قد تختلف أو تتفق مع كتابات الاديب والاداري والدبلوماسي السعودي د. غازي القصيبي, ولكنك لا تستطيع ان تنكر ان تلك الكتابات باختلاف اشتاتها وتنوع موضوعاتها تقدم لك اهم ما يطلبه القارىء بالاضافة الى الفائدة ألا وهي المتعة . في عالمنا العربي تخرج لنا المطابع آلاف الصفحات التي لا يخلو بعضها من فائدة ولكن القليل منها هو الذي يضيف إلى جانب ذلك الامتاع والتشويق. جذبني أسلوب القصيبي في البداية عندما نشر مقالاته المعروفة اثناء أزمة الكويت بعد اغسطس المشؤوم, وصحيح ان تلك المقالات كانت في معظمها مقالات سجالية وهجائية الا انها كشفت عن موهبة راقية في فن كتابة المقالة الصحافية الممتعة التي تخلط التحليل بالسخرية والموقف بالعقلانية. ثم تابعت بعد ذلك اعماله الروائية مثل (شقة الحرية) , و(العصفورية) وكتبه النثرية المختلفة مثل (الغزو الثقافي ومقالات أخرى) و(صوت من الخليج) وغيرها. ولقد أمضيت الأسبوع الفائت وقتا ممتعا مع كتاب سيرته الذاتية الذي صدر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان (حياة في الادارة) . منذ البداية يحذر الكاتب القارىء لسيرته بأنه لا يوجد فيها اسرار تسيل اللعاب لأن الامور الحساسة التي اطلع عليها اثناء التصاقه بالقيادة السعودية والتي تتعلق معظمها بالسياسة الخارجية لا تزال اسرارا لا يمكن كشفها! ويؤكد في مقدمة الكتاب ان هذه المذكرات تقدم نكهة الثورة التنموية التي عاشتها المملكة اثناء الطفرة البترولية, وتستعرض بعض الدروس الادارية العملية التي استفادها في مسيرته الادارية في الادارة الجامعية والقيادة الوزارية والعمل الدبلوماسي. وهذه الامور كما نعرف لا تفتح شهية القارىء العادي, فقليل من الناس يرغب في قراءة صفحات طويلة عن قضايا التنمية والاقتصاد والوعظ الاداري, ولكن لا تدع كلام المقدمة يؤثر في حماستك للمضي في قراءة هذا الكتاب الممتع الذي اعتبره من افضل كتب السيرة الذاتية التي صدرت في منطقة الخليج والجزيرة العربية في هذا العام. صحيح ان المؤلف يتكلم عن التجربة التنموية في المملكة العربية السعودية وصحيح انه يتحدث عن الادارة الحكومية السعودية بإيجابياتها وسلبياتها, ولكنه يفعل ذلك بأسلوب أدبي رشيق وبعبارات حلوة وبسرد ممتع. تبدأ السيرة الادارية عند ولادته في الاحساء عام 1940 حيث يذكر ان حياة الانسان تبدأ بورقة ادارية هي شهادة الميلاد ولا تنتهي رسميا الا بورقة ادارية اخرى هي شهادة الوفاة وبين الورقتين تحاصره الادارة بأوراق عديدة تمضي معه في مسيرة حياته. أول تجارب الكاتب مع الادارة تبدأ بملاحظة علاقته وزملائه الطلبة بالادارة في دراسته الابتدائية والثانوية في البحرين وفي دراسته الجامعية في القاهرة والولايات المتحدة الأمريكية, ثم ينتقل بعد ذلك الى تجربته الادارية والتدريسية في جامعة الملك سعود ويعرج على دراسته للدكتوراه في جامعة لندن وعودته للجامعة ونشاطاته الاعلامية وتقدمه الوظيفي في الجامعة الى درجة العمادة في فترة قياسية نتيجة للظرف التاريخي ومشاكل الادارة الجامعية واتباعه للأسلوب الهجومي في موقعه الاداري الجامعي وبعد ذلك في رئاسة السكة الحديد (مدرسة تدريب الوزراء في السعودية!) وانتقاله بعد ذلك لوظيفة وزير تكنوقراطي شاب (35 سنة!) في وزارة جديدة هي وزارة الصناعة والكهرباء وإشرافه بعد ذلك على وزارة الصحة لمدة قصيرة انتهت بإقالته لاختلافه في الرأي مع القيادة السياسية العليا واختياره لوظيفة مريحة كسفير لبلاده في البحرين حيث ركز على حبه الكبير وهو الأدب. الكتاب حافل بسرد مشوق لكل تلك المحطات في حياة هذا الأديب والاداري المميز, وهو بالطبع ككل كتب السيرة الذاتية (وجهة نظر ذاتية) مهما حاول مؤلفها ان يكون موضوعيا (الدفاع المفصل ضد الاتهامات التي وجهت له مثل الغرور وحب الظهور وعشق الإعلام... الخ) وهو أيضا مخلص لعنوانه اذ انه يركز على الجانب الاداري في حياته مغفلا الجوانب الاخرى مثل الجانب السياسي (اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز لم يأخذ في الكتاب سوى سطر واحد تقريبا!) والجانب الذاتي (نادرا ما يتكلم عن حياته العائلية أو الاجتماعية بشيء من التفصيل!). الجوانب السيئة في طباعة الكتاب راجعة للناشر الذي لم يقسمه إلى فصول متعددة مما يزعج القارىء العادي الذي يطلب منه ان يقرأ الكتاب في (سحبة واحدة) كما يقولون, كما خلا الكتاب من فهرست للإعلام والأماكن. طرائف الكتاب كثيرة وسأختار للقارىء الكريم بعضها لكي أفتح شهيته لقراءة هذا العمل المميز. يذكر الكاتب حوارا بينه وبين والده يعكس كيف ينظر الكثير من الناس في عالمنا العربي للوظيفة الحكومية: (خلال حوار نادر عن مستقبلي, عن خططي للمستقبل) . قلت له إني أنوي إكمال الدراسة. قال: (لماذا لا تعمل معي ومع إخوتك في التجارة؟) قلت: (أعتقد انني لا أصلح للتجارة) قال: (وماذا تنوي ان تفعل بعد الدراسة العليا؟) قلت: (أنوي الالتحاق بالخدمة العامة) . أطرق يفكر قليلا ثم سأل: (تنوي ان تعمل موظفا حكوميا؟) قلت: (نعم) قال: (هل تعرف المصير الذي ينتظر موظفي الحكومة؟) قلت: (لا) قال: (الفقر أو السرقة!) قلت: (أرجو ألا أفتقر ولا أنوي أن أسرق) قال: (أنت وشأنك) .