروبا وامريكا... ولا شك ان كسب صديق كاستراليا سيؤدي الى خلل في توازن النفوذ الصهيوني. وكان زعماء استراليا في الماضي بارتباطهم العاطفي والتاريخي ببريطانيا يسيرون في فلك الانجليز, ويأتمرون بأمرهم دون النظر في مصالحهم الوطنية, وكلنا يذكر موقفهم من العدوان الثلاثي الذي قادته بريطانيا على مصر, واتصال روبرت منزيس رئيس وزراء استراليا آنذاك بالرئيس جمال عبد الناصر وتهديده إياه عام 1956, وكان هذا موقف سياسي غاية في الغباء وقفته استراليا ضد حقوق العرب المشروعة, واستنكرت يومئذ هذا الموقف كل القوى الوطنية والمناضلة في العالم. وعندما انكمش النفوذ الانجليزي بعد الهزائم السياسية المتتالية التي لحقت بالانجليز نتيجة فشل اعتدائها على مصر, دارت استراليا في فلك الامريكان, وسارت خلفهم بشكل دل على قصر نظر سياسي, فأرسلت ابناءها لتحارب الى جانب الامريكان في حربهم العدوانية ضد فيتنام, ولما خسرت امريكا الحرب بفضل نضال الفيتناميين وارادتهم, كان نصيب الاستراليين من هذه الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل, آلاف القتلى والجرحى والمعوقين من الشباب الاسترالي الى جانب اضطرارهم لإيواء عشرات الآلاف من ضحايا هذه الحرب من ابناء الشعب الفيتنامي وغيرهم. وكما هي السياسة الامريكية في الوقوف الاعمى مع اسرائيل ضد المصالح العربية, سارت استراليا على هذا المنوال في مناصرة اية سياسة تتبناها امريكا, ولكن من الانصاف القول ان شيئاً من التغيير قد طرأ الآن على سياسة استراليا التي بدأت تلتفت لمصالحها وتحسب حساب هذه المصالح قبل ان تقول نعم لما تريده الولايات المتحدة, واكبر دليل على ذلك ان استراليا لم تستجب للضغوط الامريكية في الفترة الاخيرة لتقطع علاقتها مع ايران وظلت هذه العلاقة مستمرة على الصعيد الاقتصادي والسياسي. ويبدو الآن ان الطريق ليس وعراً امام العرب لكسب هذه الامة الكبيرة, امة استراليا بجانبها او على الاقل تحييدها في مجابهة اسرائيل. الامارات واستراليا لم يمض اكثر من عام على التبادل الدبلوماسي بين الامارات واستراليا حيث ذهب الى استراليا اول سفير للامارات في كامبيرا عاصمة استراليا الاتحادية السيد/خليفة محمد بخيت الفلاسي, ومن المتوقع ان يأتي الى ابوظبي عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة اول سفير لاستراليا في بداية العام القادم 1999. ويلعب سفير الامارات الاستاذ خليفة دوراً نشطاً وواعياً, في التعريف بالامارات ونشاطها التجاري وموقعها الاستراتيجي كسوق ومعبر للصادرات والواردات الى منطقة الشرق الاوسط ودول آسيا الوسطى, بالاضافة الى ما يقوم به هذا السفير من مجهود للتعريف بالعرب والثقافة الاسلامية ودورها التاريخي في الحضارة الانسانية... هذا الدور الذي لم يكن للاستراليين عهد به من قبل السفراء العرب الموجودين في استراليا, كما يقول الاستاذ رونالد جبور رئيس المجلس العربي الاسترالي... ويضيف الاستاذ جبور ان وجود سفير الامارات الاستاذ خليفة بخيت بشخصيته المتميزة, اعطى دفعاً جديداً للعرب الاستراليين, وهو واحد منهم, لبذل نشاط اكبر في خدمة القضايا العربية وجلب التفاعل مع هذه القضايا من الشعب الاسترالي الذي يتكون من اثنيات مختلفة والذي يتميز بالطيبة واحترام ثقافات الشعوب الاخرى وعدم التعالي العرقي على الآخرين. واذا عرفنا ان المجتمع الاسترالي رغم تعددية اعراقه, مجتمع اوروبي في الميول والنزعة والثقافة, وما في هذه الميول والنزعة والثقافة من تأثير عميق الجذور من اللوبي العالمي الصهيوني ــ واستراليا مركز مهم للنشاط الصهيوني ــ فإننا ندرك في الحقيقة, المهمة الصعبة التي يؤديها العربي المدافع عن شؤون العرب وشجونها, للاقلال من هذا التأثير الصهيوني, وجعل الاسترالي يشعر ويستبين ان العرب ايضاً كيان انساني له ثقافته التي تستحق ان يلتفت إليها! والواقع اننا نحن اعضاء الوفد المرافق لوزير الاقتصاد والتجارة, وخلال الايام التي قضيناها في استراليا, ادركنا ان عدداً كبيراً من العرب الاستراليين (وعلى فكرة فإن عدد الاستراليين العرب يصل تقريباً الى 700 الف نسمة) , يقومون بهذه المهمة, مهمة التعريف بالانسان العربي المتحضر, ويدحضون ما تحاول اسرائيل تصويره للعربي المتخلف او الارهابي, المتجسد في ذهن الانسان الغربي او ذي الثقافة الغربية... والواقع ايضاً ان سفير الامارات اول سفير عربي يقيم صلات واسعة مع مختلف الجهات المسؤولة في استراليا, سواء من الحزب الحاكم او الحزب المعارض, وقد سمعنا من كل مسؤول التقينا به ثناء على السفير وجهوده من اجل اقامة صلات افضل بين الامارات واستراليا. وفي رأيي ان وفد الامارات الاقتصادي والتجاري الذي تكون لاول مرة من هذا العدد الكبير من الاشخاص (قرابة 70 شخصاً) من الفعاليات المختلفة في الدولة, وليس التجار التقليديين فقط, وما كان يتمتع به الوفد من ادراك وفهم للمهمة التي جاء من اجلها الى استراليا, قد اعطى هذا الوفد وترك في استراليا انطباعاً محمود الاثر والنتيجة. والحقيقة التي يعترف بها الجميع, ان فضل النجاح الذي حققه الوفد, والاثر الطيب الذي خلفه وراءه في استراليا, يعود الى رئيس الوفد الشيخ فاهم القاسمي وزير التجارة والاقتصاد, الذي كان مثالاً للمسؤول المتزن المدرك لمسؤوليته, وقد اعطى انطباعاً جميلاً عن الشخصية الخليجية المتميزة, وكانت للكلمات التي يلقيها في الاجتماعات الرسمية والحفلات وقعاً حسناً وجميلاً واستطاع ان يثير اعجاب الحضور باتزانه وثقافته, وكان نموذجاً طيباً للوزير او المسؤول الذي مثل بلده خير تمثيل. شعور العربي المهاجر, البعيد عن الوطن الام قبل ان اختتم حديثي عن استراليا, دعونا نستمع الى ما تقوله السيدة نجاة فخري الاسترالية اللبنانية الاصل في كتابها ( المهاجرون العرب في استراليا) الذي اوردت فيه اسماء ونبذا عن حياة الاستراليين العرب الاوائل... فكلمتها هذه تعكس لنا ما ينتاب المغترب العربي من مشاعر وهو يعيش بعيدا في هذه الارض الجديدة, وتعكس لنا ايضاً حياة مجتمع بلغت من الحضارة شأواً. (قد يعاني اكثرنا من ازدواجية الولاء في المغتربات بين الوطن الام والوطن الجديد... وقد نعاني ايضا من صعوبة التأقلم, او عدم فهم لغة البلاد قبل مضي فترة طويلة... وقد ينعكس ذلك على سلوكنا وعلى صحتنا النفسية, او على الاقل على سعادتنا وعلى انتاجنا في مجالات عملنا... او قد يكون تمسكنا بعاداتنا وقيمنا مصدرا لوجود فواصل اجتماعية مستجدة بين الآباء والابناء, وكل هذه الصعوبات, لا نستطيع ان ننكر او نتجاهل ما تقدمه استراليا للمغترب من فرص لتحسين اوضاعه وتشجيه على الاستمرار. لقد وفرت استراليا للمهاجر ــ اي مهاجر ــ كما هو ثابت ومعروف ــ تعليم اللغة الانجليزية مجانا, واعتمدت اللغات الاثنية في المدارس لكل جالية اظهرت الاهتمام باعتماد لغتها وتركت الابواب مفتوحة امام الجاليات لتمارس عاداتها وتقاليدها وعباداتها, وتعرض فنونها وحضاراتها, وتتمسك بتراثها دون حرج. هذا الى جانب الرعاية الصحية والاجتماعية للجميع, والى جانب ما انشأته من مؤسسات انسانية لمنع التفرقة والتمييز ومكاتب في طول البلاد وعرضها للتعويض عن البطالة والشيخوخة والمرض واصابات العمل, ومفوضيات لشؤون الهجرة, ووزارات لحماية المستهلك, ووحدات ومراكز صحية واجتماعية لخدمة الطفولة والامومة, وتقديم الخدمات لكل من يحتاجها ويطلبها. ولا ننسى محطات البث الاثني التي تكلفت مئات الملايين, مثل التلفزيون الاثني إس بي إس SBS الذي تدور برامجه حول عالم المهاجرين وتعرض افلامهم بلغاتهم الاصلية. وكذلك محطة ثري إي آي 3EA, التي تقدم برامجها الاذاعية بأكثر اللغات الاثنية فأصبحنا كغيرنا من الجاليات المهاجرة, نرى بلادنا ونسمع اخبارنا بلغتنا العربية, كذلك يرى معنا الشعب الاسترالي ويسمع ما يجب ان يراه ويسعمه ليتعرف على اهمية هذه الحضارات, واهمية تفاعلها مع المجتمع الاسترالي لتصبح بذورا عريقة لحضارة استرالية عظيمة في المستقبل. كل هذا يجعلنا نرى ونسمع كل ما يربطنا ببلادنا ولغتنا وتراثنا, ونرى ونسمع اخبار المجموعات الاثنية الاخرى, ونحصي انفاسها الهادئة المطمئنة, لأن تمسك المهاجر بماضيه وتراثه من الامور الطبيعية التي يصعب التخلي عنها قبل مضي اجيال, وهذا ما عبر عنه الشاعر الفلسطيني الاسترالي عبد الكريم السبعاوي في قصيدة حملت اسم انشودة الى استراليا: قد تكون سماءك اكبر ونجومك اكثر وسحابك اغزر قد يكون ترابك مسكا وعنبر والحصى فيه تبر وجوهر... والينابيع سكر وغابات عينيك ابهى وانضر قد تكون صباياك فارعة كالصنوبر بكفين عصفورتين وثغر منور قد تكونين واحة هذا الزمان وظلك يمتد ــ حتى النهايات ــ اخضر قد اغير فيك مراح شبابي وطراز ثيابي واطباق مائدتي وشرابي قد اغير كل صحابي صحفي التي قد تعودت اغنيتي وكتابي قد اغير حتى لساني ولون اهابي واكثر ... واكثر ولكنني لن اغير قلبي فقلبي لا يتغير