كثيراً ما يحدث وأنت تتصفح صحف الصباح أو المساء, ان تقع عيناك على نبأ صغير لا يتجاوز حجمه سطرين او ثلاثة, ولكنك تفاجأ بأنه يفتح بقوة صندوق ذكرياتك, فإذا بها تتدفق حاملة معها امواجاً من المشاعر والحنين, فتعيش معها لحظات دافئة كأنها كانت بالأمس القريب .. وقد حدث لي هذا من يومين, عندما وقعت مصادفة على نبأ يقول ان جمعية العقاد للشعر العربي منحت احدى جوائزها هذا العام لشاعرة من الجيل الجديد بمناسبة ظهور أول ديوان لها.. قلت لنفسي لا بد وأن الأمر يستحق, فالجمعيات الأدبية ــ غير الحكومية بنوع خاص ــ لا تمنح جوائزها اعتباطاً, ولا بالواسطة, ولا بالأوامر من فوق ومن ثم فمن المؤكد ان الشاعرة قد فازت بجائزتها عن جدارة. غير اني عندما طالعت بشغف اولى قصائد الديوان أيقنت انه من المؤكد ايضاً انه لو كان العقاد نفسه على قيد الحياة لما كان من الممكن بالمرة ان تحصل الشاعرة الفائزة على اية جائزة كبيرة او صغيرة, بل لكان من المستحيل اصلاً ان تنظر الجمعية التي تحمل اسمه في قصيدة واحدة من ديوانها وذلك لسبب آخر تماما, هو ان قصائدها التي اهلتها للفوز بالجائزة كانت من الشعر الحديث الذي يعتمد في ايقاعه على التفعيلة, ولا يلتزم بالقافية.. والعقاد ــ رحمه الله ــ كان شديد التزمت والحسم في هذه القضية فالكلام لا يكون شعراً الا اذا كان على شكل قصيدة عمودية كل ابياتها موزونة بالمقاس على بحر واحد, وتنتهي كلها بقافية واحدة.. وأقصى ما يمكن ان يتسامح معه في هذا السبيل هو الموشحات الاندلسية.. وان كان ذلك منه على مضض.. وبغير استحسان.. وعندما كان العقاد رئيساً للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب كان يحيل اية نصوص تصل اليه من الشعر الحديث الى لجنة النثر.. مهما كانت قيمتها الفنية.. وكان من بين النصوص التي رفضها بجرة قلم أعمال لشعراء عظام مثل عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور واحمد عبدالمعطي حجازي ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي.. وآخرين غيرهم من الأسماء الكبيرة التي تلألأت ــ رغم اعتراضه ــ اضاءت وما زالت تضيء سماء الشعر العربي المعاصر.. وهكذا شهدت تلك الأيام معارك طاحنة امتدت نيرانها من مصر الى سائر ارجاء الوطن العربي بين العقاد الذي بدا وحده واقفاً كالجبل الأشم في مواجهة اسراب الشباب الذين راحوا يناوشونه من كل جانب متهمين إياه بالجمود والتخلف والعجز عن ملاحقة ركب التقدم الذي كان يفرض ايقاعه على كافة المجالات الثقافية والسياسية على حد سواء.. وربما زاد من حدة هجوم هؤلاء على العقاد ان موقفه هذا كان يتناقض الى ابعد حد عن تاريخه كداعية للتجديد, وكمناضل ثوري دخل السجن في سباق نضاله, وكمفكر عظيم من مفكري التنوير ما زالت (عبقرياته) ــ وهي بعض مؤلفاته ــ تعد من اسطع المنارات في الفكر العربي الحديث.. وفي المقابل, كان العقاد يهاجم نقاده متهما اياهم بالجهل, والقصور, والعجز عن نظم القصيد.. ثم زاد على ذلك باتهامهم انهم عملاء, مأجورون من اعداء العروبة والاسلام هدفهم تخريب لغة القرآن! والذي لا نزاع فيه ان العقاد كان مؤمناً تماماً انه على حق. وانه في موقفه ضد الشعر الحديث انما يقاتل من اجل الحفاظ على الأصالة, والأصالة ــ في رأيه ــ انما تعني التشبث بالسمات المميزة للشعر العربي الذي استمد انفراده تميزه وعذوبته من الالتزام بوحدة البحر والقافية, على مدى عشرين قرنا أو أكثر, منذ ان انشد حداة الابل اولى اغنياتهم على وقع خطواتها فوق الرمال.. ومن ثم, فإن كل من ينكر (العمود) في شعرنا انما هو معول هدام يحاول اقتلاعنا من جذورنا, وطمس اعظم ما بقي لنا من تراثنا.. اما من منطلق (العمالة) لاعداء العروبة والاسلام, واما على أحسن الفروض نتيجة العجز عن نظم القصيد في القوالب التي تعارف عليها الشعراء من قديم الأزل.. من امرىء القيس والنابغة الى احمد شوقي و(العقاد) مرورا بالمتنبي والبحتري وأبي تمام.. الخ.. فهل حاول احد من هؤلاء نظم قصيدة بالتفعيلة؟ أم ان هؤلاء (الأولاد الجهلة) يتصورون انهم آتون بما لم يأت به الأوائل؟ هكذا كان العقاد يقول لنفسه وللآخرين. ولعل هذه كانت المعركة الوحيدة التي خسرها العقاد في حياته. وها هي جائزة الجمعية التي تحمل اسمه تؤكد انه خسرها حتى بعد مماته.. وكأنما يد خفية تمتد لتغلق صندوق الذكريات فإذا بي أسأل نفسي, هل تراني اليوم وأنا أهاجم (قصيدة النثر) والشعر الحداثي عموماً الذي ينكر ايقاع التفعيلة ويرفض ادراجها في باب الشعر من الأساس, اقف في نفس الخندق الذي كان فيه العقاد وهو يرفض الشعر الحديث؟ طبعاً القياس مع الفارق.. فأين انا من سماء العقاد؟ ولكني ايضاً شديد الايمان بأن الكلام اما ان يكون نثراً او شعراً وأن الحد الفاصل بين الاثنين هو الايقاع والنغم.. ومهما كان الكلام جميلاً وخلاباً وأسوأ للقارىء والمستمع فإنه لا يندرج تحت اسم الشعر الا اذا كان موقعاً منغماً.. هذا هو يقيني ولكن, دعوني اعترف يا أحبائي ان يقيني هذا فيه بعض الاهتزاز.. واني لا استطيع مقاومة السؤال الذي يهزني.. ألا وهو: ألم يكن العقاد ايضاً شديد الايمان بما يقول؟