الى الصديق الكبير الدكتور طه حسين: (هونك لبروم دي أو كسدنتي أوتي ميسيموس كي سكر بتوس انجنيو فيتا سوليس .. إلخ) .وأنت بداهة تفهم الكلمات الست الأولى من الاهداء ــ ولكن يحار فهمك, مثل العبد الفقير , في بقية الاهداء .. ببساطة لأنه باللغة اللاتينية التي لم يعد يتكلمها أحد ــ اللهم الا مصطلحات على ألسنة الاكاديميين أو دروشات في تراتيل الكهنة في هذا المعبد أو ذاك من معابد الغرب الأوروبي. ولقد كنت قد تعلمت أصول اللاتينية في مراحل الدراسة وعلى امتداد سنوات أربع ــ وأنُسيتها بالطبع من كر السنين وتقدم العمر وعدم الاستعمال .. ورغم ان العبارات اللاتينية المهداة إلى الصديق الكبير الدكتور طه حسين يتحدث بها صاحبها عند تقديم كتابه الى الاستاذ العميد وقد يعرب فيها عن تقديره للدكتور طه الذي سبق الى الكتابة في ابداع وحيوية الغرب .. إلخ, رغم هذا الفهم ــ وهو بالجملة كما ترى ــ فما زال الاهداء يستفزني, وربما هذا هو عين ما قصد إليه كاتبه وهو الدكتور حسين فوزي الذي كان في عداد الأعلام الكبار حتى رحيله منذ نحو عشرين عاما قد تقل وقد تزيد. كنت محظوظا إذ عرفت الدكتور حسين فوزي, أو بالأدق حين سعيت للتعرف عليه, وكان ذلك في مقتبل حياتي العملية, مذيعا أروض القلم على الكتابة والتعبير ما بين ميكروفون اذاعة (صوت العرب) الى مقال هنا أو هناك ترتضي نشره مجلة شبه معروفة, أو بالأدق شبه مجهولة, ثم تنفح كاتبه النحرير خمسة جنيهات كاملات كانت لها شنة ورنة ايام الستينات الذهبية حتى ليكاد المرء يخفي أمرها اتقاء لعيون الحاسدين. إن حياة وأعمال الدكتور حسين فوزي قصة تستحق ان تروى ولا ندري لم تأخر عن الصدور كتاب عن حياة هذا العالم الأديب المبدع وكذلك كتب عن أعماله ومؤلفاته ومآثره التي غطت أكثر من واحد من مجالات الفكر والعلم والفن والادب والابداع؟, حسين فوزي قاهري أصيل, ولد مع فاتح هذا القرن ودائما يقترن في ذاكرتي بنظير له وقرين هو العم يحيى حقي المولود عام ,1905 شهد حسين فوزي, وهو بعد في رواء اليفاعة ثورة 1919 وعاصر من ثم سيد درويش مبدع الموسيقى وتخرج من بعد في مدرسة (كلية) الطب متخصصا في طب العيون, وبهذه الصفة قُيض له ان ينضم الى مجموعة من علماء البحار حملتهم على متنها باخرة الدرس العلمي (مباحث) (هذا هو اسم الباخرة ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالهيئة الموقرة التابعة لوزارات الداخلية جعل الله كلامنا خفيفا على قلبيهما معا), والحاصل ان الست (مباحث) جابت مياه البحر الأحمر والمحيط الهندي في عقد العشرينات في مشروع لدراسة البيئة الطبيعية والبحرية والنباتية, فضلا عن البيئات الديمغرافية - البشرية التي تعيش مطلة على تلك العوالم الشاسعة من المياه وبخاصة سكان الجزر المتناثرة في البحر وفي المحيط. وربما استهوت حياة البحر ودراسة الأحياء المائية الطبيب المصري الشاب حسين فوزي, فإذا به يذهب الى فرنسا وكان قد تأثر بثقافتها اللاتينية وهنا يكمن الجسر المشترك الذي التقى على أديمه مع صديق عمره طه حسين ــ واذا بدكتور العيون يتحول الى التخصص في علوم البحار ثم يعود الى وطنه ليشارك في انشاء جامعة الاسكندرية ــ ثاني الجامعات الكبرى في مصر ويشرف على كلية العلوم, ومن ثم على تأسيس معهد الاحياء المائية القائم في الثغر المصري المتوسطي حتى يومنا هذا, وهو الاول من نوعه في الوطن العربي. على ان الدكتور حسين فوزي كان رجلا شغوفا بالمعرفة, تواقا الى الجديد, لاعجب ان اتخذ لنفسه اسما أدبيا هو (سندباد) آية على شغفه الدؤوب الى الرحلة ــ سواء كانت مادية, أو كانت رحلة على جناح الخيال .. المهم ان طبيب العيون ــ استاذ الاحياء المائية ــ الرحالة الذي يحدوه شوق مقدس متلهف الى اقتحام الجديد ــ ما لبث ان جال في عالم الموسيقى ليصبح واحدا من اساتذتها الأعلام .. أو يصبح عمدة المتذوقين للموسيقى في ارفع وأكمل أشكالها وهي الصياغة السيمفونية .. من هنا كانت اذاعاته الشهيرة كل اسبوع على الموجة التي خصصتها اذاعة القاهرة لعشاق الثقافة العالية والإبداع الرفيع والأدب الراقي, وقد خلعت عليها اسم (البرنامج الثاني) ــ لتكون زادا لصفوة المثقفين ونخبة متذوقي الابداع الموسيقي .. يأنسون الى صوت الدكتور حسين فوزي وشروحه الصافية الطلية والفاهمة لفن النغم في أرفع صياغاته ومن بعده تنساب الأنغام يكاد يتألق بها ويزدان وجه الحياة شجنا وشجوا وسعادة وحبورا .. لا غرو أن يجمع الدكتور حسين فوزي بين رحيق النغم وجمال الشعر, حتى ليعمد الى كتابه المهدى ــ باللاتينية حتى لا تنسى ــ إلى صديقه طه حسين فيكتب على غلافه عبارة تصدير تكاد تلخص موضوع الكتاب, يستقطرها قلمه البليغ الرشيق فيقول فيها في مزج بين فن اثنين من عباقرة المانيا وهما الشاعر شيلر وعبقري النغم بتهوفن: (رب: هبنا من لدنك الجمال معقودا بالخير) . ولم تحل الاعوام الاربعون التي كانت تفصل بين عمرينا ــ حسين فوزي وكاتب السطور ــ ولا حالت تجربته الحياتية الفائقة التنوع والمفعمة الثراء دون ان يتلطف فيرتب لي لقاء معه كل اسبوع, اذ كان يأتي لتسجيل برنامجه (مع الموسيقى) عصر كل خميس في استوديو رقم (10) الكبير في مبنى اذاعة القاهرة بشارع الشريفين .. وفي كل مرة كان يأتي في يده كتاب من كتبه الجميلة وعليه اهداء الى (أخيه فلان .. (ثم عبارة تعريف أجمل رشاقة سبكها بموضوع الكتاب وكم كان يروق لي ان اسأله عن .. طه حسين صديقه الأثير وكان كل منهما يأنس الى الآخر ــ وكانت معظم اسئلتي تدور ــ يا للغرابة ــ حول بيت طه حسين ــ وكيف يسلك في حياته الشخصية وكيف يتعامل مع أهل بيته, طه حسين المعلم العميد الكاتب والمفكر كنت أعرفه من خلال سطور كتبه وايضاً من خلال احاديثه الاذاعية التي كنت احرص ــ حتى في مقتبل مراحل العمر ــ على متابعتها. ومن عجب ان كان أهلنا وجيراننا الطيبون يكفون عن الكلام اجلالا للدكتور طه حسين بيك أو طه حسين باشا ( وقد نال مرتبة الباشوية في عام 1950 حين اختاره الزعيم الجليل مصطفى النحاس وزيرا للمعارف (التعليم) وكان ذلك رغم أنف الملك فاروق أو على غير هواه, كان حديث الدكتور طه عن الأدب أو الفكر ولم يكن أهلنا في حي السيدة زينب يفهمون ــ علم الله ــ من كلام الدكتور قليلا أو كثيرا ... لكن ثمة سحر من نوع خاص كان يلف المكان حين ينساب صوت الدكتور طه حسين جليلا وعميقا ــ وتكاد موسيقى النبرات العذبة ترسل السامعين الى نوع من السحر العجيب (وتحسن صنعا شركة القاهرة للصوتيات اذا ما طرحت في الاسواق اشرطة تحوي مقتطفات سائغة طلية من احاديث رجال مقتدرين كبار من امثال الدكتور طه حسين والإمام الراحل محمود شلتوت .. وربما الكاتب الكبير فكري أباظة, هذ لو كان ارشيفها لا يزال محتفظا بما كان يذيعه من أحاديث ــ محاضرات الراديو كما كان يسميها فكري أباظة ويقدمها بأسلوب ساخر لذيذ في نقد المجتمع والأعراف والأخلاق). ومن الطريف ان الملك فاروق كان لا يستريح الى طه حسين, الأزهري الكفيف خريج فرنسا لماذ؟ لانه كان يعتبر طه حسين .. شيوعيا(!) ولعل الملك قد تأثر بأقاويل حاشيته أو المقربين اليه ممن قرأوا اهداء طه حسين لكتابه الشهير المعذبون في الأرض يقول فيه: (الى الذين يؤرقهم الشوق الى العدل, وإلى الذين يحرقهم الخوف من العدل .. إلى الذين لايجدون ما ينفقون وإلى الذين يجدون مالا ينفقون .. أسوق هذا الحديث) . وبمناسبة الاهداءات التي يصدر بها المؤلفون كتبهم, لا تزال ترن في الذاكرة اصداء العبارة التي صدر بها توفيق الحكيم رائعته (عودة الروح) وقد قبسها من سطور كتاب الموتى من تراث مصر القديمة فقال: ــ (حين يصير الزمن الى خلود .. سوف نلقاك من جديد .. لأنك صائر إلى هناك, حيث الكل في واحد) . وما زلت ايضا استرجع رجفة الاعجاب التي انتابتني وأنا في مطالع الصبا حين تناولت كتابا كان عنوانه (الصين الشعبية) يحكي بأسلوب متدفق بالفكر, جياش بالحيوية وبالعواطف ملحمة تحرير الصين من الفقر والأفيون والتخلف على يد ماوتسي تونج ورفاقه, كانت تلك هي المرة الأولى التي أقرأ فيها اسم المؤلف (محمد عودة) وكان الاهداء مباشرا بقدر ما كان بسيطا موجزا بقدر ما كان نبيلا يحمل هذه الكلمات: (الى أهل قريتي) ومن يومها ظل محمد عودة بالنسبة لي وللكثير من ابناء جيلي استاذا وصديقا, سياسيا وفنانا وانسانا قبل كل شيء. ومن اطرف الاهداءات ما أورده الأديب الراحل يوسف السباعي في روايته الجميلة (أرض النفاق) وقد صدرها بعبارة تقول: ــ الى أعز الناس الى نفسي وأقربهم الى قلبي .. الى ... يوسف السباعي, ولو قلت غير هذا لكنت رأس المنافقين في أرض النفاق. والشيء بالشيء يذكر كنت مقيما في بيروت في فاتح الثمانينات, وعهدوا اليّ بترجمة كتاب وضعه مؤلفه, الدكتور سعد الدين ابراهيم بالانجليزية وكان عنوانه: (النظام الاجتماعي العربي الجديد) (ولم اضع اسمي على الكتاب للاسف, بسبب قيود الوظيفة التي كنت أشغلها) وانجزنا الترجمة بسرعة لاهثة اقتضتها ظروف الحرب اللبنانية واحوال السياسة المصرية وقتها, ولم يخفف من جو التوتر المشحون خلال انجاز الترجمة سوى ضحكة مجلجلة ختمنا بها العمل المضني, لقد شرع المؤلف في المقدمة في الاعراب عن عرفانه لمن شاورهم في التأليف ومن شاركوه في طرح الافكار .. ثم اضاف قائلاً: ــ لكن أكبر الفضل في انجاز كتابي, يعود الى زوجتي السيدة بربارا ابراهيم التي لولا غيابها (!) هي والاولاد عن المنزل عدة أشهر, لما أمكن الفراغ من هذا الكتاب.