لست من الجيل (التلفزيونجي) الذي ارتبط بهذا الجهاز الخطير واصبح جزءا اساسيا من حياته. فأنا من جيل تربى على صحبة الكتاب, وكان الراديو أساسيا بالنسبة له , ويا سلام عندما تجتمع المتعتان.. القراءة في كتاب (لا يكون بالطبع من أعمال ثروت أباظة او عبد العظيم رمضان) مع الاستمتاع بموسيقى (لا تكون بالطبع من أعمال خليل بانجو أو علي حميدة)!! الآن.. أصبح التلفزيون هو الأصل, وتعددت المحطات, وامتدت أوقات الارسال حتى أصبحت تشمل ساعات النهار والليل جميعا, ثم جاء (الدش) والاقمار الصناعية لتصبح محطات العالم كلها أمامك, وتشتد المنافسة, ويصبح للحياة لون آخر من صنع التلفزيون. في الأسبوع الماضي كنا نسهر عند أحد الاصدقاء, وكان المفروض أن نتداول الحديث في موضوع هام, ولكن ما حدث أن الموضوع توارى بعد دقائق, ليتفرغ الجميع للتلفزيون الذي ظهر أن صديقنا خبير لا يبارى في محطاته وبرامجه. وعلى مدى ساعات طوال كان الرجل يتلاعب بعدة أجهزة من أجهزة التحكم (الريموت كنترول) ويعيد ضبط الايريال والقنوات, وينتقل بين محطات الشرق والغرب, والنتيجة أننا شاهدنا في السهرة أربعين محطة عربية واجنبية.. ولكننا في الحقيقة لم نشاهد شيئا! فالجهاز في يد صديقنا لا يستقر على حال, والمتعة عنده لم تعد المشاهدة بل القفز من محطة لاخرى, وشرح ما يبدو غامضا للمبتدئين في التلفزيون من أمثالنا.. فهذا جهاز للعشرة (الاوائل) اي للمحطات التي تحتل المرتبة الاولى أو هكذا يزعم أصحابها, وهذا جهاز آخر للعشرة (الأواخر) وهي المحطات التي لا تشاهد الا في (آخر) الليل.. حيث يفترض ان ينام الاطفال في الثامنة وينام الكبار في العاشرة, وهو أمر لا علاقة لنا به حيث النوم والعمل والدراسة على الكيف وحسب المزاج! وقد أخذ صاحبنا يستعرض لنا معلوماته الوفيرة عن قنوات التلفزيون في كل أنحاء العالم, ومميزات كل منها, وأفضل الاوقات لمتابعة برامجها الشرعية وغير الشرعية, فالرجل ــ والشهادة لله ــ كائن تلفزيوني كامل الاوصاف ولو رأيته وهو يتلاعب بأجهزة (الريموت كونترول) ويتقافز بين القنوات لانبهرت بهذه القدرات, حتى ولو كنت في النهاية لن ترى شيئا او تستمتع بشيء. لكني لم استغرق في الانبهار بصاحبنا الذي كان يبدو كالمايسترو الذي يتحكم في الأداء, فقد استغرقني سؤال قد يبدو ساذجا وهو: ماذا فعلنا بالتلفزيون وماذا فعل التلفزيون بنا؟ ونستبعد صاحبنا لأنه حالة استثنائية في دنيا التلفزيون لا ينبغي القياس عليها, ونبقى مع الملايين الذين اصبح التلفزيون يمثل جزءا أساسيا من حياتهم. ونستبعد (الآخرين) في العالم الذين يعرفون كيف يتعاملون مع التكنولوجيا التي يصفونها بأنفسهم, فيستخدمونها الاستخدام الأمثل, وفي حالتنا هنا يعرفون كيف ينتقون ما يناسبهم من برامج يعرفون بها شؤون العالم ويضيفون لانفسهم القدر الذي يريدونه من متعة أو ثقافة او تسلية. نترك كل ذلك الى عالمنا العربي, حيث أصبح التلفزيون اكثر أهمية, واكثر خطورة, فهو بالنسبة لملايين العائلات بابهم الوحيد الى العالم.. في ظل ظروف يتضاءل فيها دور الكتاب الى حد رهيب, ويختفي المسرح الجاد ولا يبقى الا مسرح لا تستطيع الاسرة ان تدخله وهي آمنة لان ما فيه يفوق ما جاء في تسجيلات مونيكا وكلينتون مئات المرات! وأيضا في ظل سينما يبدو أن الجميع يستعد لقراءة الفاتحة عليها مثل اتفاقيات أوسلو, وفي ظل ظروف اقتصادية تجعل بقاء العائلات في منازلها أمرا واجبا خاصة اذا رافقته تقاليد راسخة لا تعرف كيف تتمتع بالاجازة وتعتبر زيارة المتاحف عملا من أعمال العلمانية التي ينبغي محاربتها, وأن الاهتمام بالآثار كفر, والخروج الى الطبيعة لا يتلاءم مع عصر الهامبورجر والثقافة الامريكية والحضارة الغربية. في ظل هذه الظروف كان التلفزيون مرشحا ليكون الحل,, ومازال كذلك. ولم تكن تنقصنا الامكانيات المادية ولا البشرية وبالفعل اصبح لكل دولة عربية تلفزيونها, ثم كانت الثورة الاعلامية التي اجتاحت العالم كله, وتعددت القنوات واشتدت المنافسة, ثم كان عصر الاقمار الصناعية والقنوات الفضائية الرسمية والتجارية.. ولكن ماذا كانت الحصيلة حتى الآن؟ حتى الآن مازلنا خارج المنافسة.. لأننا لم ندخلها بعد! فالقنوات الفضائية التي يراها العالم معنا هي صورة للقنوات المحلية, والقنوات المحلية مازالت تعتمد على أسلحة بالية.. مسلسلات هي ــ في معظمها ــ تافهة, وغياب كامل عن ايقاع العصر في التغطية الاخبارية, وبرامج استعراضية في الكلام الذي لا معنى له في البرامج الحوارية.. وبعد ذلك كرة قدم تثير الملل اكثر ما تثير الحماس, وغناء جعل مشاهدة فيروز او وديع الصافي جريمة تلفزيونية لانهما مازالا بعيدين عن موضة العصر التي أسموها (الفيديو كليب) والتي اصبحت الاغاني تنجح فيها بمقدار التوفيق في اختيار الفتيات اللاتي يرقصن وليس في جمال اللحن او الأداء! والنتيجة ان المنافسة بين القنوات العربية الفضائية قد انحصرت في النهاية في سلاح هام وخطير وهو.. سلاح (التقصير) ! فبعض القنوات اللبنانية قادت بنجاح كبير مسيرة (تقصير) فساتين المذيعات.. وحتى الآن فقد كسبت هذه القنوات الجولة! لكن (تقصير) الفساتين والكشف عن السيقان ليس هو المشكلة الحقيقية, فالاخطر هو (التقصير) الفكري اذا صح التعبير, فالكل يدخل في سباق للاستخفاف بعقول المشاهدين.. والنتيجة فيضان من المسلسلات التي تسعى لنشر الغباء, ومطربون يهزون الوسط, ومطربات بعضهن يغني من الأنف او بنصف لسان, وبرامج (طق الحنك) التي لا تقول شيئا, وتلفزيونات المشاهدين التي حولت قنوات التلفزيون العربية الى سنترالات! حتى برامج (الحوار السياسي) التي يراد لها ان تكون ساخنة.. لم تعد كذلك, لأنها ــ في معظمها ــ تستهدف (الفرقعة) الاعلامية, وليس المساهمة في تنوير العقل العربي ومناقشة قضاياه الحقيقية, ولأنها تنصرف الى الماضي بأكثر ما تنصرف الى المستقبل, ولأنها تتحول في كثير من الأحيان الى مجرد حوار طرشان تكشف لنا وللجميع اننا لا نحسن الحوار, فتكون النتيجة في هذه البرامج, كما في حياتنا السياسية والفكرية, ان يتكلم الجميع في نفس الوقت ولا يستمع أحد. والأمر يحتاج لوقفة.. لأن ما يحدث من فوضى تلفزيونية عربية (بالاقمار الصناعية أو بدونها) يهدر المال والجهد, والأهم من ذلك أنه يبدد كل الفرص للاستفادة الفعلية من هذه الانجازات, ويدفع كل من يبحث عن الحقيقة او ينشد المتعة والثقافة الى البحث عنها عند غيرنا!! ولا أريد ان أتحدث عن تنسيق عربي أو عمل مشترك في هذا المجال, فتجربتنا في العمل المشترك لا تسر عدوا او حبيبا.. ولهذا فالمطلوب مجرد بداية تتمثل في قناة تلفزيونية تخاطب عقل المشاهد العربي, وتتجه للمستقبل, ولا تهتم بخلافات الحكومات او اتفاقها, وانما تتجه الى الرأي العام العربي تناقش معه كل الآراء وكل القضايا بعقل مفتوح وفكر متحرر, وتثبت للجميع ان العروبة ليست خرافة, وليست إرثا من الماضي او تعلقا به, وانما هي توجه للمستقبل. وأراهن ان مثل هذه المحطة ستأكل الجو من محطات هز الوسط, واستعراض السيقان او التفاهة, والمسلسلات الممطوطة, والحوارات الغبية. ويا أهل التلفزيون.. إلحقوا المشاهدين قبل أن يفروا منكم, لأنهم اذا خرجوا فلن يعودوا!!